مريام كوك في شارع أبو رمانة: أحوال المثقفين في سوريا التسعينيات

محمد تركي الربيعو
القدس العربي
23032019

■ وصلت ليزا وادين، الباحثة في جامعة شيكاغو، إلى دمشق في منتصف تسعينيات القرن العشرين. يعتريها طموحٌ بإعادة معرفة ما يجري في سوريا بعد سنوات عديدة من الانقطاع الأكاديمي الغربي عنها. صور الأسد منتشرة في كل مكان؛ جسر المدينة الأساسي باسمه؛ أين ما ذهبت قابلتها صوره؛ حتّى مكتبة المدينة لم تسلم من اسمه؛ في تلك الفترة بدأ النظام يُبدي انفتاحاً بعض الشيء بعد استفاقته من صدمة انهيار الاتحاد السوفييتي؛ في المقابل كانت عبارة «الجوزة الصلبة» التي أطلقها كيسنجر عن النظام السوري في عام 1973 ما تزال فاعلة ومهيمنة في بعض الدوائر الدبلوماسية الأمريكية. كان حنّا بطاطو وريموند هينبوش وباتريك سيل قد سبقوا وادين إلى معرفة سوريا. فطغت صورة الصراعات داخل حزب البعث؛ أو خلاف النظام مع الاسلاميين، على رؤيتهم للمشهد من الداخل؛ وكان تجاوز هؤلاء الأعمدة مصدر حيرة لوادين. في هذه الأثناء، وخلال تعرّفها على سوريين كثر، أخذت وادين تستمع لنكات السوريين حول النظام؛ لتكشتف أن نكاتهم حول الأسد أو متابعتهم لمسلسل «مرايا» ذي الصبغة الاجتماعية التهكّمية ليسا مجرد حالة تنفيس، بل كان هذا العالم الرمزي يتيح لهم التقاط بعض الأنفاس، والشعور بالارتباط ببعضهم بعضا.

كانت عبارة «الجوزة الصلبة» التي أطلقها كيسنجر عن النظام السوري في عام 1973 ما تزال فاعلة ومهيمنة في بعض الدوائر الدبلوماسية الأمريكية.

رأى فوكو، في أيامه الأخيرة، أنه «أينما توجد سلطة لا بد من وجود مقاومة». ترتدي وادين عباءة هذه الرؤية؛ ستتجاوز بشكل مشوّقٍ عالم بطاطو والأسماء السابقة لصالح رؤية أخرى عن سوريا؛ نعثر فيها على أناس يقاومون أيديولوجية السلطة بأسلوب هادئ؛ تارة عبر المسلسلات الدرامية؛ وأخرى عبر النكت. سيفتح هذا الكشف الباب أمام إعادة النظر بعوالم الجوزة الصلبة؛ فرغم استمرار القمع؛ أخذ خطابه يتآكل من الداخل. مثّلت هذه النتيجة، التي قدمتها وادين في كتابها السيطرة الغامضة، كشفاً جديداً في علاقة الناس العاديين بالسلطة في سوريا. كثيرون، أخذوا يقتفون أثرها، كما هو حال المؤرخ البريطاني تشارلز تريب في كتابه «السلطة والشعب» الذي انطلق من فكرة أن «المقاومة اليومية» للسلطة غالباً ما صُوِّرت باعتبارها شيئاً عرضياً وليس منتظماً؛ وبدلاً من ذلك، اعتمد تريب على رؤية وادين ليكشف لنا عن ذاكرة أخرى حول المقاومة اليومية التي عاشتها مدن الشرق الأوسط في القرن العشرين.


