محمد خضير… السقف-الوثيقة (*)

المدن – ثقافة|الأربعاء10/04/2019
Almodon.com

سقف الوهم العراقي

(*) يتابع المصوّر العراقي هاتف فرحان، أرشفة اللحظة التاريخية من زوايا عديدة، وبقرائن لا تقبل التحييد والزلفى. إنها صورتنا حين نقسّم أجسامنا الهرمة والتعبى، على ملامحها الغائبة، خلف عدسة الذاكرة الوهمية. الحقيقة الملتبسة بالوهم.
كيف يمكننا ان نحذف باباً اثرياً من لوثة العائلة المتكاثرة خلال دخولها وخروجها؟ بل كيف نحرِف هذا الانفراج عن سرديته المشبّعة بإحساس الاختفاء والظهور؟ أليست هي دورة الانثربولوجيا اليومية التي ترسّخ وجودنا المسجل بساعات صامتة؟ إنه باب الأمس واليوم وكل يوم.

أما ذلك الشباك، فهو يختزن سردية التحريم والاختلاس على زمن الحريم والزفاف القسري لجيل مضمخ بعرق القعود ورائحة الثياب المتخففة من عبء المراقبة والعقاب. خلف ذلك الشباك أشكال من السرد الاجتماعي المثقل بواجب البوح الخفي عن الرغبات والنظرات. كيف نزيح هذه الوثيقة من اختلاساتنا الصعبة عبر شقوق الواقع وستارته الممزقة؟ إنها لقطة تناوبت على إنتاجها مئات الأرواح المقيدة، قبل انعكاسها في ضمير مصور احترف جمعَ البصمات الباهتة والنظرات المختلسة.

ثم هنا، أيّ سقف يحمينا من بؤرة السماء المسلطة على اشتغالاتنا الوهمية؟ الوهم يكبر خلف الأبواب والشبابيك، لكنه ينتشر مثل نشوة سكير تحت سقف حانةٍ واطئ. سوى أنه في لقطة هاتف فرحان أعلى السقوف وأكثرها ترقيعاً لثقوب الوهم. إنه سقف الوهم العراقي الذي تحبسه دائرةٌ من الدعامات الهلالية، المحيطة بصليب من الدعامات الساندة، وقد طال الصدأ هذه الدعامات المعدنية كما رسخ الوهمَ شعورٌ بالحماية من السخَط والعقاب.

كان أحد المتصوفة قد شبّه الوجودَ الوقتي للبشر بمحشرهم في “خان” بانتظار الحساب. وقد تعكس صورة هاتف فرحان لسقف الخان البغدادي وهماً مقابلاً لذلك الوهم الصوفيّ. إننا جميعا نجتمع تحت سقف مثقوب بإطلاقات الرصاص وصدأ الأزمنة. إنها صورتنا جميعاً بدون بشر. صورة مقابلة للصحراء التي تصورها بلزاك في إحدى قصصه: عالماً بدون البشر. وإلى مَ يؤدي بنا هذا الزقاق؟ أإلى صحراء بلا بشر؟ أنحن بلا تاريخ، تحاول الصور اختراعه؟
(*) مدونة كتبها القاص العراقي محمد خضير في صفحته الفايسبوكية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*