مذكرات الشيخ يوسف السعدون: قائد «ثورة قصير» إنطاكية ضد الفرنسيين

ثائر دوري
القدس العربي
27102019

قبل مئة عام وعام من اليوم، في عام 1918، استولى الفرنسيون والبريطانيون على الساحل الشامي من مرسين إلى رفح. وحسب اتفاقية سايكس – بيكو كانت حصة فرنسا من الساحل الشامي تمتد من مرسين إلى رأس الناقورة. فاحتلت بيروت في أكتوبر/تشرين الأول 1918 وأنزلت العلم العربي الذي رفعه مندبو فيصل هناك. عندها صرخ فيصل صرخته المشهورة « لقد تركتموني في بيت بدون أبواب».
منذ تلك اللحظة بدأت حركات مقاومة مسلحة للوجود الغربي. في سوريا الراهنة تركزت المقاومة على الخط الفاصل بين الداخل والساحل، خاصة في الشمال الغربي، لكن ذلك أمر يتجاهله أغلب الأكاديميين لأسباب عدة. فهم يدرسون تاريخ الاحتلال الفرنسي لسوريا اعتباراً من تاريخ احتلال دمشق عام 1920، وبذلك يحارون في تصنيف الثورات، التي بدأت منذ نهاية عام 1918 واستمرت حتى عام 1922، فيفضل أغلبهم تجاهلها ليقتصر حديثه عن الموجة الثورية الثانية بين عامي 1925 -1927، ويهمل جزئياً الموجة الثورية الأولى الممتدة بين عامي 1918- 1922. أو ينتقي منها ما يناسبه، وهذا حديث يطول. لذلك فإن أسماء مثل يوسف السعدون، نجيب عويد، مصطفى الحاج حسين، عقيل السقاطي، الخ شبه مجهولة حتى لدى شرائح واسعة من المتعلمين عداك عن عامة الناس.
تركزت ثورات الشمال الغربي في المناطق التالية، غرب حلب، جبل الزاوية، قصير إنطاكية، وجبل صهيون «الحفة». كان لكل ثورة من هذه الثورات قيادة محلية وتواجد مناطقي. وقادتها هم نجيب عويد في كفر تخاريم، مصطفى الحاج حسين في جبل الزاوية، عمر البيطار في جبل صهيون « الحفة أوبابنا «، يوسف السعدون قائد ثورة قصير إنطاكية. الوحيد الذي يعرفه عامة الناس هو إبراهيم هنانو، رغم أنه التحق بهذه الثورات بعد فترة من اندلاعها!
تعرض تراث ورجالات هذه الثورات لإهمال شديد أكثر ما تجلى بإهمال قادتها وعناصرها من قبل حكومة الكتلة الوطنية بعد الاستقلال، بل تركهم نهباً للفقر والنسيان، وبعضهم ضحى بكل ما يملك في تلك الموجة الثورية. ظهر ذلك واضحاً في مناشدات بعض البرلمانيين لمساعدة قادة هذه الثورات، في عام 1946 على سبيل المثال، يطالب نائب قضاء إدلب، حكمت الحكيم، الحكومة بالاهتمام بالوضع المادي لمصطفى الحاج حسين. فبعد عودته من المنفى في تركيا وجد أن «الفرنسيين وأعوانهم قضوا على أكثر أملاكه، ثم أخذ هو يبيع ما تبقى منها لينفقه على نفسه وعياله وضيوفه، حسب عادته القديمة، حتى أصبح الآن وهو مريض في سن الشيخوخة بأشد الحاجة، ونفسه الأبية، تأبى أن يمد يده لأحد، لذا فإنني أقترح أن يخصص له راتب شهري قدره ثلاثمئة ليرة سورية يدفع مدى الحياة تقديراً لخدماته السابقة ودمتم محترمين». وهنا أنقل من محاضر المجلس النيابي.

