محمود سعيد.. إشراقة “مصر الغاربة”

 

شريف الشافعي|الأحد18/03/2018
Almodon.com

 

 :بيعت “الدراويش” في 2010 بقرابة 2.5 مليون دولار
ثلاثة أحاديث، في الفن والتسويق والمناخ الثقافي المصري العام، تجدد ذاتها بذاتها مع كل إطلالة باذخة لعمل من أعمال التشكيلي المتفرد محمود سعيد في محفل دولي بارز أو صالة مزادات عالمية كبرى، بما يفجر الدهشة ينابيع صافية كصفحة النيل التي صوّرها بريشته، ويثير في الوقت نفسه أشجانًا عاصفة، ربما لا تتحملها قلوب “دراويشه”.

ولكأن شهر نيسان/ أبريل، الذي شهد مولده في اليوم الثامن منه عام 1897 ووفاته في اليوم ذاته عام 1964، على موعد أبدي مع سطوع محمود سعيد الخارجي، وإشراقته كحالة من حالات النبوغ لها معطياتها الفردية في التفوق، كما أن لها خلفياتها وتفاعلاتها المجتمعية التي تقول بوضوح: هذه “مصر النهضة”، وهكذا “القوة الناعمة” كحقيقة؛ قبل صك المصطلح.

يأتي نيسان/ ابريل 2018، الذي خلف كثيرًا من “أكاذيبه” للواقع المصري الراهن على صعيد الجانب الرسمي المتكلس بوزارته وهيئاتها وموظفيها ومثقفيها ومبدعيها المدجّنين، ليشهد “حقيقة” جديدة من حقائق محمود سعيد التي لا تنفد، معلنة ذلك التحدي، وتلك الرغبة القوية في الصمود، في مشهد أفول مصر الغاربة ثقافيًّا، الغائبة حضاريًّا إلا من سجلّ التاريخ.

تلتقي أبجدية الفن وأرقام التسويق وطوبوغرافيا الطقس النهضوي المصري المنحسر في لوحة “آدم وحواء” النادرة للسكندري محمود سعيد، المزمع عرضها للبيع في 24 إبريل 2018 في مزاد دار “سوثبي” البريطانية ذائعة الصيت بما يناهز نصف مليون جنيه استرليني، وتعود اللوحة إلى العام 1937، وقد ظلت محجوبة قرابة أربعين عامًاً لدى أحد المقتنين في مصر قبل عرضها للبيع.

اللوحة حالة شديدة الخصوصية من تجسيد الحوار التلقائي ثنائي الاتجاه بين حداثة الفن الأوروبي ونصاعة الروح المصرية بموروثها الشعبي وتمثلاتها البصرية منذ رسوم الفراعنة الطليعية مرورًا بالحضارات المتعاقبة وصولًا إلى مرحلة النهضة والفن الحديث الذي يعد سعيد أحد رواده.

كعادته في تصوير الرجل رمزًا لاستقامة القامة واكتمال العمالقة، والمرأة مرادفة للخصوبة والأنوثة والأمومة وربما خريطة الوطن، يمضي محمود سعيد في تشكيل سمات آدم وحواء انطلاقًا من ذلك المنظور في “لوحته المتحفية بامتياز”، وفق مسؤولي مزاد سوثبي، مع عدم إغفاله “التصوير المبدع لأيقوناته المعروفة: النخيل والنيل والصحراء”.

ومن دار سوثبي، رابعة أقدم دار فنون في العالم والتي تعود إلى العام 1744، إلى دار “كريستيز” العالمية في دبي، حيث مزاد “بعد الحرب والفن المعاصر” في 22 مارس 2018 لفنانين عدة، منهم محمود سعيد بلوحته عن حي “المكس” الشعبي في الإسكندرية، المقدر لها سبعون ألف دولار بشكل أوّلي.

في “كريستيز” أيضًا، قبل عام من طرح تحفة “المكس” التي تستنطق البيوت من غير سكانها وتستحضر الأنواء والبحر بطاقة حركية تتدفق من خلال تدرجات البني الصارخة، عُرضت لمحمود سعيد ست لوحات من أهم أعماله، قُدّرت الواحدة منها بحوالي ربع مليون دولار.

جسّدت تلك اللوحات مراحل تطوره وعلاقته الوثيقة بمفرداته وملامح تجربته، حيث النزعة الإيمانية والتصوفية، وتقديس المرأة، وتأملات الصحراء، والانصهار في النيل والطبيعة الساحرة في جنوب مصر، والإبحار مع المراكب إلى الأزرق المجهول.

محمود سعيد هو مصدر إغراء دائم، وإغواء، لـ”كريستيز” وروادها من سائر الأرجاء، فالرجل منبع للفن الجديد باستمرار، وفق كتاب تعريفي خاص أعدته الدار، والمتحف الذي يحمل اسمه في الإسكندرية ويضم أكثر من أربعين لوحة له هو “أحد الكنوز الثمينة في العالم”.

وإلى “كريستيز” يعزى بيع “أغلى لوحة لفنان من الشرق الأوسط”، وهي بأنامل محمود سعيد بالتأكيد، حيث بيعت “الدراويش” في 2010 بقرابة 2.5 مليون دولار، وهي من أعماله المبكرة التي تعود إلى الثلث الأول من القرن العشرين، وتجسد حالة روحية بالغة الحساسية والرهافة لستة من دراويش المولوية يهيمون في رقصات إيمانية تشع منها طاقة حركية وتوقد داخلي.

