محسن ابراهيم اليساري الأخير؟… منظمة العمل الشيوعي تتجدد بالخيار الاشتراكي

مرّت ذكرى استشهاد كمال جنبلاط الـ42، من دون أن يتمكن الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم من الحضور إلى المختارة ويضع وردة على ضريح الشهيد. هي المرة الأولى التي لا يخرج فيها اليساري اللبناني الذي قرر التوغل أكثر في يساريته هوية لا يحيد عنها فكرياً وسياسياً واجتماعياً وينطلق منها نحو تجديد المنظمة بالعباءة الاشتراكية الأرحب والاوسع، لا يخرج إلى استذكار الرفيق كمال قائد الحركة الوطنية اللبنانية خلال الحرب الأهلية 1975.

لأسباب قاهرة وبعضها صحي لم يخرج محسن ابراهيم ايضاً لإعلان إعادة إطلاق منظمة العمل الشيوعي، وهو الذي اختار الإنكفاء بدلاً من السعي إلى الالتحاق تحت سلطة الوصاية السورية منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي، على رغم إدلائه بمواقف سياسية في منعطفات مختلفة كان يمر بها البلد. لذا وهو يقود تجديد منظمة العمل الشيوعي اختار أن يكون خلف الستارة، وفي جعبته الكثير لقوله في الحياة السياسية اللبنانية وفي الوضع العربي وفي البرنامج الفكري وماركسيته التي يريدها اليوم إحدى روافد يساريته من الفضاء الاشتراكي، وبذلك هو يحسم في انتمائه الفكري بدل أن يبقى اسيراً لتحجر إيديولوجي لم يستطع الإجابة عن تساؤلات الإخفاق وما حلّ بالماركسيين اللينينيين منذ انهيار الاتحاد السوفياتي إلى اليوم.

يعي محسن ابراهيم أن إعادة إطلاق المنظمة وهو أمينها العام مجدداً، ليس مسالة سهلة بعد الإنكفاء الذي كلّف الكثير في بلد توغلت فيه الاصطفافات الطائفية، ووصل إلى ذروة أزمته بحيث أن التغيير بات مسالة صعبة، فهل كان الإنكفاء محطة اضطرارية؟ لا جواب حاسم على أمر من هذا النوع، طالما أن الحزب الشيوعي مثلاً لم يستطع الإجابة عن أسئلة وجوده ولم يتمكن من معالجة ازماته ولا النهوض إلى رحاب جديد، فباتت يساريته موضع تساؤل في مناخ عام لا يسمح إلا بالالتحاق أو بالإنكفاء نحو المراجعة وإعادة بناء موقع مستقل في البلد.

لا يكترث محسن ابراهيم لما يقال عن تأثيره السياسي اليوم وموقع منظمة العمل الشيوعي، وهو الذي كان من موقعه في الحركة الوطنية وموقعه السياسي العام في البلد مقرراً في مسارات كثيرة، ويعي أن نهوض اليسار يسير متلازماً مع بناء حاضنة شعبية مستقلة، وهو في ذلك يستطيع أن يسير في مسار النقد فلا يتردد مثلاً في الإعلان عن نقده لموقف المنظمة من الحرب الأهلية اللبنانية، وهو الذي اعترف ان الانحياز إلى القضية الفلسطينية حمّل البلد أعباء كبيرة، وهو اليوم يدعو اليسار إلى الخروج من حالة الجمود التي تأسره، وإعادة تصويب ممارساته من زاوية جديدة استقلالية وواضحة وشفافة.

الثبات في موقع اليسار، والدفاع عن ضرورته اللبنانية، هو ما أراده محسن ابراهيم في إعادة إطلاق منظمة العمل الشيوعي، وهي التي ترى اليوم أن شعار الغاء الطائفية السياسية بات قاصراً عن فتح أفاق معركة التحديث الديموقراطي ووضع البلد على طريق الإصلاح، فيما العلمانية تبقى المعركة التي تفتح الأفق أمام إمكانية تجاوز البلد لأزماته وتحرره من أسر الطائفية وتضعه على طريق التقدم والحداثة.