تعرض تراث ورجالات هذه الثورات لإهمال شديد أكثر ما تجلى بإهمال قادتها وعناصرها من قبل حكومة الكتلة الوطنية بعد الاستقلال، بل تركهم نهباً للفقر والنسيان، وبعضهم ضحى بكل ما يملك في تلك الموجة الثورية.

أما القتل المعنوي فمثاله ما تعرض له تراث هذه الثورات الكتابي والمتمثل بمذكرات قادتها إذ بقيت بعض هذه المذكرات بدون نشر حتى بعد قرن من اندلاع هذه الثورات، وفي هذا السياق لدينا مثالين معروفين: الأول مذكرات يوسف السعدون قائد ثورة قصر إنطاكية. والثاني مذكرات إبراهيم الشغوري أحد العسكريين المرافقين لإبراهيم هنانو. بقيت مذكرات السعدون، وكذلك الشغوري، ما يقارب السبعين عاماً بدون نشر على شكل مخطوطتين مودعتين في مركز الوثائق التاريخية في دمشق. لذلك ظل تاريخ هذه الثورات «جماع أخبار وأحاديث تُنوقلت محلياً وانتشرت قطرياً» على ما يذهب المؤرخ نقولا زيادة. مؤخراً قام أحفاد الشيخ يوسف السعدون بنشر مذكراته على موقع التواصل الاجتماعي face book بعد ما يقارب سبعين عاماً من كتابتها، حيث يقول السعدون «طلب منّي كثير من الإخوان أن أدوّن وقائع الثورة، بل الثورات، وما جرى فيها من الأحداث والوقائع حتى تبقى ذكرى للأجيال القادمة. ولَمّا كان هذا العملُ شاقّاً وعسيراً على مثلي (وهو) قليلُ البضاعة في فنّ الكتابة ضعيفُ الذاكرة، وقد مضى على الثورات أعوام تزيدُ على الثلاثين، ولا يوجد لديّ مذكراتٌ دُوّنَتْ في حينها أرجعُ إليها في تاريخ الحادثة» أي أن كتابة المذكرات تمت في بداية خمسينيات القرن العشرين. نلمح من خلال الحلقات التي تم نشرها الخلفية الإسلامية العميقة لهذه الثورات، يبتدأ الكاتب المذكرات بالقول «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة على سيّد المرسلين، سيّدنا محمّد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين». ويجب أن نتذكر أن البدء بالبسملة كان موضوعا خلافيا في الجلسة الأولى للمؤتمر السوري الأول، الذي عقد دمشق بعد دخول الأمير فيصل إليها. فقد اعترض بعض ذوي التعليم الحديث على ذلك، واعتبروه خلطاً بين الدين والسياسة. كان الريف عماد هذه الموجة الثورية، والأرياف مجتمعات تقليدية لا تعرف سوى الثقافة الإسلامية، لأن رياح التغريب لم تكن قد اقتربت منها، وهذا قانون شامل في كل البلدان العربية، فالمجتمعات التقليدية هي أول من تصدى لهجمة التغريب المحمولة على حراب بنادق الجيوش الغربية، لكن وفي تفصيل خاص ببلاد الشام ورداً على انحطاط الدولة العثمانية ومحاولات تتريك العرب في عهد جماعة الاتحاد والترقي مزجت هذه الثورات بين الإسلام والعروبة.
