محمد السماك وصراع الحضارات: الغرب ضد الآخرين والجميع ضد الإسلام

سعدون يخلف
القدس العربي
05082019

محمد السماك من المفكرين العرب القلائل الذين أخذوا على عاتقهم التأسيس لفكرة الحوار مع المختلف، في عالم مشحون بالكراهية، وموبوء بالصراع والحروب، لأجل عالم أفضل يسوده التعاون والسلام؛ إذْ لم يكن الحوار لديه مجرد فكرة مثالية، لتزجية الوقت وتدبيج المقالات، بل هو، في واقع الأمر، مبدأ ينبغي على البشرية أن تؤمن به، وتنخرط في مساعي تكريسه في الواقع، لكي تتغلب، والحال هذه، على الأهوال والمصاعب الموجودة؛ ربما يعود ذلك لأنه من لبنان (ولد في بيروت سنة 1936) لبنان، كما هو معروف، بلد زاخر بالتنوع والاختلاف، العرقي والمذهبي والديني، الذي جعله يعيش المآسيَ والمحن.
شغل السماك، انطلاقاً من هذا، منصب الأمين العام للجنة الوطنية الإسلامية المسيحية للحوار، كما شغل أيضاً مركز الأمين العام للأمانة الدائمة للقمة الروحية الإسلامية في لبنان، بالإضافة إلى أنه عضو في المجلس الرئاسي للمؤتمر العالمي للدين من أجل السلام؛ من مؤلفاته: «تأملات في الإنسان والدين والسياسة، المسلمون والتحديات المعاصرة، مقدمة إلى الحوار الإسلامي ـ المسيحي، موقع الإسلام في صراع الحضارات والنظام العالمي الجديد.. وغيرها».
في هذا المقال نحاول أن نتوقف عند رأيه في نظرية صراع الحضارات، التي أثارت الكثير من النقاش والجدل، واستقطبت اهتماماً واسعاً من الباحثين والصحافيين؛ اهتمامه بهذه القضية نابع، في الأساس، من أن الصراع مشروع مضاد لمشروع الحوار المأمول الذي يناضل من أجله.

تصورات ما بعد الحرب الباردة

بمجرد سقوط النظام الشيوعي، وتمزق الاتحاد السوفييتي بتلك السرعة غير المتوقعة ولا المنتظرة، بدأت عمليات التنظير «لمرحلة ما بعد هذا السقوط والتمزيق»، تظهر بصورة غير مسبوقة، ومتسرعة كذلك، علها تسد الفراغ الذي أوجدته لحظة انتهاء الحرب الباردة تصوراُ واستراتيجية، وقد اتخذت هذه العملية بحسب محمد السماك طابعين أساسيين: الطابع الأول هو المبادرة إلى وضع معادلات جديدة لنظام عالمي جديد. أما الطابع الثاني؛ فهو محاولة وضع تفسير احتوائي للتطورات الجديدة، بحيث يكون التفسير في حد ذاته إطاراً لاستراتيجية النظام الجديد». بمعنى آخر، وضع أسس جديدة لنظام عالمي جديد، يتضمن، في الوقت ذاته، تصوراً احتوائياً للوضع المستجد، وتفسيراً للتطورات التي حصلت؛ حددها السماك في ثلاثة اتجاهات أساسية هي:
1 ـ نظرية نهاية التاريخ: اعتبر فرانسيس فوكوياما أن سقوط الشيوعية وانتصار الديمقراطية الليبرالية دلالة على أن هذه الأخيرة هي مفتاح التقدم وبوابة البشرية الوحيدة، للولوج إلى ما بعد العصر التاريخي، وعلى المتأخرين منذ هذه اللحظة أن يستعدوا لامتطاء عربات القطار قبل فوات الأوان، وعلى الرغم من أن هذه النظرية «كانت موضع نقاش أكاديمي واسع النطاق» يقول السماك، إلا أنها فشلت، إلى حد بعيد في صياغة استراتيجية سياسية جديدة.
2 ـ نظرية توفلر: يرى ألفين توفلر في كتابه «صدمة المستقبل: المتغيرات في عالم الغد» أن هناك ثلاث موجات للحضارة: الموجة الأولى الزراعية، والموجة الثانية الصناعية، بينما الموجة الثالثة، التي تُعتبر الثورة الحقيقية؛ فهي المعرفة، وتشمل المعرفة بحسب توفلر «المعادلات العلمية والمعلومات التقنية، إضافة إلى الثقافة والقيم»، ويعد الاقتصاد العمود الفقري في حضارة الموجة الثالثة، وبما أنه «لم يزل في طور تجلياته الأولية، فإنه سيواجه معارضات وتوترات محلية ودولية إلى أن يسود كونياً»، بسبب المخاطر المحتملة، وعقبات بقايا الموجة الثانية، زيادة على ذلك، المنافسة من طرف قوى جديدة تعرف نمواً سريعاً، كالصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وغيرها، ويعتقد السماك، وفقاً لهذا التفسير، أن توفلر يلتقي هنتنغتون في هذا الاعتقاد، بأن هذه المناطق «تشكل بؤر حروب محتملة، وتعرض سلام الدول المتقدمة لخطر مصدره دول أفقر وأصغر، وذات أنظمة سياسة سيئة»، غير أن هذه الحروب المندلعة والتغيرات المفاجئة في موازين القوى لم تكن بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي وجدار برلين، كما يتصور البعض، بل «هي سمة أساسية للموجة الثالثة» بحسب توفلر.

