الرئيسية / home slide / مدينة صوْر و”الثنائي الشيعي”: مدرسة المصطفى ومقاهي البطالة

مدينة صوْر و”الثنائي الشيعي”: مدرسة المصطفى ومقاهي البطالة

محمد أبي سمرا|الأحد11/07/2021
Almodon.com

في الصيف تتدفق على صور ومقاهيها موجة المهاجرين العائدين من إفريقيا (Getty)

من مدينة صور الجنوبية هذه
الشهادة – السيرة التي تروي حال مدينة محلية، بعض أطفالها ومدارسها، فتيانها وشبانها ومقاهيها في الزمن الاجتماعي لسيطرة المنظمتين الشيعيتين عليها. وقد روى هذه الشهادة شاب من صور نشأ وتربى فيها.

قصاص “أمل”
أهلي من عائلات مدينة صور، وفيها ولدت سنة 1999، وعشتُ طفولتي وفتوتي وشبابي الأول، وخالطت أقراني في بيئتها المحلية. ولما غبتُ وأقمتُ في سنوات دراستي الجامعية الثلاث في بيروت ولندن، لم أنقطع عنها وظللت على صلة وثيقة بما يحدث فيها. وذلك بواسطة شبكات التواصل الاجتماعي الفوري. وهذا ما يحملني على القول إنني صوريٌّ وعلى معرفةٍ بأهل المدينة وبتقلبات حياتهم الاجتماعية وحوادثها.

والدي طبيب. ودرس الطب في دولة شرقية سابقاً بمنحة دراسية حزبية، وبغربية لاحقاً. وانتسب إلى “حركة أمل” في صور، فصار من مسؤولي إقليم جبل عامل. لكنه استقال من منصبه هذا ومن الحركة سنة 2003، لأسباب سياسية، أخلاقية ومبدئية، بعدما حاصرته اجتماعيًا ومهنيًا، قصاصا له على استقالته منها. لذا هاجر إلى إفريقيا، فعمل هناك في التجارة وتوسعت أعماله، وظلت إقامته موزعة بين أفريقيا وصور. ومنذ بداية انتفاضة 17 تشرين 2019 مكث في مدينته وانخرط مع سواه من معارفه ومجايليه في حراك صور. أما أمي فمهندسة، وموظفة في مصلحة حكومية منذ سنة 1995، وهي ليست على أي ميل أو نشاط سياسي.

مدرستا “المصطفى” و”الحريري”
وأمضيت المرحلة الإبتدائية من تعلمي في “مدرسة المصطفى” التابعة لـ”حزب الله” في صور. وعلى الرغم من جدّية نظامها التعليمي ونجاح تلامذتها دراسيًا، كانت حياتنا المدرسية فيها مشوشة وسيئة: تربية أخلاقية وسلوكية متدينة تدينًا “رساليًا”، وتعبئة دينية حزبية دائمة منذ الطفولة، ومنها عروض فيديو عن عمليات “المقاومة” العسكرية وبطولاتها وشهدائها. وبعد حرب تموز – آب 2006، تضاعفت هذه التعبئة – البروباغندا الحزبية في المدرسة، وبلغت حدًا خرافيًا: أحاديث وحكايات يومية عن قتال الإمام المهدي إلى جانب جيش “حزب الله” في الحرب. والإمام الغائب طفلًا في حكايات الأولين هو من نصَرَنا، نحن “أشرف الناس” و “جند الله” الذين تقدمهم في المعارك مع الإمام علي وولده الحسين.

