الرئيسية / home slide / مديرية البوليس في زحلة

مديرية البوليس في زحلة

06-01-2021 | 00:22 المصدر: النهار

سمير عطالله

(عن الانترنت)

كان #اسكندر رياشي “الصحافي التائه”، أحد ألمع الظرفاء الذين عرفهم لبنان في السياسة والصحافة والسخرية و”تركيب المُقَلاّت”. كان مخضرماً، عاش في الجاهلية وأدرك الاسلام، أي عاش وعمل في زمن الانتداب الفرنسي، ومن ثم عاش وعمل وعاشر أهل الاستقلال. في اعتقادي انه لم يدرك مرة أهميته الكبرى كمؤرخ للمراحل التي عاشها. وبسبب نظرته الوجودية الى الناس والحياة، وخصوصاً الى السياسة، لم ينتبه، على الأرجح، الى انه كان من أندر وأقدر الروّاد في هذه المهنة. ميزته الكبرى لم تكن معرفته في شؤون لبنان واللبنانيين، وهي صغيرة في أي حال، بل معرفته الدقيقة بشؤون فرنسا والمسرح السياسي في باريس ومواضع الضعف والقوة لدى السلطة الفرنسية. وعندما عمل مستشاراً في “المكتب الثاني” الفرنسي لم يكن عنده “كبير”، لا بين رؤسائه ولا بين الناس الذين يحرّكونهم ويستغلونهم ويتبادلون معهم منافع الاستغلال. برغم انه اشار الى نفسه مرة، على كونه “العميل الفرنسي الأول”، ففي حقيقة الأمر ان رياشي عاش ومات عميلاً لجهتين لا ثالث لهما: لبنان والصحافي التائه.عدتُ الى كتابه “رؤساء لبنان كما عرفتهم” كجزء من العودة حول ما كتب عن بدايات هذا الوطن المثير للشفقة. ولا اعتقد ان العودة اليه في هذه الظروف تنمّ عن حكمة، فالرجل امضى حياته العملية مثل الرسامين المبتدئين الذين يتدربون في الكليّات على رسم امرأة عارية، غالباً ما تكون متقدمة في السن وفي الترهل. هكذا رسم هو الصفحات السياسية من تاريخ لبنان. ولذا، نرى السياسيين، أو بالأحرى معظمهم، على حقائقهم، باستثناء القلّة منهم، خليطاً من الفساد والنفعية وشبق الوصول. شخصيات ضعيفة ومتلهّفة تحاول استرضاء الانتداب، أو عند اللزوم، خصمه البريطاني، أو “الانكليز” بحسب التعبير الشائع في تلك الأيام. لكن ضعف النفوس لا يصل عند أحد الى حدّ الارتكاب، أو الخيانة، أو قلّة الكرامة. وقد تمتع الرجلان اللذان قام الصراع الوطني من حولهما، اميل اده وبشاره الخوري، بحصانة اخلاقية ووطنية بلا حدود. اميل اده، كان رجل فرنسا، لكنه لم يكن زلمتها. وكان يعارض الفرنسيين ويعارضونه ويسلّطون عليه مدير الأمن العام المسيو كولومبان.  وأما خصمه الشيخ بشاره، فكانت حصانته الكبرى في ذكائه ودهائه والعبقرية التي أدار بها معركة الاستقلال، ثم شؤون البلد، إلى أن أخرجه في نهاية الأمر فساد بعض العائلة. وهو فساد أصبح نكتة عابرة بالمقارنة مع ما حدث للدولة في ما بعد من نهب معلن وهتك موصوف. ما بين العبقريّين المتنافسين، كان هناك عدد من المثقفين والمحترمين والنزهاء، واحياناً الطيبي القلوب، كمثل الرجل الذي قيل له ان صناعة الحرير انعشت لبنان، فابتهج بالفكرة وقال للسامعين: يا إخوان، ما دام الأمر كذلك، فلماذا لا نعمد الى زراعة الصوف ايضاً؟!   كان في الساحة السياسية لهو كثير وظرف كثير وعشق وعشيقات، وخصوصاً عشيقة المفوض السامي الكونت دو مارتيل، الذي يُعتبر اسوأ مَن مرّ على المفوضية، كما كانت السيدة العشيقة اسوأ مَن مرّ على الفساد وفرض الخوّات وتدبير المؤامرات للرئيس اميل اده، الذي حاول الحدّ من سلطانها ومن ارتخاء دو مارتيل أمام فسادها. كان لبنان صغيراً وعدد سكانه قليلاً. وكان منقسماً. ليس فقط بين عروبة الشيخ بشاره و”فرنسية” اميل اده، بل ايضاً بين الاكثرية المسلمة الرافضة فكرة لبنان، منتدَباً أو مستقلاً، وبين الاكثرية المسيحية التي تريد العكس. من أجل اجتذاب المعارضين حرّكت فرنسا خزائن الذهب. ومَن لها تأتمن على التوزيع سوى صاحبنا الرياشي. وذات مرة صرفت له 50 ألف جنيه مصري، وأوفدته في مهمة الى بلاد بعلبك، الهرمل، لإقناع وجهائها بتأييد الفرنسيين. طُرب الرياشي