الرئيسية / home slide / محمد خضير… غرفة أغاثا العراقية

محمد خضير… غرفة أغاثا العراقية

المدن – ثقافة|الخميس30/12/2021
Almodon.com

 (منشور مُهدى إلى الروائي الراحل: حسين رحيم)  قبل أيام، نَشَرَت السيّدة _الموثِّقة_ إيمان البستاني، على صفحتها الفيسبوكية، صورةً لغرفة الكاتبة البريطانية، صاحبة السلسلة الروائيّة البوليسيّة، أغاثا كريستي، أيام إقامتها في الموقع الآثاري النمرود_ على مسافة 30 كلم إلى الجنوب من الموصل، كبرى مدن شمال العراق_ ويرجع تاريخُ الموقع الى القرن الثالث عشر قبل الميلاد. أمّا الغرفة الطِّينيّة للسيدة كريستي فقد بُنِيَت لها خلال مواسم التنقيب في موقع النمرود بين 1947_ 1958 عندما صَحِبَت الخبيرَ  الآثاريّ ماكس مالوان_ زوجَها الثاني_ للبحث عن آثار نينوى وساعدَت فريقَه في تنظيف المأثورات العاجيّة المستخرَجة وتصنيفِها. 



ومع أنّ الكاتبة انتقلت، بعدئذ، للسكن في دارٍ من العهد العثماني تقع على شاطئ دجلة، في العاصمة بغداد، وكتبَت ذكرياتِها فيها، وربّما روايتَها الشهيرة “جريمة في ميتسوبتاميا”، إلا أنّ خواطرَها الأولى ربّما ولِدت في تلك “البحبوحة” القرويّة التي احتواها الموقعُ الآثاري، فيما احتوى من تُحفيّات ما زال التراب يخفي سطوحَها ويملأ شقوقَها. والشيء الملفت للانتباه في صورة غرفة النمرود هذه، المدفأةُ الطينيّة المُبتناة الى جوار منضدة الكتابة المرتفعة، المصنوعة من غصون الشجر، والآلة الطابعة، وسلّة كلب كريستي (هل ظهرَ له أثرٌ في روايتها العراقية؟).
  إضافة الى ما اشتُهِر عن غُرَف الكاتبات والكُتّاب العرب والعالميين، فإنّ غرفة أغاثا تثير أكثرَ من ملاحظة مهمّة، فهي محرابٌ بحدّ ذاته، معزولٌ عن المدنيّة، قريبٌ من التجرّد والزُهد في الديكور والكتُب (ما عدا رُضخةَ المجلّدات الظاهرة على المنضدة). هنا ما يُظهِر المعنى الكبير لوجود الروائية الغريبة في هذا الجزء من العالم: التضحية برفاهية السكن لأجل الخُلوص للبحث والمغامرة ولذّة الاكتشاف_ الفكرة المنبثقة من أعماق الأرض، مع قطعةِ عاجٍ منحوتة بأيدٍ آشوريّة قديمة، الطراوة والدهشة والفرح الشخصيّ بوجود غاية من الحياة، مهما كان ثمن تذكرةِ السَّفر!
   أما المعنى الأكبر، المتخلِّف عن غرفة أغاثا، فهو الدليل على أنّ محاريب الروائيّين البسيطة فضاءٌ للكتابة الغنية بالحبكات المعقّدة. ونسبةً إلى أغاثا كريستي فهو محرابٌ بحجم العقل البوليسي_ الاستشراقيّ، الثريّ بالمفاجآت؛ وما يعنينا خاصة_نحن كتّابَ الأثَرِ الدَّارس_ هو قناعةُ العمل في حدود الممكن، وطلَبُ الاعتراف بعمل أدبيّ مولودٍ على حدود موقع الأمس التاريخي.

  الصورة_ المفاجَأةُ_ كلُّ ما بقِيَ من عظمة تاريخٍ مفقود. وأيّ تاريخٍ كان، لو كنّا نعلم، جَذَبَ إليه أعظمَ العقول، وأرقَّ النفوس، وأجملَ الذكريات!

  *(صورة الغرفة الداخلية من صفحة السيدة إيمان البستاني، والصورة الثانية لأغاثا كريستي خارج غرفتها في موقع النمرود من مدوّنة الدكتور صباح الناصري)(**) مدونة نشرها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية