الرئيسية / home slide / مرفأ بيروت في ذاكرة ثلاثة مؤرخين… مدٌّ وجزرٌ مع البحر

مرفأ بيروت في ذاكرة ثلاثة مؤرخين… مدٌّ وجزرٌ مع البحر

مرفأ بيروت بعد الكارثة (نبيل اسماعيل).

من بيروت القديمة إلى يومنا هذا: مرفأ بيروت هو الرئة الاقتصادية للمدينة ولناسها طبعاً.

ذكر المؤرخ عصام شبارو في الفصل الثاني من الكتاب الخاص عن الدولة العثمانية ضمن مجموعته “المطول في تاريخ بيروت”، أن “مرفأ بيروت يعتبر من أقدم المرافئ على البحر المتوسط، وهو معروف منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ويقع شمال المدينة، ويدل على مدخله برجان يسمى أحدهما برج الفنار والآخر برج السلسلة… تفصل بينهما سلسلة حديدية تسدّ مدخل المرفأ”.

رصيف المرفأ

واللافت، وفقاً له، أنه “في العام 1849، هبّت عاصفة قوية هدمت الرصيف الذي يربط برج السلسلة باليابسة، وفي العام 1860 أقيم رصيف الميناء “السنسول” لتدعيم باب السلسلة”.

وشدّد على أنه “منذ ذلك التاريخ، ازدهر مرفأ بيروت، وكانت مخازن المدينة مليئة بالسلع الأوروبية والأميركية،” مشيراً إلى أن “السائح يكاد يجد في أسواق بيروت سلعاً وبضائع من جزر الهند الغربية، وأقمشة قطنية من إنكلترا، وحرائر فرنسية وصينية وهندية تستورد عن طريق مرفأ بيروت…. وتباهت بيروت بأسماء العائلات الجديدة التي تشهد على اندماج الأعراق البشرية في هذا المرفأ، مثل عائلات: باسيلا، آبيلا، يني، باولي، وكاتسفليس”.

وفي العام 1875 ( صفحة “تراث بيروت”).

“خليّة نحل”

في المقاربة الثانية لتاريخ مدينة بيروت، ذكر المؤرخ عبد الرؤوف يوسف سنّو في كتاب “المدن الأقطاب في لبنان”، مرفأ بيروت، واصفاً إياه نقلاً عن دراسات عدة أنه “كان بمثابة خلية نحل، حيث يلتقي التاجر البيروتي بالتاجر الفرنسي والإيطالي والمالطي والنمساوي، وبتجار الإسكندرية ودمياط والمغرب وتونس والجزائر. كما بتجار جبل لبنان الذين يريدون تسويق حريرهم”.

المرفأ بعدسة بون فيس عام 1890 ( جمعية “تراث بيروت”).

أشار سنّو إلى أنه بعد “توسيع أحواضه، وإضافة أرصفة جديدة إليه وتجهيزه، أصبح بإمكان المرفأ استقبال سفن شركات النقل البحري العالمية”. قال: “بنتيجة هذا التطور الاقتصادي المهم لبيروت ومرفئها، افتتحت فرنسا لها قنصلية فيها العام 1822، ثم لحقتها باقي الدول التجارية الكبرى”.

بريطانيا أولاً

وجذب المرفأ “القناصل الأجانب الذين اتخذوا منازل لهم في الجهة الجنوبية من المرفأ، في حين كثر عدد الخانات والفنادق في مقابله وعلى أطرافه لإيواء التجار المحليين والأوروبيين”. بكلام أوضح، حدد شبارو دور المرفأ بأنه “قام على التخصص السلعي، فكان هناك “ميناء الخشب”، و”ميناء القمح”، و”ميناء البصل”، و”ميناء البطيخ” وسواها، وكان هناك عدد من خانات بيروت تخدم تجارة المدينة وجبل لبنان مع الخارج…”.

ما هي الدولة التي حلّت الأولى بين الدول المصدِّرة إلى بيروت؟ أوضح سنّو في كتابه أن “بريطانيا حلّت الأولى بين الأعوام 1895 و1900، وتلتها النمسا، ألمانيا وفرنسا”. ولفت إلى أنه “في الاستيراد، كانت فرنسا الأولى، بسبب وارداتها من الحرير اللبناني…”.

“بي أو تي”

الإنفجار الكارثي ( النهار”).