الغرب في واقع الأمر لم يتغير، فتفكيره ما زال هو هو، ورؤيته للآخر هي هي، «الغرب ضد الآخرين، والجميع ضد الإسلام»، لعل التغيير الوحيد يكمن في العناوين الكبرى، وفي المصطلحات المستعملة، الصراع الأيديولوجي صار صراعاً دينياً؟

3 ـ نظرية صراع الحضارات: تعتبر نظرية «صراع الحضارات» التي صاغها صموئيل هنتنغتون وفق رؤية السماك «أول محاولة جدية لملء الفراغ النظري الذي يفلسف سياسة ما بعد الحرب الباردة، ويحدد إطاراً عقائدياً لها»، وتذهب هذه النظرية إلى أن النظام العالمي السابق كان يقوم على صراع أيديولوجي بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. أما النظام العالمي الجديد، فيقوم أساساً على الصراع الثقافي، الذي يشكل أساس الحضارات؛ مبرراً ذلك بالقول: «إن ما يهم الشعوب ليس المصالح الاقتصادية أو السياسية العقدية، بل إن ما يهمها هو الإيمان والعائلة والدم والمعتقد.. وهذا ما يميز الشعوب عن بعضها ويدفعها للقتال والموت. من أجل ذلك، فإن صراع الحضارات يحل محل الحرب الباردة كظاهرة مركزية في السياسة العالمية». ويحدد هنتنغتون هذه الحضارات في ثماني حضارات، بحيث «إن الانتماء إلى حضارة ما يتعدى الفوارق الإثنية والحدود الوطنية»، وبما أن كل حضارة «تختزن قوى الصراع المستقبلي»، فإن حروب المستقبل سوف تجد جبهات لها في الحدود بين الحضارات، مؤكداً، في الوقت نفسه، على أن للإسلام «حدود الدم» مع بقية الحضارات الأخرى.

