محمد رشيد رضا: منارةٌ لم يُستضأ بها

 إحسان الفقيه 
القدس العربي
18022019

كان الفقيه المالكي عبد الله بن وهب تُقرأ عليه مسائل الليث بن سعد صاحب أحد المذاهب المُندثرة، فمرت به مسألة فقال رجل من الغرباء: أحسن والله الليث، كأنه كان يسمع مالكًا يُجيب، فيجيب (يعني كأنه يردد آراء مالك)، فقال ابن وهب للرجل: بل كان مالك يسمع الليث يجيب فيجيب، والله الذي لا إله إلا هو، ما رأينا أحدًا قط أفقه من الليث.
وهنا يُبرز الشافعي السبب الرئيس في عدم انتشار مذهب الليث، رغم تفوّقه في العلم على مالك، فقال: «الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به».
فالفكرة تموت في صدر صاحبها إن لم يبُحْ بها، فإن أبرزَها توقفت عند قدميه، إن لم تجد أجنحة تطير بها، وربما هو ما حدث مع الإمام المُصلح محمد رشيد رضا، ذلك العالم اللبناني الذي استوطن مصر، وأنشأ مجلة «المنار»، يبثّ من خلالها فكره الإصلاحي، إلا أنه لم يكن له أصحاب يقومون به، فلم تستفد الأمة من رؤيته الإصلاحية حق الاستفادة رغم عُمقها ومتانتها.
لقد كان المناخ الذي وجد به رضا خاضعًا لجناحي: الاستعمار ومحاولات التغريب وطمس الهوية، وفُشُوّ الخرافات والخزعبلات كصورة تُمثل التدين، فكانت هناك محاولة للبعث الإسلامي قام بها الشيخ محمد عبده، ليعيد صياغة العلاقة بين الدنيا والدين، التي كادت أن تندثر، لكنه أغرق في محاولات التوفيق بين الإسلام والعلمانية، التي خاض غمار معركتها بنزعة اعتزالية. جاء تلميذه محمد رشيد رضا ليأخذ بتلك المدرسة الإصلاحية إلى مسار أكثر صحة وواقعية وشمولية ونقاء.
تضمنت رؤية رشيد رضا الإصلاحية العمل على إحداث نهضة شاملة في جميع مناحي الحياة، فكرتها المركزية هي الإسلام، وكان يؤكد على أن المدنيات التي عرفها التاريخ لم تقم إلا على أساس الدين، وعدّ الإصلاح السياسي من مقومات الإصلاح الديني، وأبرزَ موقفه الوسطي في النظر إلى الحضارة الغربية، فلا الجنوح إلى الارتماء في أحضان الغرب والذوبان في حضارته، ولا التقوقع والانعزال عن الغرب بدعوى صيانة الهوية، فأكد على حاجة المسلمين إلى علومهم واختراعاتهم والاعتبار بأطوار حكوماتهم، إلا أنه قيّد ذلك بحفظ مقومات الأمة الإسلامية لغتها ودينها وشريعتها وآدابها.
لقد كان أبرز ما يميز رؤية رشيد رضا التي بث مفرداتها عبر مجلة «المنار»، التأكيد على مبدأ التدرج مراعاة للسنن الربانية، حتى يتهيأ المجتمع لقبول المنهاج الإسلامي من جديد، بعد أن نال من تصورات الناس وسلوكياتهم التغوُّلُ الاستعماري والعلماني التغريبي والفكر الانسحابي الصوفي، لذلك ركّز اهتماماته على إصلاح الأفكار والتصورات والنهوض بالعلوم الدينية والدنيوية، وتعزيز قيمة العمل المؤسسي، في الوقت الذي كان يبدي اهتمامًا أقل بالأمور الخاصة بالدولة ونظام الحكم.
كان رشيد رضا يرى إنه أولى من إسقاط الأنظمة والحكام المستبدين، الاهتمام بتربية الناشئة بنين وبنات، وتحصيل العلوم والفنون والأخذ بأسباب القوة الاقتصادية، وتنقية عقيدة الأمة وتراثها من الخرافات التي شابتها، والانحرافات الفكرية التي امتزجت بعقول أبنائها، والتي تمثل الوجه الآخر للعلمانية، حيث كانت تشيع أفكار الزهد المصطنع بترك الدنيا والعزوف عنها، والنأي بالإنسان عن مهمة الاستخلاف في الأرض وإعمار الكون.
وما ذهب إليه رشيد رضا ينسجم مع النقل والعقل، فالسنن لا تحابي أحدًا، ومن سنة الله في عباده «إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم»، لأن هذه الأنظمة المستبدة الجائرة لم تنشأ من عدم، وإنما نشأت من التربة ذاتها، وإنما أغراها للاستبداد أن رأت شعوبًا مُغيَّبة بالجهل وتشوُّه المفاهيم والتصورات واعوجاج السلوكيات والممارسات، فكان من الخطأ الاتجاه إلى تغيير النظام قبل تغيير المجتمع.
الرؤية الإصلاحية لمحمد رشيد رضا كان من الممكن أن تُمثل مظلة فكرية منهجية يعمل تحتها الناس فرادى وجماعات ومؤسسات، غير أنها لم تجد من يقوم بها، وربما لم تستفد منها الحركات الإسلامية نفسها إلا في جوانب محدودة، على تفاوت بينها في ذلك، حيث أن بعض الجماعات اتجهت للتغيير المسلح، رغم الواقع المر الذي جاء بسبب سطوة وقوة الأنظمة المستبدة، ومن ناحية أخرى رغم الجهل الذي ران على الشعوب، ولم تعبأ جماعات العنف هذه بالضوابط الشرعية، ولا بفقه المصالح والمفاسد، ولا بلزوم سُنة التدرج والعمل على التغيير في المجتمع من قاعدته. كما أن بعض الجماعات حصرت الإصلاح في الجانب العلمي وتزكية النفس، والتقوقع في المساجد لمدارسة كتب التراث، من دون أن تكون لها رؤية شمولية للتغيير، ولو كان اتجاهها هذا من باب التخصص وسد ثغرة لقلنا به، طالما أنها تؤمن بالعمل التكاملي التراكمي، أمّا أن تطرح نفسها كجماعة تمثل المنهج الإسلامي فهذا غير مقبول.
وكالعادة، لا تمنح المقالة إحاطة للقضية المطروحة بقدر ما تفتح نافذة للبحث والمطالعة لجوانب هذه القضية، فربما كانت كلماتي هذه نافذة لوضع أفكار محمد رشيد رضا ورؤيته محل الاهتمام، ولا أعني بذلك الحركات الإسلامية وحدها، وإنما صاحب كل فكر وثقافة، والمؤسسات والمجموعات المتعاونة، والأحزاب والكيانات العاملة من أجل نهضة الأمة، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

*كاتبة أردنية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*