“مجهول- معلوم” يتهددنا !

قد تكون الابعاد الاكثر خطورة في الازمة المالية والاقتصادية انها بدأت تتجاوز بأشواط حسابات الطاقم السياسي اللبناني المقيم على ادارتها بمعايير تقليدية صادمة . نعني بذلك ان الذين تنبهوا الى تداعيات الازمة على الواقع الحكومي تأخروا كثيرا في هذا “الاكتشاف” الإبداعي أولا ولم يبلغوا تاليا المرتبة الثانية بعد في الادراك ان مجمل التسوية الرئاسية التي قام عليها الحكم والسلطة مهددة بالانفراط في اقرب مما يتصورون. ولكن بصراحة تامة ايضا فان الذين عارضوا هذه التسوية من اصلها والذين تثبت مسلسلات الازمات المتعاقبة كم كانوا محقين لا يملكون هم ايضا البديل الناجز راهنا ولا القدرة السياسية الواقعية على اجتناب الانهيارات المحدقة بلبنان. بذلك سيبقى السلاح الأمضى في يد اهل التسوية بتعميم الانطباعات بان استقرار الحدود القصوى الذي ساد منذ ثلاث سنوات بات خطا أحمر لا يمكن المس به تحت وطأة الذهاب الى مجهول مخيف في حال انهيار هذا الستاتيكو . سيطيب هذا الشعار للبنانيين لانه مشابه تماما لشعار الاحتماء من الأسوأ في حالة الانهيار المالي والاقتصادي بما يجعلهم يقبلون بأي إجراءات استباقية في الواقع المالي والاقتصادي العام تجنبا للضربات الاقصى . ولكن السؤال الكبير الذي يرتسم في هذه اللحظة تحديدا يتصل بما اذا كانت التسوية التي اوصلت الرئيس العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة ستبقى قادرة على التنفس الاصطناعي في مطالع سنته الرئاسية الرابعة التي ستبدأ في تشرين الثاني المقبل . لا يحتاج الامر الى عناء كبير لابراز معالم الشيخوخة والتآكل والتهاوي التي اصابت تباعا هذه التسوية من خلال زواج متعدد العرابين بدأ طوعيا على اساس تقاطعات مصلحية لمختلف افرقائه وأطرافه وشركائه وتتهدده الان تداعيات ثلاثة أعوام من تعايش تحولت يومياته الى مماحكات ومعارك علنية وضمنية وهدنات وطلعات ونزلات افضت في خلاصاتها الى واقع للتسوية ومعها لبنان بأسره قد يكون الاشد خطورة وتأزما واثارة للخوف على النظام برمته منذ بدأ تطبيق اتفاق الطائف وليس اقل من ذلك ابدا . غير ان العقبة الكأداء التي تبرز على الضفة الاخرى تتمثل في انعدام جدوى اي موقف اعتراضي او معارض او رافض لهذه التسوية بكل معالمها وتراكماتها في تبديل الخط البياني لمسار التأزم الآخذ بالتضخم لان لا هيكلية قائمة وجاهزة ومؤهلة بعد لتجسيد معارضة في حجم القوى المنخرطة في التسوية والتي لا تبدو مستعدة لاي تغيير سياسي جذري على رغم اقتراب الواقع السياسي والحكومي من البقعة الحمراء المنذرة بمجهول حقيقي . بذلك ستكون التسوية على صورة البلاد لدى احياء الذكرى الثالثة لانتخاب الرئيس عون مشطورة بين نصفين يتنازعهما المجهول : نصف تمسك به او تزعم الامساك بالأحرى طبقة رسمية وسياسية تعاني تراكمات العجز والفشل والتآكل الخيالي والتراجعات المنذرة بانهيارات لا تتوقف . ونصف افتراضي لمعارضة كان يجب ان تكون اقوى المعارضات التي عرفها لبنان في تاريخه نظرا لضخامة الاخطار التي تحاصره فاذا بها لا تزال اشبه بالثرثرة العارمة والغرغرة الكلامية الغالب عليها طابع الشتيمة الفارغة و”فش الخلق” عبر وسائل التواصل الاجتماعي . فأين المفر من المجهول الآتي ؟

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*