محمد عبد الوهاب: أغاني العشرينيات ومئة عام من الجمال

 مروة متولي 
القدس العربي
https://www.alquds.co.uk/
25022020

إلى محمد عبد الوهاب تطيب العودة، ويا له من شعور عندما نرهف السمع إلى أغنياته في حقبة العشرينيات من القرن الماضي، وقد صارت كلاسيكية إلى هذا الحد، بينما لا تزال حية نابضة بحس الفتى القاهري، الذي أغرم بالموسيقى ووقع في هواها، ومن أجلها هرب من بيت أسرته في حي الشُعراني (باب الشعرية حاليا)، المنطقة التي تحمل اسم جده لأبيه، وفيها يوجد مسجد ومقام (ضريح) سيدي الشُعراني، الذي كانت تشرف عليه الأسرة وتتولاه بالرعاية، فقد أراد عبد الوهاب أن يغني ويعزف ويلحن، وأرادت أسرته أن يصير شيخا أزهريا، وكانت تنظر إلى الفن والطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفنان باحتقار شديد، لكنه كان قادرا في فترة مراهقته على اتخاذ القرار الذي رآه صائبا، وكان لديه اليقين والثقة التامة في ما تميل إليه روحه وترغبه حقا، وظل حبه للموسيقى راسخا في نفسه، وقام بحمايتها وصونها لأكثر من سبعين عاما من عمره، فهو إن كان قد تخلى عن الغناء على المسرح لعقود بعد حفلة كئيبة كانت آخر حفلاته، فإنه لم يـــترك الموسيقى أبدا منذ البـــــداية وحتى النهاية، وتحمّل في سبيلها المشـــاق، وتلقى الطعنات بدلا منها في الأوقات العصيبة، وكان العود الذي يبثه أسرار نغمه، ويطلق الألحان على أوتاره، في أمان دائم بين أحضانه، لم يستطع أحد أن يكسره يوما، أو يسكته.

كان عبد الوهاب أحد أفراد هذا الشعب، وفنانا أيضا، يتطلع إلى سيد درويش كمثل أسمى، فليس صحيحا ما يقال عن إنه كان ضده أو يرفض أن يكون مثله، كل ما هنالك أنه ببساطة لم يستطع أن يكون مثل سيد درويش

عندما نتحدث عن الموسيقى في مصر عام 1920، فإننا نتحدث بكل تأكيد عن سيد درويش، الذي توفي في الحادية والثلاثين من عمره عام 1923، وكانت مصيبة كبرى أن يفقد الشعب صوته، وأن يحرم من كل هذا الجمال العبقري، وكان عبد الوهاب أحد أفراد هذا الشعب، وفنانا أيضا، يتطلع إلى سيد درويش كمثل أسمى، فليس صحيحا ما يقال عن إنه كان ضده أو يرفض أن يكون مثله، كل ما هنالك أنه ببساطة لم يستطع أن يكون مثل سيد درويش، فإنه يردد دائما في حواراته التلفزيونية إن سيد درويش هو من أوجد «الملحن المصري» الذي لم يكن له وجود من قبل، ويتحدث كثيرا عن عبقريته في التعبير الموسيقي، التي نظن أنها أكبر وأغمض من كل درس وتحليل، وكان يطمح لأن يجمع مثله بين الأغنية الفردية التي سجلها سيد درويش بصوته على اسطوانات، والمسرح الغنائي وفن الأوبريت الذي أبدع فيه، إلى درجة أن المرء لا يكاد يصدق أن مثل هذا الفن المتقن المتطور كان يعرض على مسارح القاهرة عام 1920، وظل عبد الوهاب إلى آخر عمره، يتحدث عن أهمية وجود المسرح الغنائي، وكأنه يتمنى أن يتمكن أحد من تحقيق ما لم يستطع هو أن يحققه، ويذكر مشروعه غير المكتمل «مجنون ليلى» مسرحية أحمد شوقي الشعرية، التي أراد لها أن تكون أوبرا عربية أو أوبريت على الأقل، ويقول إنه قرأ نص شوقي أكثر من مئة مرة، ولم يلحن إلا «جبل التوباد» و«تلفتت ظبية الوادي» و«ليلى»، كما أنه اتجه نحو المسرح الغنائي منذ بدايته، عندما لعب دور أنطونيو أمام منيرة المهدية «كليوباترا» ويكون مضحكا ما يرويه عن عدم مناسبة الدور له، لأنه كان صغيرا وبدا الأمر كأن أنطونيو ابن كليوباترا، ولم يكن يحتمل بجسده الضعيف أن ترتمي البطلة فوقه في مشهد الموت الختامي، ويكاد أن يفقد أنفاسه.
وبقلم محمد عبد الوهاب، نقرأ ما نشره في مجلة «الغد» المصرية، بتاريخ 1 مارس/آذار 1959: «عندما كان المسرح الغنائي مزدهرا في عهد سيد درويش، كانت الجماهير تغني إلى جانب زوروني في السنة مرة، لحن القلل القناوي، ولحن السقايين، كما كانت تغني بلادي بلادي، وقوم يا مصري، وغير هذا من الألحان التي تتجاوب مع أهداف الشعب وقضية تحرره». ثم نجده يناشد الدولة في نهاية المقال: «إننا نطالبها بأن تبني مسرحا خاصا للأوبريت، وأن تنشئ فرقة أوبريت كاملة، بجهاز من الموسيقيين المدربين لا يقل عن أربعة وعشرين عازفا، وأن تضم إلى هذه الفرقة مطربين ومطربات من ذوي الطبقات الصوتية المختلفة، إلى جانب المرددين من الرجال والنساء، والخامة موجودة، وأنا بالذات أعرف عددا من المطربين والمطربات يصلحون جدا لأن يكونوا نواة لهذه الفرقة».