ومنذ قرابة العام أيضًا، شهدت قاعة المزادات اللندنية “بونهامز” عرض لوحة محمود سعيد الخالدة عن “أسوان” بسعر تجاوز ثلاثمائة ألف دولار. وتبقى هذه المدينة الجنوبية كلمة مفتاحية في مساره الفني، حيث السباحة اللونية الهامسة، واتساع الأزرق ليكون ملتقى الأمواج والسماء، وتحدُّث الأصفر بلغة الكثبان الرملية في اشتعالها، والبيوت في شحوبها، والأشجار في خريفها.

وعلى المستوى الحياتي، فقد جمعت بين محمود سعيد وأسوان علاقة وطيدة، إذ تكررت زياراته لها وطالت فترات إقامته فيها، ووجد بغيته في طميها ونيلها والقسمات التعبيرية العميقة الصادقة لدى شخوصها من ذوي البشرة السمراء والقلوب البيضاء.

عني محمود سعيد بتصوير الانبعاثات السحرية المصّاعدة من دواخل الأجساد، والانفعالات الكامنة، والطقوس الروحية الخاصة مثل الورع الإيماني لدى المصلين، والطاقات النورانية عند المتصوفة والدراويش.

إن قراءة تجليات محمود سعيد الفنية كحالة استثنائية متوهجة لا تزال تملأ الدنيا وتشغل الناس حتى يومنا هذا، لا يمكن أن تتم بعزل مقوماته الفردانية عن إحداثيات واقع بأكمله من حركة فنية ومجتمع أهلي وإدارة سياسية وحكومية وثقافية تأخذ بمقاليد الأمور في سائر المجالات، ومن بينها الفن.

هذه الملابسات، بجميع تشابكاتها، هي التي بلورت – ببساطة – ظاهرة محمود سعيد الفنية المتحدّية للمكان والزمان، وهي التي تفسر – بمرارة – كيف بلغ الانحدار والإهمال مداهما الأعظم بسرقة خمس لوحات دفعة وحدة من أعمال سعيد من قلب متحف الفن الحديث في يناير 2017، هي: “بنت البلد”، “نبوية”، “الهجرة”، “زيارة القبور”، “الصلاة”.

لم يكن محمود سعيد ليصل إلى ما وصل إليه لو أنه مجرد نموذج عبقري للاجتهاد الشخصي، فالشاب ذو النشأة الأرستقراطية وجد الدعم الملائم من الأب محمد سعيد باشا رئيس وزراء مصر الأسبق، الذي يقدر قيمة الفن، فلم يقف عثرة في طريق اتجاهه في عام الثورة الأولى (1919) إلى دراسة الفن في أكاديميتي “غراند شومبير” و”جوليان” في باريس، رغم أنه كان مسافرًا في الأساس كحقوقي يرغب في استكمال دراسته العليا في القانون.

هذا الالتفات الحكومي والرسمي إلى قيمة الفنون والآداب، والتشكيل على وجه الخصوص، لم يكن قاصرًا على محمود سعيد بوصفه إبناً لرئيس الوزراء، إنما كانت الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي في النصف الأول من القرن العشرين تأخذ على عاتقها النهوض بالرسامين والنحّاتين وتوفير المتطلبات اللازمة لهم لإبراز وجه مصر المعماري الحضاري.

إن مشاركة محمود سعيد بأعماله الفنية في التعبير عن أحداث وطنية ومجتمعية كبرى من قبيل لوحة “افتتاح قناة السويس” في عهد الخديو إسماعيل، هي نموذج لذلك الانسجام (النخبوي – الحكومي – الشعبي)، من أجل إطلاق الفن الأصيل في الهواء الطلق، ومثل هذه النماذج كثيرة ومتكررة في عصر النهضة.

من ثمرات هذا التوجه، على سبيل المثال، تمثال “نهضة مصر” للنحّات الرائد محمود مختار (1891-1934) المصنوع من الغرانيت للتعبير عن مصر الحديثة من خلال فتاة تقف بجوار “أبو الهول” وتتطلع إلى المستقبل بتفاؤل.

وقد جرت إقامة التمثال في مصر بعد افتتان سعد زغلول ورجالات حزب الوفد بأعمال مختار، وموافقة مجلس الوزراء في 1921 على دعمه، وإسهام الشعب المصري في اكتتاب عام لإقامته، ومن جهتها أكملت الحكومة النفقات، لتصير الفكرة واقعًا.

هذا هو مناخ مصر النهضة، الذي أسفر عن أعمال محمود سعيد المتحفية والميدانية، وغيره من الفنانين الطليعيين، وهو ما يبدو بعيدًا كل البعد عن الوضع القائم حاليًا، حيث السلسلة التي تتكرر حلقاتها من حالات الإهمال والسرقات والتهريب للأعمال الفنية، بل والآثار.

وحينما يريد مسؤولو مصر الغاربة الإدلاء بدلوهم، فإنهم لا يتوانون عن إغراق الشوارع والميادين بتماثيل وأعمال رديئة يقوم على تنفيذها موظفون محليون وأجهزة إدارية لا تمت للفن بصلة، وتحدث من ورائها عمليات نهب مقننة لميزانيات مالية مخصصة “على الورق” تحت بند إنعاش القيم البصرية والجمالية المضمحلة.

محمود سعيد، حضور متجدد يُكسب الفن بريقه ونصاعته يومًا بعد يوم، بالقدر الذي يكشف فيه غيابًا وخواءً وتآكلًا للهيكل الذي آلت إليه قوة مصر الناعمة في سنوات الذبول والامّحاء.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*