الرئيسية / home slide / مرآة دمشق: سيرة مختصرة عن أهل السيوف والعنف

مرآة دمشق: سيرة مختصرة عن أهل السيوف والعنف

 محمد تركي الربيعو
القدس العربي
17072021

في عام 2016، كان القصف الروسي قد بلغ أشده على مدينة حلب، يومها بدا لكثير من المراقبين أن ما يجري ليس مجرد معارك مع قوات المعارضة السورية، بل هي حرب إبادة للمكان قبل أي شيء آخر. وفي هذه الأثناء، كان المؤرخ والسياسي الفرنسي جان بيير فيليو، يتابع ما يجري في حلب وغيرها من المدن السورية، التي زارها مرارا وتكرارا أثناء عمله رئيسا للبعثة الفرنسية في سوريا (1996 1999) محملاً سياسات بلاده والغرب مسؤولية ما يجري في المقام الأول، فهم ومنذ السبعينيات كانوا قد عقدوا علاقات واسعة مع الأسد الأب، وأخذوا يكيلون تجاهه الألقاب كما فعل هنري كيسنجر عندما وصف الأسد بـ»بسمارك العرب».
وأمام هذا العنف، سيقرر فيليو إعداد كتاب عن تاريخ سوريا منذ عهد الرومان إلى ما بعد 2011، وربما ما دفعه لذلك، كما يقول في مقدمته، تدوين ما أصبح عليه عالمنا من خوف ولامبالاة.
يرى فيليو في كتابه «مرآة دمشق.. سوريا تاريخنا» المترجم عن دار ميسلون للثقافة، ترجمة ديمة الشكر، أنّ محاولة الذهاب إلى ماضي سوريا، ليس الهدف منها محاولة للتأريخ وحسب، وإنما أيضا استدعاء الذاكرة للربط بين بعض صور الماضي والحاضر، فمعاوية والأسد، كما يرى في عدة فصول، نجحا في تأسيس إرث سلالي في دمشق، عبر استخدام ألاعيب السياسة لفرض شروطهم وهيمنتهم. بيد أنّ هذا المنهج قد يثير أسئلة وملاحظات عديدة، خاصة أنّ هذا الربط أحيانا يهمل السياقات التاريخية والاجتماعية، ويعطي صورة تقول إنّ هناك عقلية بقيت تحكم هذه المدينة، وربما واقعنا السياسي العربي، منذ زمن معاوية.