وعندما نقرأ ما طلبه عبد الوهاب نجد أن هذا ما فعله نجيب الريحاني عام 1920، من دون أن يناشده أحد على صفحات المجلات، أو ينتظر موافقة موظف الثقافة والإرشاد القومي.
أما مؤلفات سيد درويش، فكان عبد الوهاب يحفظها لحنا وغناء، ومن المؤسف حقا ما نقرأه عن أن معهد الموسيقى الشرقية، ظل لفترة طويلة يحرم على طلابه غناء أو عزف أي من مؤلفات سيد درويش، وهو ما يؤكده عبد الوهاب، بما يرويه عن أنه كان يغني ألحانه داخل المعهد في سرية تامة، توجب وقوف أحد الطلاب لمراقبة المكان والتحذير من قدوم أو اقتراب الأساتذة، ونجد ملامح التأثر الموسيقي بسيد درويش في أغاني العشرينيات، فإن بعض مؤلفاته في هذه الفترة من مستهل حياته الفنية، تحمل في أسلوبها طابع سيد درويش، لكن هذا الأثر لم يطمس شخصية عبد الوهاب وطابعه الذاتي، ويظهر هذا التأثر أكثر ما يكون في أغنيات مثل «خايف أقول اللي في قلبي» و«حسدوني وباين في عينيهم» و«لما إنت ناوي تغيب على طول»، وكان غريبا بعض الشيء أن محمد عبد الوهاب الذي لم يكن يغني إلا عن الحب تقريبا، ولا شيء سوى الحب في تلك الفترة، اختار من بين ألحان سيد درويش لحن «فيك عشرة كوتشينة في البلكونة» ليكون اللحن الوحيد الذي يسجله بصوته على أسطوانة، ويصدرها في العشرينيات، ولم يُسجل أي من ألحان سيد درويش الغرامية المذهلة، التي تؤكد ما يقال عن أن سيد درويش بكل عظمته، كان ضحية نكبة عاطفية كبرى.
وعندما نستمع إلى «فيك عشرة كوتشينة»، تكاد عبقرية سيد درويش الموسيقية، تنسينا صوت عبد الوهاب، الذي اعتدنا أن ينسينا الدنيا وما فيها، ونجد أنفسنا نتبع اللحن الذي يأسرنا بتعبيريته التي لا مثيل لها، ونكاد لا نصدق أنه قام بالفعل بتلحين دور كوتشينة، أو مباراة لعب ورق بين فردين، بكل ما فيها من لحظات الهدوء والتفكير، والتوتر والترقب، وإغاظة الخصم واللعب بأعصابه، ونشوة الفوز، والمفاجأة بالحظ واكتشاف الورق، والكثير الكثير من التفاصيل، ويكفي التأثير الموسيقي الهائل الذي يصنعه من خلال تلحين كلمة واحدة فقط، هي كلمة «لأ» عندما يقول «جاني ولد لأ دول اتنين»، هذه الحماسة التي يخلقها في نفس المستمع، تجعله يرغب في مشاهدة مباراة الكوتشينة الحامية التي تدور في البلكونة.