طرح رجالات ثورات الشمال والشمال الغربي نسخة لم يكتب لها الحياة من العروبة فهي تشدد على علاقة الإسلام بالعروبة و»على تفوق العرب ضمن الإسلام، وكانت القومية العربية مطروحة كخطوة وسيطة لا بد منها لإعادة إحياء الإسلام، وليس مما يثير الدهشة أن يكون المفكرون الذين حاولوا صياغة القومية العربية كأداة لتأمين السيطرة السياسية والثقافية العربية للإسلام كانوا في معظم الأحيان رجال دين تربوا وتعلموا في بيئة ثقافية إسلامية تقليدية استعداداً للتوظف في مؤسسات دينية»، على ما يذهب فيليب خوري. بعد احتلال الفرنسيين لدمشق وخروج الملك فيصل انقطع إمداد ثورات الشمال والشمال الغربي من المال والسلاح المقبل من دمشق، لذلك ذهب هنانو إلى تركيا الحديثة التي كانت قيد التشكل وطرح تحالفاً مع الأتراك ضد العدو الغربي المشترك فأبرم اتفاقية تشبه الاتفاقيات الدولية. ومن بنود هذا الاتفاق «شكلُ العلمِ (يجبُ) أن يكون ذا وجهين: الوجه الواحد: عربي، والوجه الثاني: تركي. ويكتب على الوجه الأول قوله تعالى:»إنّما المؤمنون إخوة»(سورة الحجرات الآية 10) وعلى الوجه الثاني»فأصلحوا بين أخويكم»(سورة الحجرات الآية 10)».
يقول السعدون أيضاً « والذي يقول: إن ثورة الشمال كانت تعمل لصالح الأتراك وعلى حسابهم – فهذا القائل إمّا جاهلٌ أو مخدوعٌ بدعاية العدو الذي قصدَ تشويهَ سُمعةِ هذه الثورة». ويتابع «أنّ إبراهيم هنانو عندما علم أن لا فائدة تُرجى من المقاومة، أراد مغادرة البلاد والنزوحَ عنها» التجأ إلى شرق الأردن، رغم ما في ذلك من بعد المسافة والأخطار الجسيمة في حين يستطيع خلال ساعات أن يكون في تركيا»، ويتابع من تجربته الشخصية «وبعد ذلك التجأنا إلى الأتراك مكرهين مضطرين، فأكرمونا، وآوونا، ثمَّ لَمَّا وقعت المعاهدة بين سوريّا وفرنسا سنة (1936) أراد الأتراكُ ضمَّ لواء الإسكندرون إلى بلادهم، فأوفدوا علي شفيق الملقب بـأوزومير إلى عنتاب، وأوفدوا طيفور مرسل إلى كلّس، حيث كان نجيب عويّد مقيماً في عنتاب، وكنت مقيماً في كلّس، والغاية من مجيء هؤلاء هو القيام بأعمال ثورية على الإفرنسيين، من أجل اقتطاع لواء الإسكندرون من سوريّا وضمّه إلى بلادهم، ولَمّا كُلِّفْنا بهذا الأمرِ فررتُ من بلادهم، في ليلةٍ لا يبصرُ الكلبُ فيها الجبلا، وجئت إلى حلب مختاراً الموت بيديّ العدوّ، على الحياة في المسبّة والمذمّة والخيانة».

