الرئيسية / home slide / مراجعة للعَشْرية المنصرمة 2010-2020: المجتمعات العربية تنهار لعجزها عن تَحمّلِ المشاريع الديموقراطية

مراجعة للعَشْرية المنصرمة 2010-2020: المجتمعات العربية تنهار لعجزها عن تَحمّلِ المشاريع الديموقراطية

12-12-2020 | 00:00 المصدر: النهار

جهاد الزين

المجتمعات العربية تنهار لعجزها عن تَحمّلِ المشاريع الديموقراطية

هذا العام ليس رأس سنة بل رأس عشر سنوات هي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.إنه العقد الذي شهد بداية ونهاية ثورات ما سُمّي ” الربيع العربي” وتبيّن أنه شتاء عربي عاصف من الحروب الأهلية وانهيارات الدول.السؤال الأعمق الذي تطرحه هذه العشرية أو أحد الأسئلة الصعبة هو هل ظهر أن من أبرز أسباب سقوط الثورات العربية إنما هو عدم جاهزية أو قابلية المجتمعات العربية على تحمّل عبء وكلفة ووزن ثورة سياسية ديموقراطية، فراحت هذه المجتمعات رغم وجود نخب ناضجة للتغيير تنفجر أو تتصدّع تحت ثقل ما ظهر أنه لا طاقة لها على تحمّله. فصار البديل حربا أهلية هنا بين عنف النظام وعنف المجتمع الذي جرى استغلال انهياره من قوى إقليمية ودولية لا بد أن بعضها نادم على ما آل إليه على سبيل المثال الوضع السوري من خطر أصولي وتفكيكي على المنطقة وحتى على أوروبا. عنف هنا أو هناك أوهنالك أو انشقاقات مناطقيه ما دون وطنية. الرصد الصعب يتطلب الاعتراف أن جواب المجتمع السوري على نداء التغيير الذي أطلقته بعض النخب الشبابية كان فرز عناصر ظلامية ومتخلفة وعنفية وهجوماً للريف على المدن بقبائله وعلاقاته أعطى للنظام السياسي فرصة نفاذ وتقديم آلته الأمنية كآلة توحيدية في وجه التفككات العديدة ما قبل الدولة. أتكلّم هنا عن الاعتبارات الداخلية وحدها. فهل صدفة أن تتشظّى ليبيا بهذا الشكل المريع المتواصل بعد انطلاق احتجاجات ضد النظام ما كان لها أن تُسقِط نظام القذافي المتوحش لولا التدخل الخارجي المباشر. المجتمع العراقي دخل آتون التفكك فور الإسقاط الأميركي القسري لنظام متوحش آخر هو نظام صدام حسين. علينا في هذه المراجعة، وهذا جزء من أي مراجعة شجاعة، أن نقف عند الاستثناء المصري. ليست مسألة قوة عسكرية فقط أن يتمكّن الجيش المصري من منع انهيار الدولة وتفكك المجتمع عكس ما حصل في سوريا والعراق وليبيا واليمن. هناك قوة تماسك في تقاليد الدولة والمجتمع في مصر تكمن في خلفية أي تفسير لهذا الاستثناء المصري وثقافة سلمية في المجتمع تجعل دينامية التماسك هي الأقوى. في الحقيقة هناك استثناء تونسي لكن بالمعنى الذي يبدو معاكسا لوجهة هذا المقال وهي وجهة اعتبار المجتمعات العربية كما كشفت ثورات “الربيع العربي” غير جاهزة لتلبية نداء نخبها للتغيير الديموقراطي. ففي تونس أظهرت الحركة الديموقراطية نضجا واضحا لاسيما الشريحة النسائية في المجتمع والتيار العلماني اللذين تمكّنا ليس فقط في وضع حد لتقدم الحركة الأصولية ومنع هيمنتها السلفية بل أيضا في تحقيق إنجازات تكريس تقاليد ديموقراطية وإنتاج قوانين طليعية في المساواة بين المرأة والرجل. يقف لبنان من هذه التحولات في نقطة معقّدة. من جهة انطلقت ثورته اللاطائفية الشبابية في النصف الثاني من العشرية المنصرمة وتبلورت بنجاح بارز في تعرية أخلاقية للطبقة السياسية التي استنفدت الدولة ولكنها فشلت رغم ذلك في إحداث تغيير في النظام السياسي المفلس سياسياوماليا. عنصر التعقيد في الحالة اللبنانية إضافةً إلى عدم جهوزية القطاع الأوسع من المجتمع لحمل ديموقراطية سياسية شفافة هو التكوين الطائفي الذي يفرض أولويات غيرممكنة التجاوز مثل مخاوف المسيحيين من الابتلاع والحساسية السنية الشيعية ذات المدى الإقليمي ومخاوف الأقليات بشكل عام التي ترى في الصيغة اللبنانية عنصر طمأنة رغم كثافة الحروب الباردة والساخنة التي تسبّبها هذه الصيغة بشكل شبه دائم. سبق لي في كتابي: “المهنة الآثمة- نقد تجربتي في الكتابة السياسية” أن أشرت إلى التاريخ اللاديموقراطي للطبقات الوسطى العربية التي مثّلتها وحملتْ تطلعاتِها الجيوشُ العربية التي وصلت إلى الحكم في العديد من الدول العربية بينما الأحزاب العقائدية التي انتمت إليها شرائح هذه الطبقة الوسطى كانت أحزابا ذات مشاريع غير ديموقراطية. لقد بدت الأنظمة التي شهدتها دول مثل لبنان وسوريا والعراق ومصر والسودان بين 1920و 1950 حتى 1958 وبعضها عاش أطول أو أقل وكأنها “ديموقراطية أعيان” فوقية. غير أن هذا التوصيف قد لا يكون دقيقا إذا قيست عمليات المشاركة الشعبية كما الطبقة الوسطى في التجارب البرلمانية لكل من سوريا والعراق ومصر والسودان في تلك الحقبة. اليوم تغيّرت ثقافة الطبقات الوسطى أو ما بقي منها من حيث ولادة جيل مديني عموما هو الذي حمل أحلام التغيير السلمية في العشرية المنصرمة. لكن هذا الجيل وصل متأخرا إذا جاز التعبير. فمائة عام من ولادة معظم دول المنطقة وسبعون عاما من ولادة الصراع العربي الإسرائيلي مترافقة مع عقود من فشل خطط التنمية الاقتصادية أوصلت هذه الدول إلى حالة إنهاك ذاتي وعاجز. أود أن أختم هذه العجالة باقتباس من المؤرخ الراحل كمال الصليبيي مقالة نشرتها “دار نلسن” باللغتين الإنكليزية والعربية (ترجمة حمود شريح) . يقول صليبي:”إن الجماعة في العالم العربي حقيقة واقعة تماما كما هو الوعي بالوحدة القومية فيما بين الشعوب العربية المنضوية تحت رايات دول منفصلة. إن الجماعة والدولة والأمة وقائع اجتماعية وسياسية يمكن أن تتصالح مع بعضها البعض متى توفّر لكلٍ منها الاعتراف اللازم لها في إطار عمل النظام الديموقراطي. ليس وجود الجماعة والدولة والأمة على أنها وقائع منفصلة ما يؤدي إلى نزاع فيما بينها، لكن يؤدي إلى ذلك عدم الإقرار بهذه الوقائع على أنها وقائع منفصلة. والدولة بين هذه المكونات هي الأكثر واقعية لأنها كيان قانوني. إن واقع الجماعة أقلّ واقعية من وجود الدولة، فيما أن حقيقة الأمة هي الأكثر تجريداً. إلا أنه من الطبيعي أن تكون من مصلحة الواقعي أن يفصح عن أهمية المجرّد وأخذه بالحسبان. لو عاش هذا المؤرخ المفكّر إلى نهاية هذه العشرية هل كان سيقول ذلك بالثقة نفسها على الأقل في منطقة المشرق العربي؟لقد كانت السنوات السبعون كما تبيّن هي سنوات تحوّل إسرائيل من دولة صغيرة إلى دولة عظمى بمعايير التقدم التكنولوجي والعسكري والعلمي لكن على حساب بؤس متمادٍ للشعب الفلسطيني. عرب القرن الحادي والعشرين الذين قدموا في بداية العشرية الأولى مشروع سلام مدعوم بخيار الجسم الوازن من الحركة الوطنية الفلسطينية، يحاولون الآن البحث عن وسائل أخرى مع يمين إسرائيلي مصر على رفضه أي نوع من سلام عادل. لكن الجديد النوعي أن الموقف من الموضوع الفلسطيني ولأسباب تتعلق بالخطر الوجودي على دول المنطقة لم يعد قائما على المعايير القديمة. لذلك فإن بدء التطبيع بين دول عربية أساسية وبين إسرائيل هو الحدث الأبرز ليس في السنة 2020 بل في كل العشرية. 

j.elzein@hotmail.comTwitter: @ j_elzeinالكلمات الد