قام عبد الوهاب بتلحين أغلب أغاني العشرينيات، في الجناح المخصص لإقامته في قصر أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي لم يحتكره ويقيده ويمنعه من تلحين أشعار آخرين مثل، محمد يونس القاضي الذي كان يكتب لسيد درويش، وأحمد رامي وحسن أنور وأحمد عبد المجيد وغيرهم

وبعيدا عن سيد درويش، يمكن القول إن محمد عبد الوهاب في حقبة العشرينيات، لم يكن قد امتلك بعد تلك الجرأة الفنية الهائلة، والتحرر التام والانطلاق نحو التجريب، كما يشاء ويهوى، والانفتاح على الموسيقى الغربية بأنواعها الكلاسيكية والحديثة، وكافة هذه الأمور التي تظهر آثارها واضحة في أغاني الثلاثينيات، وربما قام عبد الوهاب بتلحين أغلب أغاني العشرينيات، في الجناح المخصص لإقامته في قصر أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي لم يحتكره ويقيده ويمنعه من تلحين أشعار آخرين مثل، محمد يونس القاضي الذي كان يكتب لسيد درويش، وأحمد رامي وحسن أنور وأحمد عبد المجيد وغيرهم، وفي الكثير من هذه الأغنيات، لا نستمع إلى صوت عبد الوهاب وحده، لأنه كان يعتمد على الجوقة التي تردد بعض المقاطع، كما نستمع في هذه التسجيلات القديمة، إلى من كانوا يسمون على الأرجح بـ «الصييتة» وهم أقرب إلى الجمهور المأجور، الذي يتكلف التعبير عن مشاعر التأثر بالغناء، فيطلق الآهات وكلمات التشجيع والاستحسان، كما نجد أن الغناء لم يكن قد تخلص بالكامل من ملامح الإنشاد والترتيل، وشوائب العجرفة التركية. ونشعر بصرامة البناء وحبك النسيج الموسيقي، وطول الخط الميلودي والغنائية في اللحن، وقوة التعبيرية، وبراعة الانتقال بين المقامات المختلفة لحنا وصوتا، والتنوع داخل الأغنية الواحدة، في أجزاء يوحدها اللحن الأساسي، ويكون لكل جزء مميزاته الموسيقية الخاصة، وفي بعض الأحيان يظهر اللحن ويطغى بجماله، وفي أغنيات أخرى، يكاد يختفي اللحن وراء الغناء والتطريب، ويكون في أغلبه تقسيمات على القانون أو العود تصاحب المطرب، فقد كان عبد الوهاب في تلك الفترة لا يزال يغني مع التخت العربي بآلاته الموسيقية التقليدية، وماذا يمكن أن نقول عن صوت عبد الوهاب، الذي يتهدج فيصنع البدع والأعاجيب في مختلف المقامات الموسيقية والقوالب الغنائية القديمة، بمدى لا يتجاوز 2 أوكتاف، وفي أغاني العشرينيات نجد القصائد والأدوار والطقاطيق والمونولوغ والأغنية الفردية الأكثر تطورا، كما يغني الموال والليالي بكل ما تتطلبه من أنين وألم ونواح، ونستمع بالطبع إلى الكثير من أشعار شوقي الفصيحة والعامية، مثل «جارة الوادي» التي كان عبد الوهاب يعتز بها كثيرا، وموال «سيد القمر» الذي كتبه شوقي بالعامية، ومن أجمل ما يغني من أشعار أحمد رامي، أغنية «غاير من اللي هواك قبلي ولو كنت جاهله». وقد تكون أغنية «أحب أشوفك» من أكثر الأغنيات تطورا وسحرا في تلك الحقبة، فتبدو موسيقيا كتدريب نموذجي رائع على تلحين الحرف، حيث يصنع عبد الوهاب من حرف الواو في «أشوفك» وحرف الألف في «خياله» أنغاما وألحانا وموسيقى لا مثيل لها، كما يبدو صوته في الأداء على أجمل ما يكون، ويذهب نحو الطبقات المرتفعة إلى حد ما على غير عادته، أما الإحساس فيذهل المستمع بالقدرة الفائقة على التعبير عن مشاعر الحب المسكين، ويكون عبقريا في كثرة ترديد وإعادة بعض الكلمات في مقاطع مثل «يا سيدي شوف ذلي إليك والامتثال حرام عليك إرحم ودادي»، و«يا روحي راح عقلي عليك»، أما مقاطع الآهات الطويلة التي تتكرر في الأغنية، فعندما نستمع إليها نقول ما أجمل أن يكون لدينا مثل هذا الفنان، ونتخيل الآن من سيجلس يوما ليكتب عنه بعد مئة عام أخرى، بفخر وحب يفوق حبنا لمحمد عبد الوهاب.

٭ كاتبة مصرية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*