الرئيسية / أضواء على / مرورٌ نسائمي على ثلاث روايات لبنانية في القائمة الطويلة لـ”البوكر”

مرورٌ نسائمي على ثلاث روايات لبنانية في القائمة الطويلة لـ”البوكر”

بركات أبي سمرا منسى

ثلاث روايات لبنانية في القائمة الطويلة لجائزة “البوكر” (“الجائزة العالمية للرواية العربية”): “نساء بلا أثر” لمحمد أبي سمرا، “بريد الليل” لهدى بركات، و”قتلتُ أمي لأحيا” للراحلة الرقيقة #مي_منسّى. من بين 16 رواية، تتربّع الثلاث على عرش السباق. ترحل أديبة “النهار” قبل الخامس من شباط، موعد الإعلان عن القائمة القصيرة، حيث البقاء لستّ روايات، على أن تُعلَن في نيسان الرواية الفائزة.

تحتمل كلّ زهرة أدبية تمهّلاً عميقاً أمام شخوصها وبُعدها وترسّباتها في النفس. ما نقدّمه هنا، مرور نسائمي، لا يدّعي عصفاً ولا نقداً، بل مراجعة للسرد وما يحاكيه من إشكاليات في الحياة والإنسان والأثمان واليُتم والغربة.

غلاف الرواية.

الرواية الرابعة لمحمد أبي سمرا عن “رياض الريّس”. اسمه للمرة الأولى في “البوكر”، عن سرد أدبي يحاكي الفردية والعزلة الإرادية بمشيئة الذات، ليس بداعي المرض أو الخيبة، إنما تمجيداً للاانتماء والصمت. عبر ماريان، بطلته الرسّامة الأرمنية، تستعيد الرواية مفردات المراجعة الشخصانية، في مرحلة لم تعد العلاقة بالخارج تصنع المشاعر الإنسانية وردود الفعل المُضخّمة. يتابع السرد رحلة ماريان من بيروت إلى أميركا وفرنسا، في أزمان متقطّعة من سبعينات القرن الماضي حتى العام 2015، مع ما يطرأ من تحوّلات في قراءة الثنائيات المتضاربة، كالأحلام والكوابيس، والهناء والتشظّي، والماضي والاستعداد للمواجهة، بما تعنيه من طيّ الصفحات ونفض آثار الهوية. فخروج ماريان على محيطها، وتمرّدها على التشتّت، يضعان الجسد في كباش مع اللفظ، بإشارة من الذهن وأمرٍ منه، فيتجلّى بذلك الوعي المطلق للتحوّلات، والإدراك الكلّي لفعل التذكّر، ومغايرته بالكامل للانكسار والحنين والاستعادات النفسية المُتعِبة. رواية تُدوّن الصمت المُفضي إلى المصارحة، تُشبه الاعتراف بخسائر الحرب الأهلية اللبنانية، من دون إعلاء شأن الفجيعة والتهويل والسقوط.

غلاف الرواية.

“بريد الليل”: طغيان “الاحتضار”

ثاني رواياتها في القائمة الطويلة بعد “ملكوت هذه الأرض” (2013). “بريد الليل” (“دار الآداب”)، عما لا يصل دائماً، وعن التعثّر، الخطوة الناقصة والجسور المقطوعة. من خلال الرسائل، تطرح الكاتبة فورة الألق الوجودي وتراكماته الليلية، والرغبات المكبوتة المتعلّقة بالحاجة إلى رمي الثقل والتحرُّر من العبء. السرد أمام كومة أسئلة، لا يأبه لأيّ إجابة، يطرح إشكاليات ويمشي، مؤكداً استحالة الحقيقة وغموض الأشياء والأحوال. يطغى مناخ “الاحتضار”، واضعاً الشخوص أمام شريط العُمر والتباس العلاقات والتشبُّع بالإرهاق. إنّها رواية العناية بالتفاصيل، تحاكي التحطُّم الإنساني من وجهات نظر متأزّمة، أجواؤها مرهونة للمسافات المبتورة والبشر المعلّقين في الهواء والوسائط المُفضية إلى فصل الفروع عن أصولها.

غلاف الرواية.

“قتلتُ أمي لأحيا”: عقاب الذنب

الرواية الأخيرة لمي منسّى، كاتبة الجروح الإنسانية والخذلان. من خلال قصّة رشا، يتناول السرد مسار حياة مغمّسة بالذنب، مُعاقَبة بموت والدتها لحظة إنجابها. هي في محاولة شفاء مستمرّة، مُدركةً مأساة الاستمرار المعطوب، والسير نحو المستقبل بمشاعر صامتة. بطلةٌ تتّخذ من المسرح خشبتها، فتمثّل المعاناة للتخلّص منها. معاناة الذات في علاقتها مع الداخل والخارج، وتكوّراتها وأحاسيسها المُظلمة. مي منسّى مُدبّرة الرواية وقائدة سياقها. تكتب من أجل الأشياء المقتولة فيها، المُعالَجة بالفنّ (يتخذ في السرد المسرح نموذجاً، وفي الحياة القلم رسالة). العودة إلى الحياة فعل قيامة، تختزله بطلتها بإرادة تجاوز المحنة والخروج من النفق. الكتابة أيضاً وجع.

اضف رد