للفكرة أيّما طربٌ. وراح يفكر في افضل طريقة لتنفيذها. وبعد تفكير عميق توصّل الى ان الطريقة المُثلى هي ان يحتفظ هو بـ 10% من المبلغ ما يكفي لاقتناعه شخصياً بالمهمة، ومن ثم يصرف الباقي في اقناع الآخرين. ويروى ان بعض الذين افادوا من مغانم تلك الرحلة قدّموا اسماء أُناس غادروا الى الآخرة قبل زمن طويل: “ولم يكن هؤلاء يدركون ان عليهم انتظار الإكرامية الفرنسية بالبقاء أحياءً حتى وصولها”. كلّف الفرنسيون وكلّف نفسه مهمات كثيرة، جميعها طبعاً ضمن التراضي بين الفريقين، أو بالاحرى بين جميع الافرقاء، وبين لمعان الذهب والحياة اللذيذة في مناطق بيروت الارستقراطية والمليئة بالقصور. عندما قرأنا الاسبوع الماضي عن السرقات التي ضربت مدينة زحلة وحملت اهلها على التفكير في الأمن الذاتي، بماذا تريدنا ان نفكر في هذا الجو القاتم الفاحم الحالك المظلم، من كل الجهات؟ إنها فترة اعياد والناس تبحث في السماء والأرض عن ابتسامة، أو أمل أو حفنة من حفنات السيادة. لن تجدها هنا طبعاً. ليس في البلد الذي هدّه 4 آب. كان لا بدّ من العودة الى اسكندر رياشي وجمهورياته، فتراه فجأة “مديراً للبوليس” في “الحكومة الزحلاوية الموقتة. وكانت الحكومة الزحلاوية الموقتة قد عيّنتني مدير البوليس في البلدة، فأخذت 40 أسيراً كانوا عند الاتراك في معتقل رياق وألّفت منهم قوة بوليس محترمة، كان لها الفضل في صيانة الأمن في زحلة في فترة الانتقال”.  تصوّر ذلك الحل السعيد: شرطة من المحكومين والفرح يعم الجميع في جمهورية زحلة الموقتة: السجناء يتمتعون بالحرية وهيبة القانون، والأهالي مطمئنون إلى ان اللص اصبح حارساً. مَن مثله يعرف سر المهنة. أمضى البريطاني ديفيد هيرست حوالى نصف قرن مراسلاً لـ”الغارديان” في الشرق الأوسط، مقره طبعاً بيروت. وفي نهاية الأمر، وضع كتاباً عن لبنان عنوانه: “احذروا الدول الصغيرة”. دائماً تجد نفسها عثرة في طريق قوة ما. ولبنان هو الدولة الوحيدة ربما التي تحتفي بالبرابرة الذين تناوبوا على احتلال ارضها واستهزاء كرامتها، وترفع لذلك لوحة محفورة على جسر نهر الكلب الذي خاض معركة واحدة لا حدود لضراوتها، هي معركة الجنرال عون و”القوات”. باستثناء مراحل متقطعة، عاش لبنان مصائر الدول الصغيرة ومهانتها. لكن المهانة ليست قدراً، بل إعاقة خلقية لدى بعض الشعوب. فعندما احتل صدام حسين بكل جيوشه دولة صغيرة اسمها الكويت، لم يستطع العثور على كويتي واحد يقبل رئاسة الحكومة، أو رئاسة الشرطة، أو وزارة النفط. الخيانة لا تغري النفوس العالية. في هذا المهرجان من الضعف والشهوات وشبق الفساد والسلطة، وصعود السلالم بالمقلوب، هل يبقى مكان في السياسة للنزاهة المطلقة والكرامة والمشاعر وتقديم الحسّ الوطني على الحسّ العدمي؟ عاش اسكندر رياشي حتى وصول فؤاد شهاب الى رئاسة الجمهورية. توقف يومها عن المزاح والسخرية والهزار وكتب هذه النبوءة: “الرؤساء الثمانية قبله جاؤوا مقيّدين حزبيين وهو جاء بدون قيد ولا شرط…” جاء سلفاؤه بانتخابات برلمانية من وراء مساومات طويلة عريضة وديون سياسية للأنصار والمؤيدين، وجاء هو باستفتاء شعبي كامل عام، دون اية مساومات، متحرراً من كل ديون. وجاء ممتلئاً أمجاداً… أمجاده كرجل صالح وكقائد أسَّس جيشاً وجعله مثالاً للتجرد والشجاعة والشرف الوطني، وأمجاده كحفيد للأمراء الحكام أجداده، إذ دخل بيت الدين دخول صاحب القصر الى قصره. داء للرئاسة قديم النعمة، لا حديثها. عندما ذهبوا اليه يطلبون منه ان يكون رئيساً، فعلوا تماماً كما كان يفعل الرومانيون. كانوا يذهبون لسنسناتوس يطلبون منه انقاذ روما. جاء يحمل كبائر سلفائه ولا يحمل شيئاً من صغائرهم… جاء بالرأسمال الأسمى الجامع الذي يجعله رئيساً اكبر. لذلك، إذا لم يصل عهده لأن يكون عهد لبنان الذهبي، فمعنى ذلك ان السماء “تريد خرابنا ونهاية لبناننا”.