المؤرخ الفرنسي جان فيليو

وهذا ما ذهب إليه مثلا محمد عابد الجابري في كتابه «العقل السياسي العربي» عندما وجد أنّ (العقيدة القبيلة الغنيمة) هي المحددات التي بقيت تحكم الرؤية السياسية العربية منذ أيام الأمويين. وربما بدا فيليو هنا متأثرا بالرؤية التي عبر عنها ميشيل سورا وغيره من المولعين بفكرة الربط بين الزمرة العسكرية المملوكية، والضباط العرب في القرن العشرين، الذين أعادوا تشكيل النمط السلطاني في الحكم، وفقا لهذه السردية؛ لكن خلافاً لهذه الرؤية، التي نراها تهمل أحيانا السياقات المحلية والتحولات التي عرفتها المنطقة، بعد القرن التاسع عشر، مع قدوم أفكار وأطر سياسية جديدة (حتى إن حافظت هذه الأطر على بعض طقوس الماضي، إلا أنها كانت تسير في أفق آخر) فإنّ ما يحسب للمؤلف هنا، هو قدرته على إيجاز تاريخ بلد على مدار 2000 عام تقريبا، على صعيد من حكموها، وأيضا على صعيد العنف الذي عرفته، بل إنّ القارئ لهذا الكتاب، لا بد سيغبط المؤلف على الإلمام الغني بتواريخ وتفاصيل مدينة مثل دمشق أو حلب أو دير الزور أو القامشلي (مع بدايات القرن العشرين) كما لعبت المترجمة الشكر دوراً تثنى عليه أيضا، على صعيد وضع عشرات الهوامش التي تعرّف ببعض الأسماء والأماكن، التي يأتي المؤلف على ذكرها في رحلته في تاريخ سوريا. فقد بدا الكتاب، رغم حجمه الصغير، قادرا على نسج شبكة من الأحداث المترابطة، وكأننا أمام فيلم أو رواية، وهو يتنقل بين التواريخ والحكام. وهذا أمر يعكس أيضا مدى ولع المؤلف بسوريا وأهلها وثقافتها، وربما لولا هذا الولع أو العشق، إنّ صح التوصيف، لما تمكن من أخذنا في رحلة ممتعة وشيقة ومؤلمة في الوقت ذاته في تاريخ سوريا، بينما لا تزال غالبية الكتب المدرسية الوطنية غير قادرة على فعل ذلك.
تبدأ رحلة سوريا مع دعوة بولص التبشيرية في دمشق، فمع نهاية القرن الثاني الميلادي تأسس (العهد الجديد) الذي فضلا عن أعمال الرسل يتضمن رسائل بولص، وسيؤدي دورا حاسما في مسار القديس أوغسطينوس، الذي يعد أحد أهم المراجع اللاهوتية لتعليم الإصلاح البروتستانتي، وفي هذه الفترة أيضا ستعيش سوريا فترة من الفوضى قبل أن يأتي فيليب العرب ليحكم المنطقة، وبعدها قسطنطين (الامبراطور المسيحي). وفي القرنين الرابع والخامس الميلادي، عرفت سوريا نشاطا مسيحيا، وكان من بين من أدار هذا النشاط القديس (موسى الإثيوبي) الذي انعزل في الصحراء على بعد عشرات الكيلومترات شرقي النبك في صومعته، وبعد ذلك بقرون طويلة، سيزور هذه الصومعة أو الدير شاب إيطالي يدعى باولو دالليلو، ليعمل على ترميم دير مار موسى، قبل أن يختفي بعد سنوات في مدينة الرقة (على يد داعش) لنكتشف أنّ سوريا، التي وصفت بأنها ساحة للتلاقي الديني، كانت تعكس في الوقت نفسه قصة أخرى عن العنف الذي ساد فيها منذ بدايات التبشير المسيحي ولاحقا الإسلامي.

في الفصل الأخير يتناول المؤلف تشكّل سلالة الأسد، وفق تعبيره، وهنا يبدي امتعاضا وعتبا شديدا على السياسات الغربية، وبالأخص الفرنسية، التي أخذت في فترة ميتران وشيراك وساركوزي تتملق للنظام السوري، وتصنع معادلة تقول بعدم إمكانية محاسبة هذا النظام، وإنما محاولة احتوائه، وهذا ما أدى برأيه إلى أن يقتنع النظام لاحقاً بأنّ سلوكياته لن تكون محل محاسبة.

