الرئيسية / home slide / محاذير الفوضى… بصورة المشهد القاتم الآتي

محاذير الفوضى… بصورة المشهد القاتم الآتي

04-12-2020 | 20:01 المصدر: “النهار”

مجد بو مجاهد

علم لبنان (أرشيفية – رويترز)

لا جديد في العبارات المنتقاة في التعبير عن الواقع المأسوي الذي وصلت إليه البلاد وسط مراوحة قاتلة وامتناع الطبقة السياسية اللبنانية عن تشكيل حكومة قادرة تباشر في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة. توصيف الوضع يعبّر فقط عن انتقال من درجة سفلى إلى دركٍ أسفل في مسار لبنان ومصيره. ويبقى الحديث عن فوضى ومحاذير أمنية مرتبطة بالمشهد الاجتماعي والاقتصادي، هو الموضوع الأكثر إثارة للقلق والمخاوف في الأوساط اللبنانية. 
ترتبط المؤشرات الأمنية المقلقة بأكثر من وجه ومقلب بدءاً من مظاهر السرقة والجرائم. وبعد استطلاع الأرقام التي نُشرت في مرحلة ما بين بداية عام 2020 وشهر تموز من العام نفسه، مقارنة مع المرحلة الزمنية نفسها من العام 2019؛ صدرت حديثاً أرقام جديدة تناولت الأشهر الـ10 الأولى من سنة 2020 (حتى تشرين الأول) مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2019. وبحسب أرقام “الدولية للمعلومات”، ارتفع صافي عدد السيارات المسروقة منذ بداية العام وحتى نهاية تشرين الأول 2020 بنسبة 122.8%، مقارنةً بالفترة ذاتها من سنة 2019. وارتفعت حوادث السرقة بنسبة 56.3%، وارتفع عدد القتلى بنسبة 103.3% مقارنة بالفترة ذاتها من 2019. 
من جهة ثانية، يتناقل في المجالس هواجس ومحاذير ذات بعد سياسي مرتبطة بالوضع الأمني، حيث يردّد سياسيون أنّ المرحلة الحالية في لبنان تذكّر كثيراً بتلك التي سبقت شرارة الحرب الأهلية سنة 1975. يضاف إلى ذلك الوضع الضبابي المستمرّ على الحدود الجنوبية. ولا يغيب عن المشهد التوترات الأمنية بين العشائر اللبنانية التي تشهدها المناطق البقاعية. 
وإذا كانت تعدّدت أشكال المحاذير المنذرة بفوضى مجتمعية بدأت تلوح مظاهرها في الأفق، إلّا أن الحكام والمسؤولين في لبنان يتعاملون وكأّن “الدنيا ربيع” ولا حاجة إلى حكومة أصبحت راهناً من الاهتمامات الثانوية. بحسب معلومات “النهار”، وفي حلقة نقاش دارت بين عدد من مستثمرين أجانب ورجال أعمال لبنانيين قبل أيام، كان التعجّب سيّد الموقف على وجوه المستثمرين وفي أسئلتهم التي تناولت واقع استعصاء ولادة حكومة في لبنان، رغم كلّ الظروف القاهرة والأوضاع المصيرية التي وصلت إليها البلاد. وعبّر هؤلاء عن حالة نادرة لم يسبق أن حصلت في أي دولة ذات مقوّمات في العالم، رغم أنّ العديد من الدول تشهد نوعاً من “الكربجة” في نظامها السياسي لكن الأمور لم تصل يوماً إلى هذا الحدّ من الاستعصاء في ولادة الحكومات وسط تحدٍّ مصيريّ يطاول وجوديّة الدولة. 
في سياق آخر، وفي معطيات تنقلها مصادر مصرفية رفيعة لـ”النهار”، يتأكّد أن التطمينات التي يحاول بعض المسؤولين السياسيين والماليين ضخّها في نفوس المواطنين غير صائبة وغير صحيحة ولا يمكن التعويل عليها لأنّ الوضع المالي يتّجه إلى مزيد من التدهور، ولا يبدو أنّ المسؤولين يدركون أنّ الوقت ليس من مصلحة لبنان. قبل سنة، كان الاحتياطي الإلزامي في المصرف المركزي يبلغ 30 مليار دولار وأصبح يقارب اليوم الـ17 ملياراً. وتتعدّى خطورة الإنفاق من الاحتياطي الإلزامي المتبقّي إهدار ما تبقى من أموال المودعين، وتصل إلى حدود استنزاف جميع الأموال في غضون سنة والنهاية الكاملة للدولة وعدم قدرة لبنان على شراء كيس طحين واحد بعد ذلك. ويبدو أن المسؤولين – وحتى المواطنين – لا يتداركون معنى أن يصل الوضع المالي في البلاد إلى هذا المستوى ولا أحد يقدّر العواقب، وليس الجميع على دراية فعلية بما يحمله مشهد المرحلة المقبلة، والذي تعبّر عنه المصادر في إشارتها إلى أن استمرار الواقع الحالي سيؤدي تدريجاً إلى ارتفاع سعر الصرف إلى حدود 20 ألف ليرة، وهي ليست مجرّد عبارة واردة على ألسنة الناس الذين منهم يتداولونها على الطريقة الشعبية أو على سبيل المزاح. 
ارتفاع سعر الصرف مجدّداً بعد استقراره في المرحلة الأخيرة على عتبة 8000 ليرة يعني انعدام كلّ مظاهر العيش. يرى الخبراء الماليون هذا المشهد مرسوماً أمام أعينهم في لبنان قريباً، تحت عنوان أن “ما حصل من انهيار تدريجي في الأشهر الماضية ليس بشيء مقارنة مع الآتي” في ظلّ انعدام إحساس الطبقة السياسية بالمسؤولية واستمرار عرقلتها تنفيذ الإصلاحات وتشكيل حكومة. وتحذّر المصادر من أنّ تشكيل حكومة بعد فوات الأوان لن يؤدي إلى أي نتيجة على اختلاف نوعها وشكلها ووزرائها، باعتبار أن ما كان يمكن تحقيقه قبل سنة من اليوم أصبح في حكم المستحيل الآن… وما يمكن تحسينه اليوم لا قدرة للبنان على معالجته غداً. 
من هنا يبرز الحديث عن كيفية تعامل الشارع اللبناني مع واقع المراوحة و”التّمسحة” المسيطرة على حكّام لبنان ومسؤوليه، ومدى الرهان على إمكان عودة الناس إلى الشارع والانتفاض على واقعهم المأسوي مجدداً وإعادة إطلاق شرارة انتفاضة جديدة تشبه تاريخ 17 تشرين، قبل أن يفوت الأوان ويتحوّل الواقع من فقر إلى بؤس، ومن قلّة إلى مجاعة، خصوصاً أن رفع الدعم أو استمراره مسألة ستؤدي عملياً إلى نتيجة واحدة وسترفع سعر الصرف بسبب إقبال التجار على شراء الدولار من الصرافين. وترى المصادر المصرفية هنا أنّ الطبقة الفقيرة ليست وحدها من ستعاني من الخسارة الكبرى بسبب الواقع القائم، لكنّ الضرر الأكبر ستتحمله ما تسمى بالطبقة الوسطى، في وقت بدأت فيه مظاهر التسوّل تزداد في الشوارع، ويلاحَظ أن نوعية المتسوّلين بدأت تتغيّر لتشمل مواطنين لبنانيين بثياب مرتّبة يبحثون عن تأمين شراء دواء أو إيجار منزل. 
majed.boumoujahed@annahar.com.lb