قبل أكثر من شهرين أطلقت المنظمة وثيقتها السياسية الجديدة والتي طرحت فيها تجديد اليسار على اسس مختلفة، وإن كان إطلاقها لم يخرج محسن ابراهيم إلى العلن. في السياسة مثلاً توقفت المنظمة أمام معضلة دور حزب الله وسلاحه، وفرض سياساته وتكريس هيمنته وجعلها أمراً واقعاً، وهو ما يتناقض مع الدولة. وهذا الموقف لتنظيم يساري يعتبر جديداً في هذا المناخ العام، وفي المقابل لم تتوان عن ادانة السياسة الأميركية وتلاعبها بالمنطقة. أما البارز، إلى مبادرتها لتجديد اليسار اللبناني، فهو إعادة النظر بالهوية الفكرية للمنظمة والأسم الجديد الذي يجب أن تحمله مستقبلاً. الأساس في هذه الهوية الفكرية أنها لم تعد تلتزم الماركسية اللينينية حرفياً، مجددة انتسابها إلى الإشتراكية، وهي التي تعيد الاعتبار للأصل الرحب، المتنوع والخصب للخيار الإشتراكي ، ما يعني أنها أجنحة وتيارات واجتهادات ومواقف وخيارات. لذا لم يعد الإسم متوافقاً مع الهوية الفكرية الجديدة، والذي يجب أن يتوافق مع مبادىء الإنتماء إلى اليسار والديموقراطية والعلمانية.

وأياً يكن الإسم الذي ستختاره منظمة العمل الشيوعي لهويتها الجديدة في مؤتمرها المقبل، فإن محسن ابراهيم يكون قد أنجز مهمة صعبة في مسار التجديد، من دون أن يتهمه أحد بأنه تخلى عن عباءته اليسارية، فالتجديد ضرورة بعد انكفاء اضطراري قد يبرره كثيرون على رغم تفرّق الرفاق وانفراط عقد بعضهم وتوزعهم في مشارب مختلفة، وهذا الإنكفاء عن الممارسة السياسية العلنية منذ أواخر تسعينات القرن الماضي كان سببه الأول تحكّم سلطة الوصاية السورية وتكريس هيمنتها على مفاصل الحياة السياسية اللبنانية التي فقدت الحد الأدنى من استقلاليتها، في ظل ممارسة سياسات الإلحاق لمختلف قوى الاعتراض الديموقراطي، والتطييف والمحاصصة لكل المؤسسات النقابية والمجتمعية التي كانت تمثل المساحات المشتركة بين اللبنانيين، ما جعل الحياة السياسية محصورة بالقوى الطائفية المشاركة في الحكم او المعترضة عليه والمتضررة منه. لكن لا أحد يستطيع القول أن محسن ابراهيم من موقعه المستقل كان ملتحقاً بأحد أو مستشاراً لأحد، وإن كان في القضية الفلسطينية له دوره وموقعه التاريخي ومكانته واستشرافه، على رغم النكسات والاخفاقات والتحولات التي حلّت بالفلسطينيين وقيادتهم.

الغياب الاضطراري عن الساحة السياسية في السنوات الماضية، لا يعني انتهاء الدور، فها هي المنظمة تؤسس من جديد على الأرض وفي الحراك النقابي والشعبي وفي الانتخابات، وهي بقيادة محسن ابراهيم لا تتنكر لتاريخها، في اطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي ودورها فيها، وإن كان ما يجري بإسم المقاومة إساءة لها، خصوصاً بعد انكفاء اليسار عموماً ومن ضمنه الحزب الشيوعي اللبناني.

يبقى إسم محسن ابراهيم ملازماً لمنظمة العمل الشيوعي، ويستشرف الإسم الجديد الذي سيهيئه للمرحلة المقبلة، وهو في المقابل يتوجه الى الطرف الآخر في اليسار أي الحزب الشيوعي من أجل التجديد والتوجه نحو التاسيس في شكل مستقل، علماً أن المهمة صعبة في ضوء ما حل بالوضع اللبناني عامة من هيمنات واصطفافات. لكن إسم محسن ابراهيم اليساري لا يتغير منذ التأسيس في 1971، والانتقال في الهوية الفكرية من حركة القوميين العرب الى منظمة الاشتراكيين اللبنانيين فمنظمة العمل الشيوعي. ومع الهوية الفكرية الجديدة يستمر محسن ابراهيم في خياره حتى يمكن وصفه باليساري الاخير…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*