في القرن السادس للميلاد، ارتقى هرقل عرش القسطنطينية، لكنه لم يستطع منع سقوط حمص بعد سقوط دمشق على يد الفرس، الذين غزوا القدس أيضا في عام 614 ونقلوا ذخائر الصليب الحقيقي نحو عاصمتهم. وكان عليه الانتظار ثمانية أعوام، حتى يقود حملة ضد الفرس. في هذه الأثناء أيضا، كانت دعوة النبي محمد في مكة تتنقل من بيئتها المحلية، لتشمل الأقاليم المجاورة، وهنا سيبرز دور خالد بن الوليد، الذي قدم من العراق ليشارك في الحملة على سوريا، فاستولى على تدمر، قبل أن يكمل طريقه لدمشق، بعد ذلك بسنوات ستجري تنحية ابن الوليد، وسيموت قادة كثر بسبب الطاعون الذي حلّ في المدينة، ليجد معاوية الطريق أمامه للحكم، وتحويل دمشق إلى قاعدة لبناء سلالته. في القرون اللاحقة، ومع انتقال الحكم للعباسيين، تراجع دور دمشق وتحولت سوريا إلى ملجأ للحركات الإسلامية الهامشية، وأهمها الإسماعيلية، وسينجح الإسماعيليون بعدها بعقود في تأسيس حكم الفاطميين في القاهرة. ودعم الوهمُ المستفحل لسلطة بغداد خلال القرن العاشر نشوءَ إمارات مستقلة في سوريا، كما دعم الغارات المدمرة التي قام بها البيزنطيون، وهكذا شهدت حلب عهد الأمير سيف الدولة وشاعره المتنبي. وقد استولى الفاطميون عام 970 على دمشق، لكنهم عزفوا عن احتلال سوريا الشمالية الواقعة تحت حماية القسطنطينية، وفي هذه الفترة بدأت تتكون فكرة أن تكون سورياً يعني أن تكون عربياً، من دون أن تكون بدوياً البتة، وأن تكون من قريتك أو مدينتك، وألا تكون مصريا ولا عراقيا، وأن تخشى البيزنطيين، لكنك تسعى للتعامل معهم، وأن تتذمر من البدو لكنك تتذوق ألبانهم ولهجتهم. لكن انقسام سوريا لن يطول، إذ سيقوم السلاجقة بالسيطرة على حلب في القرن الحادي عشر للميلاد، وفي عام 1127 وفي ظل هجمات الصليبيين ستتم تسمية عماد الدين الزنكي على رأس حامية الموصل العباسية، ليسيطر لاحقاً هذا القائد التركي على حلب، ثم حماة وحمص، ولن يفشل إلا أمام دمشق، لأن أمراءها المحليين استدعوا الصليبيين لإنقاذهم. في عام 1154 سيتمكن نورالدين الزنكي من دخول دمشق، وقد أخذ تحت حمايته المتصوفين، ليظهر أنّ البحث الروحي عن جهادهم الأكبر ليس إلا تكملة لجهادهم الأصغر بالسلاح ضد الفرنجة. وأسّس في دمشق أول مدرسة مكرسة لعلم الحديث، ووضع الشيخ الموقر أرسلان على رأسها، كما أدرك نورالدين أنّ سوريا غدت ساحة حرب، وأنه لا يستطيع التغلب على الصليبيين، دون السيطرة على مصر، لذلك أرسل شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، الذي سيتمكن لاحقاً من تحرير القدس، مع ذلك ستبقى لنورالدين كما يرى فيليو رمزية أكبر من رمزية صلاح الدين في مدينة دمشق، ولن تعود صورة صلاح الدين للظهور من جديد إلا في القرن التاسع عشر، حين ستعاد كتابة تاريخ الحروب الصليبية، بوصفها ظهورا مبكرا للإمبريالية الغربية، ولاحقاً أيضا في منتصف القرن العشرين مع طلب جمال عبد الناصر من السينمائي يوسف شاهين، إنجاز فيلم عن صلاح الدين لمواجهة الصهيونية.