كما أبدى أيضاً أكاديميون أمريكيون تأثراً برؤية وادين؛ لتغدو رؤيتها مع بداية القرن الحادي والعشرين دليلاً لفهم حياة السوريين ويومياتهم داخل المجال العام. من بين هؤلاء، يمكن الإشارة إلى كتاب الأكاديمية الأمريكية مريام كوك (سوريا الأخرى/صناعة الفن المعارض) الصادر عام 2007 عن جامعة ديوك الأمريكية؛ وقد تُرجِم حديثاً للعربية عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة حازم نهار. كانت كوك قد أعدّت هذه الكتاب بعد دراسة ميدانية أجرتها في دمشق بين عامي 1995 و1996. نكتشف، من الصفحات الأولى للنسخة العربية، تأثُّرَ كوك بمقولات وادين حول «تقديس الأسد» ومقاومة هذه الظاهرة. بيد أن كوك بدلاً من السفر في عوالم النكت والمسلسلات، تصحبنا في رحلة للتعرف على عوالم الأدب السوري والمسرح وأفلام السينما المعارضة للنظام. في تلك الفترة كان الأدباء السوريون غير معروفين كثيراً. فالافتراض الشائع يقول أن النظام السوري نظام قمعي، وفي ظلّه لا يمكن لشجرة أو غرسة ضمير أن تنمو إلا في السجن أو من خلال اللجوء لخارج البلاد. سيشهد عام 1996 نهاية التحكّم المطلق في انتشار المعلومات. كانت الصحون اللاقطة قد بدأت بالانتشار؛ أخذت تظهر مشهد المدن السورية وعاصمتها دمشق من السماء ك»حقول من الفطر» وفق تعبير كوك.

نكتشف، من الصفحات الأولى للنسخة العربية، تأثُّرَ كوك بمقولات وادين حول «تقديس الأسد» ومقاومة هذه الظاهرة.

في شارع أبو رمانة

خلافاً لمقدمة المترجم الجافة، تكشف لنا كوك عن أسلوب وطريقة سرد رشيقة وشيّقة؛ عن أسلوب في الكتابة الأكاديمية أقرب ما يكون لأسلوب الرحلات؛ نعثر في زواياه على أبطال وقصص ومسرحيات؛ على أصوات كتّاب سوريين؛ كثير منهم ربما بات منسياً أو باتت أعماله غير معروفة لأجيال جديدة من السوريين؛ ألفت الإدلبي وإبراهيم صموئيل وملاّحة الخاني؛ وغيرها من الاسماء. في أحد زوايا شارع أبو رمانة في العاصمة دمشق؛ يختبئ المركز الفرنسي للشرق الأدنى؛ ربما عبر كثيرون هذا الشارع مراراً وتكراراً بدون أن يلاحظوا وجوده؛ لم تكن لائحة المركز أو بوابته تشيان بوجود نشاط ثقافي رفيع خلف جدرانه. لطالما عُقِدت في داخله أهم الورش والمحاضرات الثقافية؛ كما كان فرصة لقلة من السوريين للتعرف على باحثين غربيين، يأتون لمحاضرات تتعلق بتاريخهم الحاضر أو بتاريخ مدنهم. في نهاية مايو/أيار 1996، ستُدعى كوك إلى المعهد الفرنسي في دمشق لإلقاء محاضرة. «اخترت عنواناً لكلمتي شعاراً رأيته معلقاً في معظم أرجاء العاصمة السورية، /الثقافة هي الحاجة العليا للبشرية». مثّلت تلك العبارة فرصة لها لاختبار بعض الأفكار التمهيدية عن روايات عقد التسعينيات وأفلامه، ومعاينة رد فعل الجمهور حول المعارضة الفكرية في سوريا حافظ الأسد. حين وصلت دمشق قبلها بعام؛ بدا لها المشهد الحضري حافلاً بالشعارات الحزبية التي صبغت المناظر العامة للمدن بصور عملاقة للرئيس الأسد، وأخرى تضمّه مع ولديه باسل (شهيد حادث السيارة) وبشار؛ طبع الصمت حياة الناس.

لم يكن أمام المثقفين سوى اللجوء لأفكار ورسائل بديلة في الأفلام والأدب والفن للهروب من هذا الغزو، وتحدّي الدولة في الوقت ذاته.