تطرح هذه المذكرات مشكلة القيادة في المجتمعات الريفية. يدرك السعدون بالغريزة حاجة المجتمعات التقليدية إلى قيادة واعية متعلمة لا تتوفر شروط نشوئها في الأرياف في ذلك الوقت.

تطرح هذه المذكرات مشكلة القيادة في المجتمعات الريفية. يدرك السعدون بالغريزة حاجة المجتمعات التقليدية إلى قيادة واعية متعلمة لا تتوفر شروط نشوئها في الأرياف في ذلك الوقت. لذلك كان لانضمام هنانو إلى الثورة واعتلائه قمتها تأثيراً عظيماً لدى المقاتلين فقد فكروا «أن إبراهيم هنانو ذلك الرجل المتعلّم المثري، لو لم يعلم أن النجاح محقق، ووراءه من يناصره ويمدّه لما أقدمَ على هذا الأمر، وغامرَ هذه المغامرة الخطيرة، فلهذا قويتْ النفوسُ، وضريت على مقاومة العدو ومنازلته». ومع ذلك يحصل افتراق بين الجسم الريفي لهذه الثورات ورأسها المثقف إبراهيم هنانو. فينتقد السعدون هنانو في عدة أمور منها المفاوضات الفاشلة التي أجراها مع الفرنسيين. يقول السعدون عن هذه المفاوضات «ثمّ بعد ذلك وردت إلينا الأنباءُ، تُخْبر عن مقابلة إبراهيم هنانو والجنرال غوبو، والناس يذكرون هذه الحادثة، ويقولون، إنّها من مغامرات إبراهيم هنانو، وأنا أقول: إنّها من غلطات إبراهيم هنانو. هذه الحادثة الآتية والتي قبلها، أي: ترك الأسرى فهاتان القضيّتان من الخطأ الظاهر؛ فمتى كان للمشركين عهد أو وعد، يثق به الإنسان، من دون ضمانات كافية، يطمئن الإنسان إليها، ويستوثق بها؟ والقضية الثانية: كيف يترك الإنسانُ ما يزيد على المئة جندي بخيلهم وسلاحهم من دون أن يكون سبق لهم منهم عهداً أو وعداً تصريحاً أو تلميحاً، ولا سيّما (أنّ الثورة بحاجة إلى الخيل والسلاح ؟ فعلى هذا [ثمّة] غلطةٌ ظاهرة بل غلطتان، وقد استفاد منهما العدو فائدةً كبرى، وخسرتْ الثورة خسارةً كبرى؛ إذ بعد هذه المقابلة التي جرت بين إبراهيم هنانو والجنرال غوبو تفكّكتْ عُرَى الجبل، وتخاذل أبناؤه، وتُركت المقاومةُ فيه، ونشط عمالُ الاستعمار ودعاته». كما ينتقده حين قرر مغادرة الثورة والذهاب إلى شرق الأردن وكان وضع الثورة ما زال جيداً على الأرض. يكشف السعدون سراً لم يذع من قبل عن محاكمة هنانو. يقول السعدون «ذهب المغفور له الشيخ طاهر أفندي الرفاعي والسيد نجيب عويّد إلى أنقرة للمفاوضة مع الحكومة التركيّة، وحملها على التدخل في قضية هنانو وكيفية إنقاذه، ولَمَّا وصلا أنقرة – وذكر ذلك لي فوزي جقمق – طُلِبَ من السفير الفرنسي أن يراجع حكومته برغبة الحكومة التركيّة، فكان جواب الفرنسيين: إذا أخلتِ الحكومة التركيّة سبيل بصراوي الموسكود وأفرجت عنه فالحكومة الفرنسية على استعداد أن تخلي سبيل هنانو، وتفرج عنه، وكان بصراوي من الذين ناصروا الفرنسيين على الأتراك في الجزيرة، ثم وَقَعَ أخيراً في قبضة الأتراك، فأودعوه سجن أورفه رَهْنَ المحاكمة، وكان مقرّراً إعدامه؛ فعلى هذا أخلت الحكومةُ التركيّة سبيلَ بصراوي، وكذلك فرنسا أفرجت عن إبراهيم هنانو بعد المحاكمة الصورية، والحقيقةُ: كان مقرراً الإفراجُ عنه بمخابرة واتفاق دولي».
تغطي هذه المذكرات فجوة معلوماتية كبيرة في تاريخ مقاومة الاحتلال الفرنسي في المناطق الشمالية والشمالية العربية في عشرينيات القرن الماضي. ومازلنا نأمل أن تجد مذكرات إبراهيم الشغوري ومذكرات نجيب عويد التي نشرت مرة واحدة في مجلة «الجندي العربي» وصار هناك شبه استحالة للوصول إليها. ما زلنا نأمل أن تجد هذه المذكرات وغيرها من الوثائق المجهولة طريقها للنشر. مذكرات الشيخ يوسف السعدون موجودة على الرابط التالي:

https://www.facebook.com/yusufsadun1882/

٭ كاتب مغربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*