الرئيسية / home slide / مدينة الصرفند اللبنانية معالم أثرية وحضارية تروي حكايات عصور غابرة

مدينة الصرفند اللبنانية معالم أثرية وحضارية تروي حكايات عصور غابرة

عبد معروف

تعتبر الصرفند واحدة من أجمل البلدات اللبنانية، وأكثرها شهرة منذ تاريخ لبنان القديم وحتى الآن، نظرا لموقعها الجغرافي الهام وتاريخها العريق، وجمال طبيعتها.
وتشير معالم البلدة الأثرية والجغرافية، والوثائق والمدونات المعتمدة في وزارة السياحة ومديرية الآثار في لبنان، أن بلدة الصرفند هي واحدة من البلدات التي ذكرت في محطات تاريخية مختلفة وفيها من المعالم الأثرية والحضارية ما يروي حكايات بلدة مع عصور غابرة.
والصرفند بلدة ساحلية في محافظة جنوب لبنان، تعلو عن سطح البحر 171م، وتبعد عن العاصمة بيروت 58 كلم، وعن مدينة صيدا 14 كلم، وعن صور 28 كلم. وتقع على تلال مرتفعة، تطل على مدينة صيدا وبيروت شمالاً، وصور جنوباً، وسلسلة جبل الشيخ والمناطق الجنوبية شرقاً، وتبلغ مساحة أراضيها 9500 دونم بواجهة طولها 4 كلم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.
تشتهر الصرفند في زراعة الحبوب وبساتين الحمضيات، ويشكل صيد الأسماك مورداً أساسياً لأهالي البلدة وسكانها الذين يبلغ عددهم حوالي 61000 نسمة.
يعتمد أكثر سكانها على القطاع الزراعي ومنهم على التجارة والخدمات. بالإضافة إلى ذلك فإن حوالي ستمئة عائلة يعتمدون على صيد الأسماك، ففي البلدة ميناء يعتبر أهم ثاني مرعى للأسماك بعد النّاقورة، ويشكّل سوقاً مركزياً لكل التجار ويضمّ أكثر من خمسين زورقاً للصيد وعدداً كبيراً من الصيادين، ويقع على الشاطئ الممتد من الزهراني إلى القاسمية على نحو عشرين كيلومترا، ويعتبر مرفأ الصيد هو المكان الأبرز الذي يعود إلى العصر الروماني.
ويؤكد كاظم يونس مختار الصرفند على أن البلدة هي الأكبر مساحة وعدداً من بين بلدات الزهراني، مشيراً إلى وجود بعض أصحاب الأملاك من خارج البلدة وبعض الأهالي الذين جاؤوا إليها خلال سنوات الحرب وبقوا فيها حتى الآن، ووصف الصرفنديين بأنهم يكرمون الضيوف الغرباء كأبناء بلدتهم بل أكثر.

قرية أبو ذر الغفاري

وتُعتبر الصرفند واحدة من البلدات اللبنانية التى دخلت التاريخ من بابّه الواسع، وبفضل موقعها الاستراتيجي الذي كسبته في تاريخها وحاضرها، غدت أحد الشرايين الحيوية المهمة التي يتغذى منها الاقتصاد الوطني اللبناني.
وقد تردد إليها إيليا النبي، وزارها المسيح، بل ويطلق على الصرفند قرية أبو ذر الغفاري، التي عاش في كنفها وفي رحابها انطلق وله فيها مزار مقدس مقام أبو ذر الغفاري، وأيضاً هناك مقام العبد الصالح الخضر الحي، فصار للصرفند نفحة مقدسة لاحتوائها على هذين المزارين اللذين يقصدهما الكثير من لبنان وخارج لبنان.
فيها آثار فينيقية ورومانية وصليبية والكثير من الآثار غير المكتشفو والتي اكتشفت حديثا غير مسجلة.
والصرفند هي «سربتا» القديمة الفينيقية، وتعتبر من أقدم المرافئ على الساحل الفينيقي. وكانت أكبر وأهم المواقع الصناعية في العهود الفينيقية وخاصة شهرتها بصهر وسبك المعادن على اختلاف أنواعها.
أختلف المؤرخون على أصل اسم البلدة، منهم من قال أن أصل الاسم من «صرفته» الفينيقية وتعني صهر المعادن أو صرف العملة لأهميتها التجارية. كما ذكرت في الآثار الآشورية «بسربتو» SARIPTU والمصرية بـ DA-IRA-PUTI. ويقال إن إسمها ربما يكون مشتقاً من السريانية «سربتا». وقد ذكرت في العهد القديم بإسم «صرفاد».
ومما ورد أيضاً أن هناك قبائل عربية أتت من نواحي اليمن وسكنت في البلدة وأطلقت عليها هذه التسمية نسبة إلى بلدة في اليمن تدعى الصرفند.