ماذا عن الفترة العثمانية وما بعدها؟ الجواب في مقابلة أجريناها مع المؤرخ حسان حلاق ذكر فيها أن “العهد العثماني أولى اهتماماً خاصاً في تطوير مرفأ بيروت الذي كان يتّسم بالتواضع،” موضحاً أن “العهد العثماني هو أول من اعتمد نظام “بي أو تي” قضى بتسلم شركات عدة ومنها واحدة تعود لآل مطران حق الاستثمار الخاص في المرفأ لمدة طويلة”.

وشدد حلاق على أهمية المرفأ، مشيراً إلى أنه “في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، امتدت خطوط سكك الحديد من المرفأ إلى البقاع فالمناطق السورية”.

ما علاقة المرفأ بالحَجر الصحي في الكرنتينا؟ أجاب حلاق: “خلال الحوادث المرتبطة بفترة الحكم المصري لبلاد الشام ومنها لبنان بين 1831 و1840، عمل جاهداً كل من الحاكم المصري والدولة العثمانية على تجنب انتقال مرض الطاعون سواء من أي حالة مصابة يمكن أن ينقلها سياح، عمال، أو تجار أو موظفون، وذلك من خلال جهود جبارة بذلتها مجموعة أطباء لبنانيين ومصريين وفرنسيين وأجانب من خلال إجبار أي قادم إلى لبنان عبر المرفأ إلى حجر نفسه 40 يوماً في الحجر الصحي في المستشفى الميداني في الكرنتينا”.

تطوّره

المرفأ عام 1941 ( صفحة ” تراث بيروت”).

كيف تطور المرفأ؟ أجاب حلاق أنه في بداية 1888 عَرف نقلة نوعية عندما تحولت بيروت من مدينة إلى ولاية تمتد من الساحل جنوباً إلى نابلس، وشمالاً إلى اللاذقية، خلال ولاية السلطان عبد الحميد”.

“وشكّل هذا التوسع”، وفقاً له، “فرصة لتطور التجارة والصناعة بشكل لافت، ما انعكس إيجاباً على مداخيل المرفأ من حيث الصادرات والواردات”.

وانتقل في حواره إلى أن “التاريخ سجّل زيارة تاريخية في العام 1898 قام بها الأمبراطور الألماني وليام الثاني عبر مرفأ بيروت في زيارة للولاية… وتم استقباله من أعيان المدينة وشخصياتها المرموقة من مختلف المناطق”.

واجهة من المرفأ أواخر الخمسينات (صفحة “تراث بيروت).

قصف المرفأ

وتوقف عند “قصف الأسطول الإيطالي لمرفأ بيروت بعد امتعاض الإيطاليين من رصّ صفوف الشباب اللبناني الذي تحرك بالتنسيق مع خداوي مصر للتوجه من بيروت الى مصر وصولاً الى ليبيا لصد احتلال إيطاليا لمدينة غربية”، مشيراً إلى أن “الأسطول قصف مرفأ بيروت ودمر أيضاً كل سفينة عثمانية راسية عليه، إضافة الى تدميره البنك العثماني ومجمل الخانات والفنادق المحيطة بالمرفأ”.

مرفأ بيروت… افتتاح مبنى الجمارك 1932 ( جمعية ” تراث بيروت”).

بعد فترة الحرب العالمية الأولى، ذكر حلاق أنه “حصل اهتمام بالمرفأ بين مرحلتين أي مرحلة دولة لبنان الكبير وإعلان الجمهورية اللبنانية”، مشيراً الى أن “سلطة الانتداب ساهمت في استفادة شركات فرنسية للمرفأ بين 1920 و1943”.

ولفت الى أنه “تم توسيع المرفأ وأصبح مرفأ استراتيجياً يستقطب السفن بشكل ملحوظ علماً أن الشركة الفرنسية بقيت تستثمر المرفأ حتى ستينيات القرن الماضي تقريباً”.

الميليشيات

المرفأ في العام 1909 ( صفحة “جذور بيروتية”).

ماذا عن حرب 1975 وما بعدها؟ قال حلاق إن “الميليشيات والأحزاب سيطرت على المرفأ لفترة 15 عاماً”، مشيراً الى “أنها كانت تمول قسماً من تكاليف الحرب ورواتب أفرادها من سيطرتها على المرفأ في ظل وجود دولة ضعيفة جداً”.

وحذر “من الوقوع بأي التباس، الذي تكرر في مواقع التواصل الاجتماعي، باعتبار الاهراءات من الحقبة العثمانية،” مشيراً الى أنه “تم بناؤها في العام 1970 في عهد الرئيس الأسبق الراحل شارل الحلو وبتمويل كويتي وجهود لبنانية”.

مرفأ بيروت في السبعينات (فيسبوك رضا شمعوني).

rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel