محمد أحمد شومان… شارع حمد وأصل التسميّة (*)

المدن – ثقافة
الخميس05/09/2019
Almodon.com

الشهيد عمر حمد

آل حمدا

ختلط أمر اسم الشارع على كثير من الناس. فقد اعتقد هؤلاء أنَّ الشارع منسوب إلى الشهيد عمر حمد، أحد عُمَرَي بيروت، على حدِّ تعبير الكاتب البيروتي الأشهر عمر فاخوري، صاحب “أديب في السوق” و”بِلا هَوَادة”. وأمَّا عمر الثاني فهو عمر الزعني شاعر الشعب، البيروتي الساخر، القائل في ساعة العبد التي توسَّطت ساحة النجمة بالقرب من البرلمان، منتقدًا الوضع القائم آنذاك، وهو لا يختلف في أيِّ حالٍ عن واقعنا الراهن في شيء


وبْآخر ساعه … بعزِّ المجاعه
قاموا الجماعه …
نصبوا لْنا ساعه
يلعن هالساعه وهيديك الساعه

كل يوم مصيبه …
وأمور عجيبه
خلصنا من الكورنيش …
وقعنا بالساعه
بَدَلْ ما توسَعْ شويَّه وتِتْوَسَّع …
كلما لها بتضيق من ساعه لْسَاعَهْ
وبأحشر سوق …
نصبوا الخازوق خازوق كبير …
وبْراسُهْ ساعه
كلما لها بتْشِدّْ …
والرزقه بْتِنْسَدّْ
ما إلْهَا حَلَّه … تتقوم الساعه

ولكنَّ الحقيقة أن شقيقي عمر حمد، الحاجين سعيد وأحمد، انتقلا في عشرينات القرن الماضي للسكن من البسطة إلى منطقة “طريق الجديدة”، فكانا رائديها، حتى أصبحت الناس تنسب هذا المحلة المستجدَّة إلى آل حمد. وأمَّا الشارع الذي سمَّته على اسم “الشهيد عمر حمد” فهو ذاك الذي يربط المنطقة الممتدة بين جامع البسطة التحتا وبين حوض الولاية. وحتى زمن قريب -قبل أن يُرمَّم الجامع المذكور بعد استهداف مئذنته بالقصف الإسرائيلي لبيروت- كان ثمَّة لوحة رخامية معلَّقة على مدخله تشير إلى “شارع الشهيد عمر حمد”.وتخليدًا لذكرى الشاعر الشهيد عمل شقيقه الأصغر الحاج أحمد على إصدار ديوان شعري (1969) يضم مختارات ممَّا نظمه، وألحق به بعض ما قيل فيه قصائد الرثاء. وعمد أحمد إلى تصديره بمقدمة احتفالية الأسلوب كان كتبها صديق الشاعر، الأديب عمر فاخوري، وقد جاء فيها: “… وبعد، فهذا المختار من شعر عمر حمد نزفُّه إلى أبناء الضاد، إحياءً لذكرِ الشهيد وتكريمًا له. فهو ترجمان الروح التي كانت سائدةً على النشء في تلك الأيام. وكان إذ يتلوه ناظمه، يثير في نفوس السامعين حماسة لا توصف، وإعجابًا ليس له حدٌّ. ولو أمدَّ الله في عمر صاحب الديوان لأصبح من فحول شعرائنا (…) لكنَّ عمر حمد في حياته القصيرة، لم يكن سوى شهابٍ سطع بغتةً في سماء الشعر ثمَّ هوى، أو زهرة ما تفتَّحت عن نضرتها حتى ذَوَت”.وقد جاء في أثر الشهيد أنَّه ختم القرآن للمرة الرابعة متتلمذًا للشيخ شاتيلا المشهور في هذا البلد. وتوفِّي والده مصطفى قبل أن يجاوز عمر التاسعة من عمره، فاضُّطُرَّ إلى ترك المدرسة واشتغل في السوق نحو أربع سنوات، ثمَّ أدخل الكلية الإسلامية، فتلقَّى فيها دروسه على اختلاف أنواعها، وأخذ ينظم الشعر. ويتابع عمر فاخوري في تصديره يقول: “… وإنِّي لأتمثَّل الآن عمر حمد رحمه الله، واقفاً على المنبر، يتغنَّى بمجد العرب الغابرين ويندب سوء حالهم الحاضر، مستحثَّاً العزائم، مستفزَّاً الهمم، فأتمثَّل الحماسة متجسدة في ذلك الفتى الأسمر، الطويل القامة، الجهوري الصوت”.

وقد أتمَّ الشاعر دروسه في الكلية الإسلامية ونال شهادة البكالوريا في سنة 1912، “… ولم يترك المدرسة التي أنجبته وقضى فيها سني صباه العذبة، فقبلته معلِّمًا للعربية وتاريخ الإسلام في القسم الاستعدادي، وكان في الوقت نفسه يحرِّر في بعض الصحف المحلية”.

ويتابع فاخوري: “… ثمَّ نشبت الحرب العامة فحملته عاصفتها الهوجاء إلى دمشق ضابطًا احتياطيًّا، فمكث فيها نحو ثلاثة أشهر. وكان الطاغية جمال باشا قد بدأ بتنفيذ مشروعه الدموي الذي يرمي إلى القضاء على كلِّ نزعةٍ استقلالية في البلاد العربية قضاءً مبرمًا، وألقى القبض على نفرٍ من أبناء الوطن الأحرار وأودعهم سجن عاليه. وكان عبد الغني العريسي والأمير عارف الشهابي وعمر حمد رحمهم الله، متيقِّنين من أنَّ دورهم آتٍ لا بدَّ منه، ففرُّوا من دمشق في بدء سنة 1915، مرتَدِين ثياب البدو، سالكين سبل البادية العربية، وظلوا شريدين طريدين نحو ثمانية أشهر، حتَّى قبض الترك عليهم في مداين صالح، إذ أوشكوا أن ينجوا بأنفسهم ويبلغوا “أم القرى” مهد الثورة”..”وقضى (عمر) في سجن عاليه نحو أربعة أشهر معذَّبًا مضطهَدًا؛ ولكن نفسه الأبية لم تهن (…) ولا يزال من عرفه في ذلك الجحيم السياسي يذكر جرأته وصبره ورباطة جأشه وقوة إيمانه”.”وفي السادس من أيار سنة 1916 جيء بعمر ورفاقه إلى بيروت، ثمَّ قادتهم الزبانية إلى ساحة الشهداء، فمشوا يهتفون للعرب ولاستقلالهم، ويتغنَّون بأناشيد الحماسة. وفاضت روح المرحوم عمر حمد بين أرواح صحبه الطاهرة على أعواد المشانق، فكان ميتًا أبلغ منه حيًّا…”.

***

بقية أخبار الآل!

“وفي السادس من أيار سنة 1916 جيء بعمر ورفاقه إلى بيروت، ثمَّ قادتهم الزبانية إلى ساحة الشهداء، فمشوا يهتفون للعرب ولاستقلالهم، ويتغنَّون بأناشيد الحماسة. وفاضت روح المرحوم عمر حمد بين أرواح صحبه الطاهرة على أعواد المشانق، فكان ميتًا أبلغ منه حيًّا…”.وفي مطلع قصيدته “شكوى إلى النبي المُضَري” يقول الشهيد:

دَعْ ذِكْرَ “روما” فلا صَحْبٌ ولا آلُ

بها لنا، وبها لا يَنْعَمُ البالُ

وشُدَّ للشام ترحالاً وخُفَّ لها

فما لمثل ربوع الشام ترحالُ

لا خيرَ في بلدٍ عزَّ الصديقُ بهِ

وروضة من زهور الأهل مِمْحَالُ

ولا فَخارَ لمن في غير موطنه

والفخرُ في غيرِ رَبْعِ المرءِ إذلالُ


ويروي الحاج أحمد شقيق الشهيد أنه بعد وفاة والده اضطر إلى العمل في السوق، الأمر الذي جعله يبكي ابتغاء العودة إلى المدرسة. ولم تكن الحال لتسمح بمتابعة تعليمه، إلا أنَّ جمعية المقاصد منحته آنذاك إعانةً فدخل عمر مدرسة الشيخ عباس التي كانت تُعرف بالكلية الإسلامية، ودفعت الجمعية تكاليف العامين الدراسيين الأولين. و”في العام الثالث قدَّم الشيخ عباس نفسه إعانة عمر وقال: “عمر على كيسي”.. وفي العام الرابع أصبح تلميذًا داخليًّا، بعد أن خصَّص له الشيخ راتبًا لتعليم تلاميذ الابتدائية وفي القسم الداخلي ليلاً.نظم عمر الشعر في سنِّ الخامسة عشرة، فكان “لولب مدرسة الشيخ عباس” في الحفلات والمهرجانات. وكان بالنسبة إلى باقي الشعراء المعروفين صبيًّا.كانت الدولة التركية مؤلفةً من حزبي الاتحاد والإصلاح، وكان عمر ينتمي إلى الأخير. وحينما سقطت وزارة حزب الاتحاد وتسلم حزب الإصلاح الحكم نظم عمر قصيدة عنوانها “سقوط الظالمين” حيث قال في مطلعها:

ثَلُجَ القلبُ وقد كان ضراما
وزَهَا الكونُ وقد كان ظلاما
فابتهجْ يا شعبُ وافخرْ في الورى
ثغرك القاطب يفترُّ ابتساما

وقال في الاتحاديين:

فسلُوهم وهم في خطبهم

جرتم ظلمًا أيا قوم على ما

حسبوا الشعب نؤومًا خاملا

فاستباحوه ولم يرعوا الذِّماما

إنَّ للشعب زئيرًا عاصفًا

يشبه الليث إذا ودَّ اقتحاما

منعوا العرب من الحق وكم

أوسعوا بغداد ظلمًا والشآما

لغة القرآن ودُّوا محوها

ويلَ قومٍ أغضبوا البيت الحراما

قد دعوهم “اتحادًا” ليتهم

قد دعوهم انشقاقًا وانقساما

أثناء ذلك، اعتدى الطليان على مرفأ بيروت، وأقامت الحكومة مجلسًا عرفيًّا بالقشلة؛ فحكم على عمر غيابيًّا بالسجن سنتين بسبب هذه القصيدة. عندذاك، توسط مختار بيهم وأبو علي سلام لدى المجلس العرفي وطلبا إلى عمر تسليم نفسه. ولم يصدِّق أعضاء المجلس حينما رأوا عمرًا، واستبعدوا أن يكون هو ناظم القصيدة نظرًا لصغر سنِّه، فبادرهم بالقول إنه هو من نظمها. فقالوا إن كان ذلك صحيحًا فانظم لنا قصيدة أخرى حتى نتيقَّن، فطلب إمهاله ساعة، وأدخلوه غرفة وأعطوه ورقًا وقلمًا وطلبوا إليه أن ينظم قصيدة عن الطير. وعندما ناولهم ما نظمه عفوا عنه لصغر سنِّه..وشاءت الأقدار أن يسقط حزب الإصلاح عن الحكم قبيل الحرب العالمية الأولى، فتسنِّم السلطة حزب الاتحاد، وأنشأ مجلسًا عرفيًّا وطالب بتسليم أبناء المحمصاني والخليل وأمثالهم. وكان لعمر صديق في المجلس وعده بتسريب خبر إذا ما صدرت في حقه مذكرة. وقد صدرت المذكرة فأرسل إليه يقول له إنَّه مطلوب، فما كان منه إلا أن هرب إلى دمشق.

وفي اليوم التالي جاء رجال التحرِّي إلى البيت –على حدِّ ما يروي الحاج أحمد- “فأخذوا ثلاثة أكياسٍ جنفيص (أي الخيش) مملوءة كتبًا”، وسألوا أهله عنه فأجابوا إنه ذهب إلى الشام، إذ لم يكونوا على علمٍ بما يجري. وهكذا راحت عيون العسس تفتش عنه في دمشق وتقتحم النزل الذي يُفترض أنه فيه. وكان عمر قد خرج إلى السوق لشأن، فلمَّا عاد تنبَّه إلى وجود رجال التحرِّي عند باب النزل، فما كان منه إلا أن هرب والتجأ إلى جماعة من أهل بيروت يسكنون الشام، فمكث لديهم مختبئًا اثني عشر يومًا. وما لبث أن اصطحبه أناس وهرَّبوه مع زميل له هو عبد الغني العريسي، فراحا يتنقلان بين الضيع والمضارب في البادية متخفِّيين من عسكر العثمنلي، حتى وصلا إلى مداين صالح. وأخذا يتربَّصان أن يراهما من يعرفهما. وبحسب ما يروي الحاج أحمد فإنَّ “عبد الغني العريسي تكلَّم مع أحد أصحابه بالفرنسية، فظنَّهم الموجودون جواسيس فرنسيين فقُبِضَ عليهم، وعندئذٍ بدَّلوا لغة كلامهم. وصودف هناك وجود طبيب يُدعى أحمد حلمي، فأخرج من جيبه صورة وأنعم فيها النظر، ثمَّ نظر إلى العريسي فعرفه”. وهكذا قبض عليهما وأُخِذا مخفورين إلى سجن عاليه.

(*) الحلقة الثانية والثالثة من مدونة لمحمد أحمد شومان نشرها في صفحته الفايسبوكية، وسبق ان نشرنا الحلقة الأولى

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*