مغر ونواويس فينيقية

ورد اسم الصرفند في النقوش الآشورية، والمصرية. وباعتقاد المؤرخ اللبناني طلعت فريحة أن اسمها جاء تحريفاً لكلمة «صرفة» الفينيقية ومعناها «مكان صهر المعادن وتنقيتها».
ويقول علماء الآثار إن الصرفند من المواقع الأثرية التي تلزمها حفريات للتنقيب والسبر، ذلك لما وجد في كهوفها في منطقة تدعى الخراب من أدوات ظرّانية والأواني الفخّارية وآثار تاريخية أخرى، كما عُثر في منطقة الحمى منها على مغر ونواويس فينيقية. ومن آثارها قلعتها التي احتلها الصليبيون ورمموها وجعلوها حصنا للحماية والتدخل وتأمين طريق صيدا.
وفي آذار/مارس من العام 2001 وجدت في بحر الصرفند بقايا يرموتا، المدينة الضائعة، وذلك على عمق ما بين 13 و17 م على بعد 700م من الشاطئ، قبالة منطقة تل البراك في بلدة الصرفند. وقد شمل الاكتشاف تماثيل وحجارة منحوتة وشوارع مرصوفة يزيد طول الواحد منها على الستين متراً بعرض ثلاثة أمتار. وفي البحث حول أصل الاسم وجد له احتمالين، إما أن يكون أصله ريماتا وهي جمع ريمات التي تعني «الصخر العظيم» أو راموتا التي تعني الرفع والعلو، ويمكن أن يكون هذا الوصف جغرافيًا أو معنوياً.
وقد كانت هذه البلدة من أكبر وأهم المواقع الصناعية في العهود الفينيقية وخاصة شهرتها بصهر وسبك المعادن على اختلاف أنواعها وأغراضها، وقد أخذت من هذه الصفة اسمها وهو من فعل (صَرَفَ) بمعنى سيَّل وصهر وهذه هي الأحرف الثلاثة من الاسم.
ويذكر العلامة المؤرخ يوسف الدبس في كتاب «تاريخ سوريا»: «ويلي صيدا جنوبا سرنبا المعروفة الآن بصرفند ويظهر أنها كانت في الأعصر القديمة ذات غنى وأهمية كبرى، لكنها منذ القرن الثاني عشر خضعت لصور. وكانت الحد الفاصل بين مملكتي صيداء وصور، وكانتا تتنازعان السلطة عليها فكانت تتبع مرة صيدا وأخرى صور، ويقال أن اسمها سربتا أو صرفت مأخوذ من الصرافة لأنها كانت موضع الصرف، ومما يدل على مكانتها أن سنحاريب ملك آشور دوّن اسمها مع المدن الفينيقية التي افتتحها في أثره المسمى صحيفة تيلور».