«كانت كلمة الثقافة ترتبط بظاهرة أوسع هي ظاهرة «تقديس الأسد» وتقوم على تثقيف المواطنين وتقويم اعوجاجهم، فالثقافة في سوريا مرتبطة بعبادة الرئيس». بدا النظام لكوك آنذاك مسيطراً على منظومة الرموز الموجودة لدى السوريين؛ كان كنظيره الروماني قبل عام 1989 يسعى إلى كبت أي أفكار بديلة؛ والاستحواذ على الأسماع للوصول إلى شريحة أوسع لنشر أفكاره. فلم يكن أمام المثقفين سوى اللجوء لأفكار ورسائل بديلة في الأفلام والأدب والفن للهروب من هذا الغزو، وتحدّي الدولة في الوقت ذاته. ستُتاح لها، خلال الفترة الأولى من إقامتها، فرصة زيارة كوليت الخوري؛ بخلاف بيوت دمشقية برجوازية لم تكن كوليت مهتمة كثيرا بترتيب بيتها ومظهره؛ عُرِفت بقصصها الغاضبة في خمسينيات القرن العشرين عن الرجال وأنانيتهم وكراهيتهم غير المبرّرة للنساء. عندما قابَلَتها، كانت تضفي اللمسات الأخيرة على كتابها الثاني حول جدّها فارس الخوري الذي أصبح ثاني رئيس للوزراء في تاريخ سوريا؛ كوليت، كما وجدتها كوك، مولعة في السياسة؛ وفخورة بعلاقتها بحافظ الأسد التي بدأت كما تذكر في عام 1969. ستُخبر يومها ضيفَتها الأمريكية، أن عام 1989 كان عاماً مفصلياً في تاريخ الدولة السورية، إذ دفع انهيار المنظومة الاشتراكية في أوروبا الشرقية إلى إعادة التفكير بشكل كامل في البنية الأيديولوجية التي قامت عليها الدولة منذ عام 1970. أخذ النظام يُطلق مشروعاً متناقضاً كما تروي كوك: بناء واجهة زائفة من الحرية مع إحكام القبضة على الميدان العام، خصوصاً في مجال الإنتاج الثقافي.
قام هذا المشروع على انتهاج سياسة التنفيس؛ إذ يُعطي «للسوريين شيئاً من التنفيس الممتع للضغط المحقون في النفوس.. ليعودوا بعدها إلى حياتهم من دون التفكير في تغييرها». وهنا يكمن خطر التنفيس، كما وجدت كوك، كونه يساهم في استمرارية الظلم. في هذا السياق، ستعيد كوك تأويل كتابات ناديا خوست ومحمد الماغوط كجزء من أدب التنفيس هذا؛ فكلاهما لا يتعرض للرئيس، بل للدولة وموظفيها فحسب. ففي كتابه «سأخون وطني» كان بمقدور الماغوط أن يكتب ما يريد بحصانة واضحة لأنه لم يمس الرئيس. ركّز بدلاً من ذلك على الحديث عن أخطاء الحكومات التي تخدع شعوبها، والشعوب التي تتسامح مع هذه المعاملة وتعيش في مستنقع من الخوف. لم يقترح أي فعل أو تحرك، وهذا فعل تخديري، هو جزء من تلاعب النظام الانتهازي بالمعارضة، فالدولة تضغط على معارضيها للاستمرار بمساءلة ونقد شعاراته الوردية؛ بينما يقوم هو بالأساس بتحويل المعارضة من خلال هذه اللعبة إلى أيديولوجية دولة، أو، بالأصح، إلى جزء من سياسات الدولة.

في كتابه «سأخون وطني» كان بمقدور الماغوط أن يكتب ما يريد بحصانة واضحة لأنه لم يمس الرئيس.

عروض معارضة

في أواخر ربيع 1996، تسير في الصباح الباكر برفقة ممدوح عدوان؛ يدور الكلام بينهما حول السبل التي يُمكن بواستطها تفعيل دور المسرح سياسياً. رأى ممدوح أنه: «لا يكفي أن نصف زنزانة السجين، بل لا بد من أن نقدم عن كثب مشهد انكسار الروح، ولا يكفي أن نصف آلة الطغيان، بل لا بد من أن نرفع الغطاء عن تقنية الطغيان كي نكتسب القدرة على مقاومتها» .
سيلجأ عدوان في مسرحيته «الغول» لهذه الرؤية. إذ تجري أحداثها إبان نهاية الحرب العالمية الأولى، حين كان الفرنسيون والبريطانيون يقسمون كعكة الشرق الأوسط بينهم. كان جمال باشا قد أعدم آلاف الأرمن كما تذكر الروايات، كما قام بتعبئة مئة ألف رجل ضمن حملة سفر برلك.
يحاول جمال، بينما تحاصره عيون الكراهية والتخوين، إيجاد طريقة ليكسب ثقة الناس، فينصحه أمين سجل شهادات المحاكمة أن يبدو أكثر ورعاً أمام العامة؛ ولذلك طلب من المفتي أن يجد له صلة قرابة تربطه بالنبي عبر زوجة تركية عند رسول الله. «لأنها كانت أمي يا شيخنا، فهمتها الآن». لمّح عدوان، من خلال هذه الحكاية، بشكل خطير لمحاولات حافظ الأسد ارتداء ثوب الإسلام فوق هويته المحلّية. تُسرِع كوك بعد قراءتها للمسرحية إلى عدوان «ألم يكن هذا خطراً سياسياً»، يعلّق عدوان: «المسرحية تاريخية، إنها تتحدث عن الطغيان بشكل عام».
عُرِضت المسرحية في ربيع 1996 لعدد من المرات في مسرح الحمرا الواقع إلى جانب المجلس النيابي. تصف لنا كوك مشهد الحضور: لقد منحهم الغول فرصة التقاط أنفاسهم؛ وعاد ضميرهم إلى الحياة مرة أخرى.. كان هذا هو وعد المسرح، فهو يمنح المشاهدين، كما ترى كوك، القوة ليفكروا في ما لا يُقبّل التفكير فيه. إنه يفتح حواراً داخل جدر المبنى وخارجها. دفعت مسرحية الغول، كحال المسرحيات التشيكية في السبعينيات، بالمشاهدين إلى الشعور بالامتنان على كل فارق في المعنى مهما كان بسيطاً، وبالتصفيق المحموم لكل ابتسامة قدمتها لهم. في مكان آخر، لم يمنع مرض السرطان سعد الله ونوس من إكمال مشروعه في «تسييس المسرح»؛ في عام 1993، وقبل أن تلتقيه كوك، كان قد نشر حلقات من عمله «منمنمات تاريخية» في جريدة «السفير» اللبنانية.