وحيال هذه التعبئة المتصاعدة، قرر والدي ألا نتابع دراستنا في “مدرسة المصطفى” نحن الطفلين، لئلا نصير من “جند الله”، فنقلنا إلى مدرسة أخرى قريبة من صور. وهي مدرسة خاصة مستواها التعليمي حسن، وتغيب عنها التعبئة الدينية الحزبية، السياسية الحربية. وبعد إنهائي مرحلة التعليم المتوسطة في هذه المدرسة، تابعتُ المرحلة الثانوية في صيدا، في مدرسة خاصة للطبقة الوسطى والعليا في صيدا وجوارها، وتغلب فيها أجواء “تيار المستقبل”. لكن من دون أن تكون هذه الأجواء ضاغطة على أمثالي، أنا الشيعي القادم إليها يوميًا من صور. فلا يظهر في المدرسة تمييز طائفي في التعامل والمسلك، ولم أشعر بأنني قد أتعرض لسلوك طائفي انتقامي، على خلفية التعبئة التي كانت قائمة في البلاد بين السنة والشيعة، بعد اغتيال رفيق الحريري سنة 2005 وحرب تموز 2006. غير أن هذا “التسامح” لا يلغي أن يظل الشيعي يُعامل بوصفه شيعيًا، مهما كان رأيه السياسي، ولا يوالي “حركة أمل” و”حزب الله”. وكانت تُنظم في المدرسة احتفالات في مناسبة عيد ميلاد رفيق الحريري، وفي ذكرى اغتياله، إضافة إلى ندوات ومحاضرات للطلاب يتحدث فيها إعلاميون وسياسيون من قوى 14 آذار: بولا يعقوبيان، مروان حمادة، وبهية الحريري، على سبيل المثال.

المقاهي مرآة المجتمع الصوري
وفي حياتنا البيتية والعائلية في صور، ترك لنا أبي وأمي حرية الاختيار في ميولنا. فلم نتعرض منهما لضغوطٍ ونواهٍ وروادع تلزمنا بمثالٍ يقررانه لنا مسبقًا في التفكير والسلوك، بلا مناقشةٍ وتبادل الرأي. وقد يكون ساهم في ذلك خروج والدي على تحزّبه لـ”حركة أمل” ومعارضته لها ولـ”حزب الله”، وحرصه على تنشئتنا على حرية الرأي والاختبار والاختيار، والمطالعة والمناقشة. وإذا كان والدي وأهله على تعارض مع سياسات “الثنائي الشيعي”، فأهل أمي يوالون “حركة أمل” وبعضهم ينخرط فيها تنظيميًا. لكن والدتي الملتزمة دينيًا التزامًا عاديًا، تؤدي فرائض الصلاة والصوم، وظلّت في حلّ من الميول السياسية والتحزب السياسي.

وقد تكون تنشئتي البيتية والعائلية هذه، عاملًا أساسيًا في تفتحي واختلاطي ببيئات متنوعة ومختلفة في صور، فلم انطويت ولا انعزلت أو انغلقت في بيئة واحدة محددة وتشرنقت فيها. ولما بلغتُ سن السادسة عشرة تطوّعت في الدفاع المدني، وانتسبت إلى فريق لكرة قدم في صور، وكلما سنحتْ لي فرصة الجلوس في مقاهي المدينة، جالست روادها من فئات ومشارب كثيرة: أغنياء لا تواجههم مشكلات في حياتهم المادية، نتيجة توفر المال لديهم من مصادر متنوعة، منها الولاء والاستزلام لأهل النفوذ والسلطة في صور. ومنهم متوسطو الحال من موظفي إدارات عامة وفروع مصارف، وكذلك معلمو مدارس ومنخرطون في الأجهزة الأمنية الرسمية أو الحكومية. وبين هؤلاء كثرة من الذين كانت الواسطة سبيلهم إلى الوظيفة. وهناك أيضًا فقراء معدمون ومتبطلون فاتتهم فرص العمل في لبنان وفرص الهجرة. والطلاب لهم حضورهم في مقاهي صور. ويكفي أن تقوم بجولة على مقاهيها الكثيرة كالفطر، لتدرك أن المقاهي معرضٌ للمجتمع الصوري المحلي بفئاته كافة، وتشكل المتنفس الأساسي للحياة العامة فيها.

