مدرسة بطرس البستاني الوطنية على لائحة الجَرد العام وهي اليوم فريسة للإهمال والنفايات!

واجهة من المدرسة الوطنية بعدسة السيدة إنعام خالد تظهر الاهمال الفاضح، الذي يهدّد المبنى في بداية الشتاء (صفحة “تراث بيروت”).

يلخّص الواقع الحالي للمدرسة الوطنية صورة لبنان اليوم، فإسم الكبير بطرس البستاني يكرَّم موسمياً كما الحال مع كبار العظماء والمفكرين في لبنان، فيما يحظى كبار القوم من السياسيين في حياتهم كما في مماتهم بالتعظيم والتكبير من بيئتهم الحاضنة الطائفية، ويشاء القدر أن تخلَّد أسماؤهم على مرافق عامة أو خاصة.

عن الصفحة الفايسبوكية لعبد الحليم جبر.

في شارع المعلم بطرس البستاني الكائن في زقاق البلاط، المدرسة الوطنية كما هي اليوم “فريسة للإهمال ومباحة فيها أكوام النفايات المنتشرة على شكل مكبّات صغيرة الحجم”، وهي لا تليق بكبير مثل بطرس البستاني، ولا بالهامات الفكرية، التي كانت تشكّل عمدة المدرسة (ما يوازي اليوم مهام مجلس الأمناء) ومنهم سعيد شقير، إبرهيم الباحوط، سعد الله البستاني، الشيخ عبد الله البستاني، شاهين سركيس، الشيخ خطار الدحداح، خليل ربيز، عبد الله الشبلي، فضل الله غرزوزي، الشيخ يوسف الأسير.

من آل فرّا إلى آل…

كيف سيصمد المبنى في الشتاء المقبل؟ (تصوير السيدة إنعام خالد، من جمعية “تراث بيروت”).

إذا تطفّلت بسؤال على مدخل المدرسة وتمسّكت بالبوابة المحكمة بجنزير حديدي، يبادر أحد القاطنين في المكان بالطلب منك الرحيل لأنه لا يملك أي جواب على ما سنطرحه. بدا المكان من خلال البوابة وسخاً، مليئاً بأكوام من النفايات، سقف الطابق الأرضي “مكسور”…. من يسكن هذا المكان؟ حاولنا البحث عن جواب على هذا السؤال من خلال تطفلنا على البيئة الحاضنة المحيطة بالمكان، علمنا أن جدّ العائلة استأجر المكان من عائلة آل فرّا، التي هاجرت من لبنان إلى الولايات المتحدة، وهي محاولة لتسويق فكرة أنهم مستأجرون لا محتلون للمكان. وأكد لنا البعض أن المدرسة تأثرت بالقصف الذي خلّف وراءه أضراراً كما الحال في أبنية عدة في لبنان.

لائحة الجَرد

في ظل هذا الواقع، فقد شهدت الفترة الأخيرة ومضات إيجابية لتحريك ملف المدرسة الوطنية، وصبّت في اتجاهات ثلاثة: الأول رسمي والاتجاهين المتبقيين يصبّان “في مرمى” المجتمع المدني.

قناني كبيرة للمياه حاجة ماسّة لقاطني المبنى (تصوير السيدة إنعام – من جمعية “تراث بيروت”).

قبل عرض للتحرك التكريمي للمعلم بطرس البستاني، لا بد من الإشارة الى أن ملف المدرسة الوطنية حظي باهتمام وحدة الأبنية التاريخية في المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة عام 2010 خلال تولي الوزير سليم وردة هذه الحقيبة. ورفعت لجنة المؤتمر الدولي لعائلة البستاني في هذه المرحلة طلباً بإدخال هذه المدرسة ضمن لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية. رغم ترحيب الوزير وردة في حينها، طغت السياسة ومصائبها على هذا الطلب.

ويسجل اليوم خلال ولاية وزير الثقافة الحالي محمد داود، تشكيله لجنة استشارية لدراسة ملفات المشكلات في الأبنية التاريخية والتراثية “مطعَّمة” بممثلين من المجتمع المدني وتضم كلاً من مايا ابرهيم شاه، يوسف حيدر، عبد الحليم جبر وأنطوان فشفش، إضافة الى المهندسَين المعماريَّين في ملاك مديرية الآثار خالد الرفاعي وأوسامة كلاّب.

لقطة سريعة عن واقع النفايات في الداخل.

بعد تكريم المعلم بطرس البستاني في 1 أيار الماضي، اتخذ وزير الثقافة محمد داود قراراً قضى بإدراج هذا المعلم التراثي الثقافي التاريخي القائم على العقارات 310 ،313، و713 التاريخي على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية والتراثية في منطقة زقاق البلاط.

وأوضحت المهندسة المعمارية –اختصاص ترميم في وحدة الأبنية التراثية والتاريخية في المديرية العامة للآثار في وزارة الثقافة أوسامة كلاّب لـ” النهار” أن “العقارات الثلاثة هي قابلة للترميم، وهي تضم أكثر من مبنى، أي مبنى المدرسة الوطنية يطل عليك على شارع بطرس البستاني، ومبنى آخر لتلامذة القسم الداخلي في المدرسة مطل على شارع كستي”، مشيرة إلى أن “الوضع الحالي للمدرسة شهد تداعيات عدة جراء القصف خلال الحرب، إضافة الى تفشي الإهمال وانتشار النفايات بعد أن أصبح المكان عرضة للسكن”.