رأى ممدوح أنه: «لا يكفي أن نصف زنزانة السجين، بل لا بد من أن نقدم عن كثب مشهد انكسار الروح، ولا يكفي أن نصف آلة الطغيان، بل لا بد من أن نرفع الغطاء عن تقنية الطغيان كي نكتسب القدرة على مقاومتها»

تبدأ أحداث هذه المسرحية بمشهد لتيمورلنك وهو يشق طريقه نحو دمشق بعد أن غزا آسيا. بينما نعثر على ابن خلدون في منزل قضاة دمشق وهو ينصح وجوه المدينة بالاستسلام من دون قتال. كانت حجته تقول أنه لا جدوى من التدخّل في مشروع تيمورلنك؛ فالوقت هو وقت الهزيمة ولا شي يمكن فعله لإيقافها. حاول ونوس من خلال هذا المشهد انتقاد عدد من الأمور: الطاغية، المثقف الخائف، والاستجابة الانتحارية وغير المدروسة للظلم. سيقرر ونوس في هذه المسرحية تحمل المسؤولية التي تخلى عنها ابن خلدون من خلال أعماله الجريئة في نقد خطاب السلطة. كان يكتب على الرغم من الخطر الذي كان يُحدِق به، فقد كان من الممكن أن يُوقِف النظام نفقات رعايته الصحية. لقد رفض ونوس، كما ترى كوك، أن يكون مهرجاً للبلاط.

أصابع الموز

كان إبراهيم صموئيل قد خضع للسجن، رغم ذلك لم يجلب الخروج من المعتقل الحرية له؛ ففي الداخل يملأ احتمالُ لقاء الأحبة السجينَ فرحاً، وفزعاً وشجناً بدرجات متساوية ويصبح التفكير في هذه الزيارات النادرة والثمينة انهماكاً ساحقاً يسيطر على مخيلة السجناء. أما غسان الجباعي فقد كانت له قصة مختلفة. كان قد أمضى سنوات من اعتقاله في سجن تحت طريق المزة السريع «على الرغم من أننا كنا ممنوعين من الكتابة استطعت الحصول على ورقة وقلم. كان عليّ أن أكتب لأبقى حياً». وستُنشر، أثناء وجوده في السجن، مجموعةٌ من قصصه وحكاياته تحت عنوان أصابع الموز. نعثُر في هذه المجموعة ومسرحياته الأخرى، مثل «الغول والزعلول»، على حيوانات من جميع الأنواع، وظلام لا هوادة فيه، وخوف من الموت. استخدم نوعاً من اللغة المقفّعية (نسبة لابن المقفع وكتابه حول كليلة ودمنة)؛ إذ تأخذ ضباع الجباعي وعصافيره وعناكبه القارئ إلى سراديب التعذيب والزنزانات الانفرادية تحت الأرض، لتكشف لنا عن عالم سوريا الأخرى، عن عالم من الخوف؛ بيد أنه في المقابل بقي عالماً يمكن مقاومته عبر الفن والمسرح والنكت.

٭ كاتب من سوريا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*