أما في الصيف فتتدفق على صور ومقاهيها موجة المهاجرين العائدين من إفريقيا للاصطياف وزيارة أهلهم. وهذه الفئة من جلاّس المقاهي -وغالبًا ما يكون أفرادها ممن لم يستطيعوا تحصيل شهادات تمكنهم من الوظائف في لبنان أو الهجرة إلى أوروبا لمتابعة تحصيلهم الدراسي العالي- تهاجر إلى إفريقيا، لئلا تستنقع مديداً في البطالة ومقاهيها. وحين يعود هؤلاء إلى صور صيفًا يستعيدون حياتهم وعلاقاتهم السابقة على الهجرة، ويكون في حوزتهم بعض المال الذي حصلوه من أعمالهم في إفريقيا التي يعودون إليها في نهاية فصل الصيف.

وفي الخريف والشتاء تفرغ منهم المدينة ومقاهيها، فيمكث فيها موظفون محليون وأصحاب مهن وحرف، وعاملون في مصالح متنوعة مع أهلهم، وسواهم من الغارقين في بطالة أو عطالة مطلقة. وهذه متفشية وواسعة، وقاسية جدًا في صور. والعاطلون المتبطلون هؤلاء، يمضون سنوات من أعمارهم يجترون الوقت والكلمات المتكلسة، أو يجترهم الوقت وتلك الكلمات في المقاهي. ومنهم من يبدأ تردده على المقاهي في الرابعة عشرة من عمره، ويظل يداوم فيها حتى الثلاثين. وقد يكون بعض هؤلاء موالين لـ”حركة أمل” فيعتاشون في بطالتهم على التكسُّب والاستزلام لهذا أو ذاك، فيقول واحدهم لشخص يعرفه من رواد المقاهي وأفضل منه حالًا ماديًا: هيا اعطني عشرين أو ثلاثين ألف ليرة، فأحميك وأصير محسوبك ولا أدع أحدًا يقترب منك. ومنهم من يلجأ إلى ترويج المخدرات لتحصيل قوته، وربما يتعاطى المخدرات ويدمنها.

و”حزب الله” و”حركة أمل” في صور مرتاحان في تقاسمهما السيطرة على المدينة. وقد تجد في هذا المقهى أو ذاك شيوعيًا أو يساريًا، لكنه مغلوب على أمره لا يجرؤ على الإفصاح عن رأي، فيكتمه أو يخنقه في صدره، كي لا يعرّضه إعلان رأيه إلى ما لا تحمد عاقبته.

وربما لأن معظم معارفي وأصدقائي في صور ومقاهيها كانوا من “حركة أمل”، كنت أستطيع الإفصاح عما أفكر فيه وأناقشه معهم ملتزمًا حدودًا أو سقفًا معينًا، فلا أتجاوزه. وهم بدورهم منفتحون ويتقبلون المناقشة تحت ذاك السقف، وغير منغلقين اجتماعيًا، على خلاف محازبي “حزب الله” الذين تتعرف إليهم من سلوكهم وقيافتهم، وملامح وجوههم المقطِّبة المغلقة، وذقونهم غير الحليقة، وألوان ثيابهم الداكنة، وياقات قمصانهم المزررة تحت ذقونهم. وإذا تكلموا فبأصوات خفيضة تفتعل الوقار.

ومن يجلس من شبان “حزب الله” في مقهىً في صور، يجلس حذرًا قليل الكلام في مقهىً محدد، تعوّد على الجلوس فيه مع أمثاله وأقرانه. وهم لا يلعبون الورق ولا يدخنون، ولا يخالطون سواهم. وإذا جنحت بأحدهم رغبته في لعب الورق، فغالبًا ما يواعدُ قرينه ويذهبان إلى منزل أحدهما ويلعبان خلف باب مغلق. أما الحذر الذي يساورهم أثناء جلوسهم في مقهاهم المحدد، فمبعثه خشيتهم من أن يبصرهم مسؤولهم الحزبي، أو أحد سواه يشي بهم لدى المسؤول إياه. وفي الحالتين يتعرضون لمحاسبة أو قصاص تنظيمي. لذا تعوّدت أن أخالط في صور ومقاهيها شبان “حركة أمل” مخالطةً اجتماعية. وإلا قد أتعرض لاختناق أو استنقاع اجتماعي في مدينة محلية.. تذكرانني أحياناً بهجرة والدي إلى إفريقيا، بعد خروجه من الحركة إياها التي ضربت عليه حصارًا أرغمه على الهجرة.