آثار فينيقية ورومانية وصليبية

ومن أبرز الآثار الفينيقية والرومانية والصليبية والكثير من الآثار التي اكتشفت حديثاً:
عين القنطرة: محلّة ببلدة الصرفند فيها عين ماء صافية موجودة تحت قنطرة قديمة فسميّت عين القنطرة.
الكروم: تقع في الطرف الجنوبي من بلدة الصرفند وسميّت بهذا الاسم لأنها اشتهرت بزراعة كروم العنب والتين والزيتون.
عين الجديدة: سميّت بهذا الاسم لوجود عين ماء طبيعية فيها وهي في الطرف الشرقي للبلدة.
منطقة الخراب: أي بقايا لمدينة سريبا الأثرية التي أصبحت خرائب بعد الحروب التي شنّت عليها.
العصيمية: هي منطقة بساتين الحمضيات والموز ويمر في داخلها نهر صغير.
عين الدالية: نبع نقي ينبع من الصخر ودوالي العنب متدلية عليه.
عين الحما: منطقة بحرية تقع على شاطئ البحر بالقرب من عين القنطرة وفيها نبع ماء منحدر من الصخور.
السراسير: مجموعة أراضي زراعية يزرع فيها الموز والبرتقال والفاكهة، والاسم جمع لمنطقة سرسورة.
أبو ذرّ الغفاري: تقع المنطقة على كتف جبل في البلدة فيها مقام الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري، وأصبح الناس يتقرّبون إليه بدفن موتاهم بالقرب من المقام.
الخضر: منطقة محاذية للبحر وفيها مقام الخضر الحيّ.
ساحة العين: ساحة البلدة وسميّت بساحة العين لوجود نبع ماء فيها كان الآباء والأجداد يقصدونه للحصول على الماء.
ضهور الصرفند: منطقة مسطحة على سفح جبل وهي أعلى منطقة في البلدة وفيها مبنى المدرسة الرسمية.
الحمى: منطقة جبلية مطلة على البحر وفيها مغر أثرية تعود إلى العصور الفينيقية والبيزنطية والرومانية.
حيّ المشروع: يقع في منتصف الطريق الرئيسي إلى البلدة سمّي بهذا الاسم لمرور مشروع جر مياه الليطاني به لكي يتم ري الأراضي المزروعة بالحمضيات ويقسم البلدة إلى قسمين شرقي وغربي.
الضيعة أو البلدة القديمة: لا تزال فيها البيوت القديمة المزيّنة بالقناطر المصنوعة من الصخور الرملية.
حي البحر: حي شعبي وبيوت بمحاذاة الشاطئ.
الشق: مرفأ بحري فينيقي وروماني قديم.
الزيرة أو الجزيرة: جزيرة صغيرة تبعد عن الشاطئ 200 متر وطوّرت حديثاً حتى أصبحت مرفأ الصرفند للصيادين.
خيزران: هو اسم امرأة أو ربمّا نبات الخيزران. والمنطقة معروفة لكثرة الأماكن السياحية على امتداد شاطئ الصرفند وفيها الاستراحات والمطاعم.
ويقترن اسم بلدة الصرفند الساحلية الجنوبية، منذ أيام الفينيقيين حتى العهد الحديث، بصناعة الزجاج اليدوي المنفوخ، من الأباريق والكؤوس والأكواب والزهريات ومناضد الشموع والقناني الزجاجية الملونة وحبيبات الخرز.
وما يميز صناعة الزجاج في الصرفند ألوانها الشفافة المتعددة من الشفاف الأبيض المتقن، والأحمر، والأصفر، والأزرق، والأخضر، إلى العسلي، ومشتقات هذه الألوان التي احضرت صبغتها الأصلية من ألمانيا.
ويعتبر معمل الزجاج من الأماكن السياحية في الصرفند منذ 1967 استعمل في البداية لصناعة الأباريق والمرطبانات فقط (ويحتفظ أصحابه بمرطبان منذ ذلك الحين) ثم تحول إلى مكان لصناعة التحف الزجاجية المنجزة والمزخرفة بأشكال وألوان مميزة، ولهذه الصناعة بعد بيئي من خلال تجميع بقايا الزجاج المكسور والزجاجات الفارغة المرمية، أصحاب هذا المعمل من عائلة خليفة في الصرفند يعتمدون على إنتاج ما يصنعونه من خلال تأمين طلبات الزبائن، ولكن الأولوية تعود للقطاع السياحي والاعتماد على وزارة السياحة. كما أنهم يعرضون تحفهم في السوق العتيق في زوق مكايل، فضلاً عن عرضها في الخارج، فقد شاركوا في معرض في فرنسا وأبو ظبي بالإضافة إلى العديد من المعارض في مختلف المناسبات، ولم يعد اليوم معملاً فقط بل بات معلماً يزوره كل من يقصد الصرفند لما يحتويه من تفاصيل جميلة تجذب الوافدين إليه.
يظهر أن موقع البلدة الحالي على التلة، هو غير موقعها القديم، والذي كان على شاطئ البحر. ويرجح أن انتقال السكان إليها كان بعد العام 1185م- 581 ه‍ فقد ذكر فوكاس نحو العام 1185 م وجود حصن على شاطئ البحر. وبعد قرن من الزمن يقول بروكادوس أن عدد البيوت في ذلك المكان لا يتجاوز الثمانية، ولكن الخرائب الكثيرة تدل على شهرتها القديمة. وهذا يدل على انتقال السكان من المكان القديم على شاطئ البحر إلى موقعها الحالي بعد ما أصابها الخراب بفعل الحروب. أما مقام أبو ذر الغفاري فيها فليس بدليل على قدم البلدة، لأن أكثر المقامات في جبل عامل قائمة على مرتفعات، وقد يكون المقام لرجل صالح، خاصة وأن قبر أبو ذر في الرّبذة (في الحجاز). وهذا لا ينفي إقامة الصحابي الجليل فيها (بموقعها القديم).
وخلال جولتنا في أزقة وأحياء البلدة كان لابد من زيارة الحاجة سعاد وهي من أكبر المعمرين في الصرفند، وعاشت طوال حياتها فيها حتى صارت جزءاً منها، عمرها سبعة وتسعون عاماً وتتحدث بلطافة عن ذكرياتها في هذه البلدة مع أهلها وأقربائها وعن طبيعة العيش في الماضي والناس الذين كان رأسمالهم الأرض وهويتهم البساطة. ما زالت الحاجة سعاد قوية البنية خفيفة الظل بحديثها المشوّق عن كل تفصيل في حياتها وعن أيّامها وهي التي عاصرت زمنا طويلا من بلدتها الحبيبة.

عبد معروف