تمثال صلاح الدين في مدينة دمشق

الذعر المقبل من السهوب

يتناول فيليو في الفصول اللاحقة الحملات المغولية على دمشق، ومعاركهم اللاحقة مع المماليك، وفي القرن الرابع عشر سيغزو الطاعون المدينة مرة أخرى، وهنا سيسجل لنا ابن بطوطة في رحلته مشهد الموت ودعاء الناس من أجل إيقاف هذه الكارثة، التي برأيه كانت السبب في أنّ عدد موتى الطاعون في دمشق أقل بعشرين مرة مما هو عليه في القاهرة. وفي بدايات القرن الخامس عشر، سيقف المؤلف عند أبواب مدينة حلب والفيلة التي استخدمها تيمورلنك الأعرج لغزو المدينة، ليدوم النهب لاحقا خمسة عشر يوما، وليكمل طريقه إلى دمشق، وهنا سيتناول بالتفاصيل اللقاء الذي جمع بين هذا الغازي وابن خلدون المقيم آنذاك في قلعة دمشق، وفي هذا اللقاء سيبدو تيمورلنك مشغولا بمستقبله الشخصي أكثر من المدينة، وفي الرابع من شباط/فبراير 1401 كان ابن خلدون إلى جانب تيمورلنك وهو يتسلّم المدينة من أعيانها، لكنه سيتراجع عن وعوده وسيدمرها، يومها سيصف لنا ابن خلدون المشهد كالتالي: «فأمنهم السلطان تُمر وحضروا عنده، وخرّب القلعة وطمس معالمها، وصادر من أهل البلد قناطر من الأموال، استولى عليها بعد أن أخذ جميع ما خلفه صاحب مصر هناك، من الأموال والظهر والخيام، ثم أطلق أيدي النهابة على بيوت أهل المدينة».
في الفصول اللاحقة، يأتي المؤلف على واقع المدن السورية خلال الفترة العثمانية، وبالأخص في القرن التاسع عشر، مع ما عرف بنكبة النصارى أو الطوشة في دمشق عام 1860 ودور الأمير عبد القادر الجزائري في حماية المسيحيين. لاحقا يذهب بنا، في سياق بحثه عن فصول العنف التي عرفتها المنطقة، إلى عام 1915 الذي عرف مذابح الأرمن في تركيا، وهروب من تبقى منهم إلى سوريا، وهنا سنتعرف على مساراتهم في بعض المدن، إذ تحولت مدينة دير الزور إلى مكان لنقل آخر الناجين إلى معسكرات الإبادة في الشدادي والحسكة، رغم دفاع أهل المدينة عنهم، وفي عام 1917 أبدى الأتراك والألمان قلقهم من تقدم بريطانيا في العراق، وضمن هذا السياق فتحت في دير الزور ورشات عسكرية، وجد فيها الناجون الأرمن فرصة العمل. يذكر يريفانت الذي كان واحدا من هؤلاء كيف: «كانت نعمة حقيقية بالنسبة للأرمن والأرمنيات الذين كان يبلغ عددهم حوالي 400 الذين بعدما نجوا من المذابح الرهيبة كانوا محرومين من وسائل العيش كلها: لو لم توجد تلك الورش فإنّ أغلبهم كانوا بلا شك سيموتون من الجوع». في هذه الصورة وغيرها من مشاهد العنف، لن ينجو القارئ، وهو يقرأ عن مشاهد العنف هذه، من فكرة عقد مقارنات بين واقع ما جرى للأرمن في بدايات القرن العشرين، وما يعيشه السوريون منذ عام 2011، فأحيانا تشعر وكأنّ القصة تعيد نفسها، الوجوه الخائفة والهاربة من الموت ذاتها، والقصف اليومي، تنتقل عبر الحدود هاربة وتاركة وراءها كل شيء، لتصل إلى الضفة الأخرى التركية، وتعيش أيضا فصولا من القهر والعمل في الورشات والمطاعم التركية، التي تغيب عنها في الأغلب كل شروط العمل الإنسانية، ولتبقى الحسرة والذكريات كل ما يمتلكه هؤلاء.
في الفصل الأخير يتناول المؤلف تشكّل سلالة الأسد، وفق تعبيره، وهنا يبدي امتعاضا وعتبا شديدا على السياسات الغربية، وبالأخص الفرنسية، التي أخذت في فترة ميتران وشيراك وساركوزي تتملق للنظام السوري، وتصنع معادلة تقول بعدم إمكانية محاسبة هذا النظام، وإنما محاولة احتوائه، وهذا ما أدى برأيه إلى أن يقتنع النظام لاحقاً بأنّ سلوكياته لن تكون محل محاسبة، طالما أنّ الغربيين هم من يزورونه كلما تغير الرؤساء، لتكون النتيجة ما يعيشه اليوم السوريون في شوارع دمشق وحلب وباقي المدن السورية من كابوس يومي جراء الفقر والفساد والعنف وإهمال العالم لهم.

كاتب سوري