صراع الحضارات: الغرب ضد بقية العالم

يرى السماك بأن الغرب في واقع الأمر لم يتغير، فتفكيره ما زال هو هو، ورؤيته للآخر هي هي، «الغرب ضد الآخرين، والجميع ضد الإسلام»، لعل التغيير الوحيد يكمن في العناوين الكبرى، وفي المصطلحات المستعملة، الصراع الأيديولوجي صار صراعاً دينياً، وإضفاء البعد الحضاري على الصراع بدلا من البعد الوطني، أي أن الصراع، في الحقيقة، استمرار للصراع الذي كان قائماً إبان الحرب الباردة، يقول السماك: «لا تختلف هذه النظرية الصراعية أو الصدامية عن صورة الصراع الذي كان قائماً طوال عقود الحرب الباردة»، الاختلاف الوحيد يكمن في هاتين النقطتين:
1 ـ» إضفاءُ بُعْدٍ أشمل على هذا الصراع من خلال استبدال الدولة الوطنية بالمجموعة الحضارية».
2 ـ «إضفاءُ بُعْدٍ ديني على الصراع بدلا من البعد الأيديولوجي».
على هذا الأساس، يدعو هنتنغتون الغرب إلى الحذر واليقظة من القوى المتربصة؛ فالتاريخ لم ينتهِ بعد، والمواجهة مازالت مستمرة، وربما أكثر شراسة من ذي قبل، لذلك ينبغي «عدم الإقدام على نزع التسلح أو وقف إنتاج الأسلحة الأكثر تقدما»، كما يجب، والحال هذه، دراسة الحضارات الأخرى، من أجل «اكتشاف العوامل المشتركة التي يمكن أن تشكل قاعدة لتفاهم أفضل يؤدي إلى تعايش أضمن».
من هنا، يأتي الخوف من الآخر، سواء اعتنق هذا الآخر ديناً سماوياً أو طبق شريعة أرضية، فالخوف، في الأساس، سببه، كما يقول السماك، في «أن يتغير ميزان القوى الحضاري لغير مصلحة الغرب»؛ فهنتنغتون، كما يبدو، «ينظر بقلق إلى النهوض الاقتصادي الآسيوي في الصين واليابان وكوريا تحديداً»، كما يرى بأن هذا النهوض من شأنه «أن يشكل خطراً ليس فقط على مصالح الغرب، بل على قيمه وثقافته أيضاً» يضيف السماك. من ثم، يأتي تحذير هنتنغتون «من قيام أي تحد كونفوشيوسي ـ إسلامي مشترك للغرب»، لذلك لا يستبعد السماك أن نظرية صراع الحضارات تدخل في إطار البحث عن عدو جديد لأمريكا، من أجل «استمرار العوامل المحرضة على النهضة والمحركة لها»، بما أن نهاية الحرب الباردة قد شيعت الاتحاد السوفييتي إلى مثواه الأخير، ولا بد من عدو جديد يأخذ مكانه؛ قد يفي الاستثمار في «العلاقة الإسلامية ـ الكونفوشيوسية» بالغرض المطلوب، ويحقق، على الأقل، الهدف الأخير، الذي يسعى إليه هنتنغتون ببعديه الثقافي والأمني؛ ثقافياً: «بوجوب استعادة وحدة الحضارة الغربية»، وأمنياً: «بوجوب إعادة الصدقية إلى التحالف السياسي ـ العسكري ـ الثقافي في الكتلة الغربية» .

تهافت نظرية صدام الحضارات

انطلاقاً مما سبق يتبين أن نظرية صراع الحضارات سطحية، لها أهداف سياسية معينة، لذلك لم تصمد أمام النقد البناء والمؤسس، وبسهولة يدرك الملاحظ نقاط ضعفها، لعل أهمها بحسب السماك:
– محاولة هنتنغتون طرح الإسلام عدواً بديلا عن الشيوعية.
ـ فرزه للشرق وشعوبه على أساس واحد وهو الدين، وربط هذا الأخير بالرجعية والإرهاب.
– إلغاء المسافة القومية بين العرب والفرس.
– فضلا عن تجاهل الحضور المسيحي العربي المتميز في الإسلام العربي.
إن السبب الرئيسي في ذلك يعود، حسب رؤية السماك، إلى محاولة تصوير الإسلام، وكأنه «الديناصور الوهمي الذي يهدد الحضارة الغربية»، ويقوض مشروعها الحضاري.
ما الحل؟
لم تفد محاولات امتصاص الإسلام، ولا احتوائه أو عزله، كما سيكون مصير نظرية هنتنغتون الفشل بالتأكيد، لأنها، في الأساس، مبنية على لغة الصراع لا الحوار، على الإلغاء لا التواصل، وعلى الاستعلاء لا الندية، وأي محاولة، مهما كانت جديتها ونواياها في السعي إلى رأب الصدع، ومد جسور التفاهم والتواصل، لا تأخذ بعين الاعتبار «تغيير النظرة الاستعلائية» للغرب، وتتخلى عن النظر إلى الآخر، نظرة المتفوق إلى الضعيف، والمتحضر إلى البربري «التصنيف المتوارث من مخلفات استشراق القرون الوسطى»، معيدة في الوقت ذاته «النظر في أسلوب التعامل الفوقي مع الحضارة الإسلامية» ستفشل حتماً؛ وعليه، ينبغي للغرب إعادة النظر في كل هذه الأمور، لأن ذلك «كفيل، كما يقول السماك، بفتح صفحة تغني الإنسانية بالمستلزمات الروحية للتقدم التقني».

كلمات مفتاحية

الغربحوار الحضاراتسعدون يخلفصراع الحضاراتمحمد السماك

التعليقات

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*