محطة انتظار


سمير عطاالله
النهار
18072018

آخر قمة في هلسنكي كانت بين رئيس أميركي ضعيف وزعيم سوفياتي عاجز. ولم تؤد “اتفاقات” 1975 إلى شيء، وكل ما ورد في “الاتفاقات” تحوّل إلى تزايد في صراع القطبين، بدءاً من حرب لبنان، الذي ارسلت إليه واشنطن جنرالاً من قدامى فيتنام، فيما كان سفير موسكو من قدامى الكي. جي. بي.

قمة أمس الأول لم تكن بين دولتين قطبين بل بين زعيمين، لا يمثل أي منهما أي حرصٍ على النظام العالمي الذي بدأ العام 1945 وانتهى العام 1988 تحت عنوان “الحرب الباردة”. لا دونالد ترامب يمثل “العالم الحر” ولا فلاديمير بوتين يمثل “الستار الحديدي”. ولا عاد وارداً تقسيم العالم الى رأسمالي أو اشتراكي أو شيوعي. فلا ترامب يمثل الديموقراطية بأي من قيمها المألوفة، ولا بوتين يمثل عراقتها. كلاهما يمثل ظاهرة لم نعرفها من مظاهر القوة والضعف والصداقة والعداء. وعلى نحو ما، يبدو الأميركي هذه المرة، الأقل احتراماً للسلوك الديموقراطي، لكثرة ما امتلأ به بيته الأبيض من إقالات واستقالات وصرف عاصف. وقد عهد العالم، على الأقل منذ 1945، أن يكون وزير الخارجية الاميركي، الرجل الثالث في الإدارة، يمثل لدى العالم السياسة الخارجية للرئيس، ويحاسب عليها في الداخل. أما الوزير الأول في ادارة ترامب فهو “تويتر”، ووزارة الخارجية تبدو بلا عمل أساسي. وقد عرف وزيره السابق بصرفه من نشرات الأخبار، فيما لا يزال سيرغي لافروف يمثل سياسة بوتين منذ العام 2004 . الوجه المتجمد الشمالي.

يُعرف البرلمان الروسي، ايضاً بـ”البيت الأبيض”. وبكل “ديموقراطية” طلب بوتين من “الدوما”، السماح له بخوض الحرب في سوريا، مثله مثل مجلس العموم، أو البوندستاغ. يومياً يعطي ترامب الانطباع تلو الآخر أنه معادٍ للكونغرس وكاره للصحافة. ولا يستهويه من الآراء إلا مشورة جون بولتون الذي على يمينه.

لم يعد ضروريا ان تقرأ افيريل هاريمان و والتر ليبمان وجورج اف. كنان لكي تفهم سياسة اميركا. ولا طبعا الكسي دو توكفيل، الفرنسي الشاب الذي كان أول من فسر اختلاف “العالم الاميركي” الناشىء، عن جذوره القديمة في أوروبا.

عليك الآن أن تقرأ سطرين في “تويتر”. أحياناً بخطأ املائي. لاعبان: واحد مصارعة حرة، لا يثق مشاهدوه بمدى صموده، وواحد “جودو” على حزام أسود على حزام أبيض، على بكرة وخيطان!

تعقد القمم الفاصلة في ترسيم الدنيا، ونحن على الحضيض. لا نعرف مَن معنا، ولا نعرف مَن ضدنا، وخصوصاً لا نعرف نحن مع مَن. وقفنا مع هتلر ظناً منا أننا مع المانيا ضد الاستعمار الانكليزي. فكان اننا وقفنا – بكل ذكاء ودهاء وأفك – مع النازية ضد موسكو. وعندما وقفت موسكو في الصف الأول من المعترفين باسرائيل، ما كان منا إلا أن غنينا موّالي عتابا، وثلاثة أبو الزلف، ومَناح بغدادي.

ما هي “صفقة القرن” التي نتحدث عنها منذ أشهر من دون أن نعرف اي قرن وأي صفقة؟ كل ما نعرفه أن صاحب “العرض” شاب علاقته بالتاريخ بدأت مع وصول حميه الى أهم منصب على ظهر هذا الكوكب السيار – دائماً على غير هدى. تابعنا، في هذه المهنة، أحوال الأرض، استناداً إلى صفحاتها السابقة: مبدأ ولسون. مبدأ ايزنهاور. مبدأ كارتر. مبدأ من يلي. عشية قمته مع بوتين، أنّب ترامب المانيا مرة أخرى، وطالب بكشف حساب لعضوية الاطلسي، وصوَّر “العالم الحر” برمّته امام نده في الساحة الحمراء، بأنه زمن ينتظر تحديد ساعة الوفاة.

ولكن من ناحية أخرى يحقق هذا السياسي، المعتمد فقط على “تويتر”، اصابات كثيرة في موندياله الذي لا قواعد له، ولا شروط ولا مبادىء. صحيح أنه من “فاول” إلى آخر، وفق العرف الدولي، لكنه أيضاً هدّاف من “أوف سايد” إلى آخر. ها هو الرفيق كيم في كوريا الشمالية يرمي منظاره الحربي الشهير تحت الطريق، يقلص ضحكته المربعة، ويبدأ تفكيك ازراره العسكرية. لقد عبر المنطقة المنزوعة السلاح للمرة الأولى منذ ايام جده كيم الأول. وذلك اول ارنب ينتزعه “الدونالد” من تحت كمه.

وفي الداخل الاميركي تلطم النخبة وجود رئيس لا يقرأ إلا “تويتر”، لكن العامة تصفق لسوق الأسهم واغلاق الحدود وإهانة الحلفاء. يقابله في ذلك أن فلاديمير بوتين هو أول رئيس في تاريخ روسيا يستقبل حاكم اسرائيل 12 مرة في عامين، فيما وقفت موسكو السوفياتية على حافة سحب الاعتراف بها. أول مرة لتل ابيب صديق روسي أيضاً.

العالم، بين رجلين، لا دولتين قطبين. وعلى نحو ما، هو أيضاً عالم رأسمالي واحد غابت عنه تسمية الاشتراكية والشيوعية. من كوبا الى الفيتنام، إلى الصين، لا يؤتى على ذكر لينين إلا كما يؤتى على ذكر افكار حمورابي: وصايا للحفظ والمقارنة.

قطبان، بلا ايديولوجيات. الأول، كتابه الوحيد “فن الصفقة”، والثاني، ضابط سابق يؤمن – ويتصرف – ان الحسم الوحيد عسكري. والخريطة التي بين يديه دبابيس حمراء على مداها، فلا نعرف حقاً كيف قرأها الرجلان في أخطر خلوة بين زعيمين أميركي وروسي منذ يالطا.

والجزء المتعلق بنا من الخريطة أمامهما، كان على الحضيض: في العراق انتخابات ولا حكومة، اقتراع ولا حسم. وفي سوريا، سباق بين باقي المصائب، من الشمال الى الجنوب. والخليج ينتظر ليعرف حقيقة موقف بوتين من ايران، وهل هو قابل للمقايضة، وأين؟ طبعاً ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً. لكن قدر الضعيف ان ينتظر قرارات القوي. فهل نبدأ الانتظار منذ اليوم؟

لا حاجة الى أن يقال لنا إن أهم قضيتين على الطاولة كانتا القدس واخراج ايران من جنوب سوريا. أو من سوريا برمّتها. كل ما يمكن قوله إن القوى الكبرى، والآن المتوسطة ايضاً، ترسم مستقبلها ونحن نغني لماضينا. بياع المفاتيح هذه المرة كان الروسي: مفتاح ايران حمله علي أكبر ولايتي. ومفتاح تركيا في جيبه أصلاً. ومفتاح سوريا في ضمانته. ومفتاح العراق بلا “مسكة”. انتخاب وانتحاب، واقتراع واستقراع.

لم يعرف العالم الحديث رئيسين عصيين على القراءة كما مع رجل جاء من خارج السياسة، وآخر ولد في رحم الايديولوجيات والاحزاب، ونشأ في المانيا الشرقية، مركز الحرب الباردة. لذلك عبرت كوندوليزا رايس، مستشارة أوباما للأمن القومي، عشية القمة، عن خوفها مما يحدث: رئيس لا خبرة له، في غرفة مغلقة مع داهية روسي، “تنقل في التحولات من شيوعي سوفياتي الى متعبد في شفاعة قديسي الروسيا واولياء الأرثوذكسية”. كانت رايس تقصد طبعاً، أن يقدم ترامب التنازلات، في قاعة بلا شهود. وهو في اي حال، لم يترك اطراء للروس إلا وقدمه في الطريق الى هلسنكي، في حين لم يترك حليفاً إلا ووجه إليه الإهانة، أو طالبه بكشف الحساب. لكن بعيداً عن انضباط العقيد بوتين وصخب نده الاميركي، كانت تلك اخطر قمة في عالم لا يزال رهينة التقاسم العالمي القديم. فلا الصين، ولا الهند، ولا اوروبا تملك اي حصة في قرارات القطبين، والرئيس الاميركي يخاطب الصين وحلف شمال الاطلسي وكأنهما متسللان من المكسيك، لا حياة لهما إلّا في رضا أميركا.

الظاهرة التي لا سابقة لها، مستمرة. من المبكر أن نتكهن أو أن نحلل مشروع ترامب أو رؤيته، حتى بعد قمة هلسنكي. والسبب بسيط: لا رؤية حاسمة لدى الرجل. ولديه منطق واحد هو منطق القوة، وقد نجح حتى الآن في تخويف الحلفاء والأعداء على السواء. وللمرة الأولى تطلب ايران الوساطة من الوكيل الروسي بدل أن تمضي في تهديد الشيطان الأكبر، باغلاق المضائق واغراقه في المحيطات.

ماذا ننتظر؟ تعودنا مع العمر وسنوات الشرق الأوسط، أن ننتظر فقط الانتظار. حاول أن تلقي نظرة اخرى على الخريطة: سوريا، العراق، فلسطين، اليمن، سيناء، لبنان، ليبيا، وما يليها، مجرد محطة انتظار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*