وأوضحت أن “سقوف المبنى كانت بغالبيتها خشبية وتزينت حيطانه برسوم جميلة”، مشيرة الى أنه “يتمايز بنمط هندسي رائع مكوّن من “قاعة وسطية أو بهو وسطي تتوزع فيه ثلاث قناطر مزخرفة رائعة بتخريمات على الحجر شبيهة بالدانتيل”، لافتةً الى أن “لهندسة المدرسة نمطاً مميزاً آخر يظهر فيه رواق طويل يمتد الى الواجهة الشمالية”.

زيارة المدرسة في تشرين!

صورة عن المدرسة الوطنية كما جاءت في كتاب الباحث الألماني رالف بودنشتاين.

في حديثه لـ”النهار”، أبدى وزير الثقافة أسفه الشديد للإهمال الذي لحق المدرسة الوطنية لفترات طويلة”، متمنياً “لو لم يصل هذا المبنى التاريخي الى ما هو عليه اليوم”. ونوّه بجهود “النائب فريد البستاني الذي أضاء من خلالها على إرث المعلم بطرس البستاني ومنه مدرسته الوطنية”، مشيراً الى أن “قرار إدراج هذا المعلم على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية والتراثية، هو مبادرة قمت بها لحماية هذا المعلم التاريخي ورمزيته”.

وجدد داود رغبته “في تحويل المدرسة الى مقر لوزارة الثقافة، وهي فكرة جيدة تقلّص من عبء دفع الإيجارات على كاهلنا”. لكنه لم يخفِ أن استملاك العقار ليس بالأمر السهل، وشراءه يحتاج الى تضافر الجهود بين القطاعين الخاص والرسمي”، مشيراً الى أن “ملكية المدرسة تتوزع على أشخاص عدة ولا تنحصر بمالك واحد”.

وأكد داود على أنه “يجهل هوية شاغلي المبنى”، معتبراً أن “أي محاولة لإخراجهم تفرض اللجوء الى أطر قانونية”. ونفى إمكانية تأمين مسكن بديل لشاغلي المبنى في القريب العاجل.

صورة أخرى في الواجهة غير مصدّعة من كتاب بودنشتاين للمدرسة.

وأعلن عن “نيّته تنظيم زيارة تفقدية للمدرسة في تشرين المقبل لمعاينة المدرسة عن كثب والمبادرة في إقامة نشاط خاص مع مجموعة من شباب وشابات من جامعات لبنان ومدارسها لتنظيفها من النفايات”. وعما إذا كان لا يخشى من بطش السياسة ومحاولة أهلها إزالة تصنيف المدرسة على لائحة الجرد، قال: “نحن قمنا بواجبنا، وسنبذل جهدنا بأن لا يحدث هذا الشيء. علينا المحافظة على الإرث الماضي لأنه علينا المحافظة على تراثنا”.

وصورة أخرى من كتاب بودنشتاين.

لا لمزيد من التصدع 

ماذا عن المجتمع المدني؟ علمت “النهار” أن لجنة المؤتمر الدولي لعائلة البستاني برئاسة السيدة ميرنا البستاني -وهي تضم أعضاء من آل البستاني من لبنان وبلدان الانتشار- يجتمعون دورياً للبحث في شؤون ثقافية ووطنية وتراثية. وقد وضعت اللجنة في أولوياتها دراسة سبل إنقاذ المدرسة الوطنية في زقاق البلاط على أن تعلن عن هذه الخطوات في القريب العاجل.

خريطة المدرسة كما وجدت في كتاب بودنشتاين.

أما أمين الإعلام في جمعية المعلم بطرس البستاني حبيب البستاني، فقد أعلن لـ”النهار” أن الجمعية برئاسة النائب فريد البستاني تولي اهتماماً لإحياء إرث المعلم بطرس البستاني”، مثنياً على “أهمية تصنيف المدرسة الوطنية في لائحة الجرد، وهو ما طلب به النائب البستاني”. ونوّه بمبادرة الوزير محمد داود التواقة لتحويل المدرسة الى مركز لوزارة الثقافة”، مشيراً الى أن “شحّ الموازنة يدفعنا الى السعي لشركة لتمويل المشروع بين القطاعين الخاص والرسمي، وهذا ما نسعى إليه”.

وصورة عامة للمدرسة من الباحث الألماني نفسه.

عن تعاون الجمعية مع لجنة المؤتمر الدولي لعائلة البستاني، قال: “نحن على أتمّ الاستعداد للتواصل مع الجميع، ونرحب بهذا التعاون مع اللجنة وجهات مهتمة بإرث المعلم بطرس البستاني”.

السقف الخشبي المثقوب والواجهة كما تعكسها عدسة السيدة إنعام خالد من جمعية “تراث بيروت”.

أما عضو  جمعية “تراث بيروت” أنعام خالد فقد أفادت “النهار” أن الجمعية نشرت صوراً فوتوغرافية عن المدرسة الوطنية حرصاً منها على نشر الوعي عن أهمية ترميم هذا المبنى وتعريف الجيل الجديد على أهمية هذا المعلم التاريخي ودور مؤسسة المعلّم بطرس البستاني”، مشيرة الى أن “إدراج المدرسة على لائحة الجرد العام للأبنية دفعها الى زيارته”. قالت: “بدا المبنى متصدعاً جزئياً، وقابلاً للترميم. ونحتاج الى تحرك سريع من المسؤولين الرسميين لتفادي أي تصدع إضافي”.

وأعلنت أن “الجمعية التي تضم مجموعة من الباحثين والمتخصصين في التاريخ والفنون، تتطلع الى شركة مع وزارة الثقافة في إعداد سياسة واضحة لحماية الأبنية التراثية التي تتعرض عمداً أو بسبب العوامل الطبيعية الى سقوط أو مزيد من التصدع”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*