الرئيسية / مقالات / مرونة تقي “الحزب” تحميله مسؤولية الانهيار

مرونة تقي “الحزب” تحميله مسؤولية الانهيار

أظهر الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله مرونة واضحة في احتمال التعامل مع صندوق النقد الدولي ولو وفق شروط لبنانية حددها في خطابه قبل ايام. لكن الرسالة كانت واضحة جدا لجهة التراجع عن الموقف الذي كان اعلنه مسؤولون في الحزب واعتبر نصرالله انه اسيء تفسيره، في حين ان ما اعلن كان واضحا كليا بالنسبة الى الاوساط السياسية والديبلوماسية. وتبدي مصادر ديبلوماسية عملت على خط اقنع الحزب بان خيارات لبنان ضيقة وان اي مساعدة مالية له لن تتوافر الا عبر مظلة صندوق النقد، ارتياحها لما اعلنه نصرالله، اذ انه يشكل دليلا بالنسبة اليها على امرين: احدهما هو تقدير الحزب خطورة ما يتجه اليه الوضع الاقتصادي والمالي في حال لم تتخذ القرارات الصحيحة او جرى التشبث بمواقف لا طائل منها. والآخر هو ان الحزب الذي يتحمل مسؤولية هذه الحكومة من دون ان يستطيع ان يقنع احدا آخر بالعكس، لا يستطيع ان يتحمل تبعة منع او رفض الاستعانة بصندوق النقد الدولي في اي برنامج يؤدي الى تقديم مساعدات مالية للبنان، وتاليا الانعكاسات او التداعيات الانهيارية التي ستترتب على ذلك. فقد بات “حزب الله” يعي جيدا ان لا امكان اطلاقا للحصول على الاموال من الخارج الا عبر صندوق النقد تحت طائل انزلاق لبنان الى انهيار اكبر من دون ما يمكن ان يقدمه الصندوق. وقد ساهم في تعزيز هذا الاقتناع تراجع التفاؤل الذي بني على جولة عربية او خليجية لرئيس الحكومة يمكن ان تأتي بمساعدات او بموقف ايجابي منها، خصوصا ان الانهيار في اسعار النفط والاسواق المالية العالمية نتيجة انتشار وباء كورونا اضعف بقوة فرصة الحصول على اي مساعدة مالية في حال وُجِدت وهي لم تكن موجودة اصلا.

ومن هنا فان الرسالة التي وجهها نصرالله فُهمت في اتجاهين على الاقل: الاتجاه الاول في اعطاء الضوء الاخضر للحكومة وتحديدا لوزارة المال للمضي قدما في إعداد الارضية لذلك، اذ ان وزير المال غازي وزني كان اعلن قبل يوم واحد من موقف الامين العام للحزب ان “اي لجوء الى صندوق النقد يجب ان يكون محل توافق سياسي وألا تتسبب الشروط باي معاناة”، مشيرا الى ان “خطة لبنان لمعالجة ازمته الاقتصادية والمالية ستلبي توصيات صندوق النقد الدولي وستكون جاهزة خلال اسابيع”. والاتجاه الآخر هو ان الموقف الايجابي يمكن ان يترجم خارجياً من دون اي عوائق استنادا الى ان الكرة اصبحت في ملعب الحكومة من اجل إعداد الخطة التي يمكن ان تراعي شروطا تتناسب ومصلحة لبنان. وهذا يقع على عاتق الحكومة في الوقت الذي يحصل تضييع متماد للوقت في اجتماعات لا تبدو كلها مثمرة، سيما وان ما نُقل عن وزير الاقتصاد راوول نعمة من اعلان للخطة المنتظرة في 11 ايار يظهر استغراقا سلبيا ليس من مصلحة الحكومة ولا من مصلحة لبنان. وقد يكون ذلك من باب اعطاء الحكومة فرصة تحقيق نقطة ايجابية متى استطاعت اعلان الخطة قبل هذا الموعد. لكن مصادر وزارية تجزم بان الوضع لا يحتمل كل هذا الانتظار حتى لو ان مشكلة وباء كورونا تعد عاملا ايجابيا قد تستفيد منه الحكومة من اجل تحييد الانظار والانشغالات بعيدا منها. وهو امر سمح على سبيل المثال بتمرير مرسوم ما اعتبرته رئاسة الجمهورية “استعادة الجنسية لمتحدرين من اصل لبناني” لـ423 شخصا على نحو اثار جدلا حول غياب الشفافية المفترضة في هذه الحال عبر التعتيم على هذا المرسوم بدلا من كشفه والاعلان عنه. كما سمح الانشغال بوباء كورونا بالالهاء عن رفض التشكيلات القضائية كما احالها مجلس القضاء الاعلى على وزير العدل ربطاً برفض رئيس الجمهورية بعض ما ورد في هذه التشكيلات، اذ حصر الانشغال بالوباء الضجة السياسية حولها واعاد تركيز الانظار على التفاعلات حول الاجراءات المتعلقة بهذا الاخير. وهو امر يخشى ان ينسحب على تعيينات نواب حاكم مصرف لبنان وسائر الامور المماثلة.

ثمة ايجابية اخرى في موقف “حزب الله” سجلها سياسيون وخبراء ماليون استنادا الى ما نُقل من مواقف عن نائب الحزب علي فياض الذي تحدث عن الخصخصة من غير ان يستبعد ان يتناول هذا المبدأ كازينو لبنان مثلا. والنقطة الاساس على هذا الصعيد هي تجاوز موضوع رفض الخصخصة من حيث لم يعد موضوعا مقيِّدا للحكومة بغض النظر عن واقع اي مؤسسة او قطاع يجب ان يلحق به ذلك، علما ان هذا الامر قد يثير اشكاليات عدة تبعا لمصالح الافرقاء السياسيين من اهل السلطة الرافضين ان تمس القطاعات التي يسيطرون عليها او يطرأ عليها اي تغيير، اذ ان حكومة اللون الواحد كشفت مصالح الفريق الحاكم وتمايزها بين من تضمّه من حلفاء. ويشكل المشروع الذي قدمه وزير المال حول الكابيتال كونترول او تجميد الودائع الى رئاسة الحكومة قبل ثلاثة اسابيع وخضوعه للدرس من قبل مجموعة واسعة من المستشارين، فمن لجنة وزارية ثم مناقشة مع حاكم مصرف لبنان وجمعية المصارف قبل ان يعرض على مجلس الوزراء في طريق عبوره الى مجلس النواب لاقراره نموذجا حول تعديلات يدخلها الافرقاء السياسيون وفق ما يناسب مصالحهم فحسب، بحيث يقول مطلعون ان المشروع غدا مشروعا مختلفا ولم يعد مشروع وزير المال. ومع ان المسار الموضوعي لاي مشروع او مسودة يفترض اخضاعه لدراسة موضوعية وبديهية، فان الخشية هي في ان الافرقاء السياسيين الذين يقفون وراء الحكومة هم من يحكّمون مصالحهم السياسية والشخصية وحتى الطائفية في اي ملف او موضوع. والتدخل في موضوع التشكيلات القضائية هو النموذج الاكثر حداثة على رغم ان هذه التشكيلات تعد الدليل الاوّلي للخارج على المسار الاصلاحي المحتمل للحكومة. فالآمال لم تكن كبيرة في الواقع على اي تغيير يمكن ان يحدثه الافرقاء السياسيون في ظل الانهيار، والتجربة بدأت تشكل البرهان الاكبر على ذلك.

rosana.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد