الرئيسية / home slide / مجلّة “غاليري” الفنّيّة تكرّس ملفّها لبيروت تحت الريشة خلال مئة عام باعتبارها ضرورةً وجوديّةً وثقافيّةً وإنسانيّة مطلقة

مجلّة “غاليري” الفنّيّة تكرّس ملفّها لبيروت تحت الريشة خلال مئة عام باعتبارها ضرورةً وجوديّةً وثقافيّةً وإنسانيّة مطلقة

14-01-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

Bookmark
أضف للمفضلة
مجلّة “غاليري” الفنّية.

رمزي الحافظ وعقل العويط

الموضوع: #بيروت تحت الريشة خلال مئة عام. باعتبارها مدينةً. باعتبارها عاصمةً للجمهوريّة اللبنانيّة. وباعتبارها ضرورةً مطلقةً، حضاريّة وثقافيّة وإنسانيّة و… عربيّة، في كلّ زمانٍ وحال، وأوّلًا وثانيًا وثالثًا وأخيرًا. أمّا المناسبة المباشرة لهذا الكلام فصدور العدد الجديد من مجلّة “غاليري” الفنّيّة الفصليّة، التي تحتفي نسختها الراهنة، غلافًا وملفًّا، بـ”بيروت تحت الريشة خلال مئة عام”، كموضوع للإلهام الفنّيّ، وبالأعمال التشكيليّة التي استثارها ما آل إليه تفجير المرفأ وتخريب العيش المدينيّ، فتطرّقت لوحات فنّانيها، مقاربةً وتأمّلًا وتأويلًا وتكريمًا، إلى المكان البيروتيّ، فضائه، روحه، بيوته، أشجاره، شوارعه، وناسه، فضلًا عن معناه، ومغزاه، ودلالته، ورحابته الروحيّة الاستثنائيّة.

في العدد الأخير لمجلة “غاليري”، التي يرأسها ويديرها الأستاذ رمزي الحافظ، وعلى غلافها، مدينة بيروت كما رآها وشعر بها ومن ثم رسمها الفنانون التشكيليون منذ مئة سنة الى هذه الأيام، إذ بها تحتفل بمئوية الفن في هذه العاصمة. اللوحات المنشورة في العدد هي بانوراما، وميناء، ومدينة، وساحل، ومناطق محيطة، وناسها، أي كامل المدينة. لكأنه معرض استعادي ضخم في متحف كبير، يبرز القدر الهائل من اللوحات للعاصمة مما أنتجه الرسامون اللبنانيون والأجانب المقيمون، والتي تعتبر أساسية لفهم التغيرات التاريخية والمعمارية والثقافية في المدينة.

في العدد لوحاتٌ لكلٍّ من أيمن بعلبكي، داود القرم، حسن جوني، أمين الباشا، منى باسيلي صحناوي، محمد الروّاس، عمر الأنسي، أسامة بعلبكي، أولغا ليمانسكي، سيتا مانوكيان، سعدي سينوي، زينة عاصي، ونيفين مطر.

نرى بدايات رسم بيروت على ايدي فنانين مقيمين فيها في بدايات القرن العشرين بعد انقطاع الرحالة والمستشرقين الذين صوّروا بيروت كمدينة ساحلية هادئة في القرن التاسع عشر، حين بدت لهم هذه المدينة ناضجة بالألوان وأكثر كثافة بالسكان، مكونة من طبقات لا حصر لها لتفكيكها، ابرزوا خلال اعمالهم نمو المدينة وتطورها. لقد تحولت بيروت من قرية حجريّة مربّعة بدقة، في المقام الأول محصورة في المنطقة المحيطة بالميناء، إلى مدينة نابضة بالحياة تتسلق التلال المحيطة.

مع تشابك الأحياء، والتخطيط الحضري المنفصل عن مكونات المدينة، والتنوع الاجتماعي، والمشهد الثقافي النابض بالحياة، كانت بيروت خلفية لعدد لا يحصى من اللوحات التشكيلية. في أيدي فنانيها، أصبحت بيروت مفهومًا قيد التبلور، يعاد تشكيله وصياغته. مع كل هذه التصورات المختلفة، من الواضح أن الثابت الوحيد في بيروت هو التنوع المطعّم بكثير من التناقض.

كان داود القرم (1852-1930) أول رسام لبناني تلقى تدريبًا أكاديميًا، وأحد الشخصيات البارزة التي مهدت الطريق للفن اللبناني الحديث. اشتهر في المقام الأول في بيروت بعمله في فن البورتريه وكان ايضاً اول من دأب على رسم بيوت واحياء لبيروت، لكن أثر معظمها اندثرمع الوقت. رسوماته لبيروت تستعيد اسلوب المستشرقين الذين سبقوه، المدينة الخضراء والهادئة، وبيوتها الجذابة ذات القرميد الأحمر، الواقعة بين بساتين غنية بالأشجار، وتمكن رؤية من مسافة بعيدة الجبال الناعمة والخالية من أي عمارة. 


(داود القرم) تبعه عمر الأنسي (1901-1969) الذي كان معاصراً له والذي ترك وراءه العديد من المناظر الطبيعية لبيروت. انطباعات الأنسي عن المدينة خصبة وخضراء، كاشفة عن التطور الحضري في عصره. تم تصوير المباني والحدائق في اسلوب يتسم بالنعومة. وعوضاً عن الألوان الحمراء النابضة بالحياة الموجودة في أعمال قرم، لجأ الأنسي الى اللون الأزرق والأخضر، وبضربات فرشاة أكثر وضوحًا. ينطبق هذا أيضًا على أعمال مصطفى فروخ (1901-1957)، الذي يومئ بعض اعماله إلى تفاصيل الحياة الحضارية، فالمعالم المعمارية بارزة، ويبدو في لوحاته أن المدينة أكثر تطوراً. يضم فروخ في اعماله المزيد من المباني، لكنه يوفر أيضًا مساحة للبحر والجبال المحيطة، معترفاً بوضع بيروت كمدينة ساحلية مهمة، تستدعي التنوع الجغرافي الذي يؤكده لبنان بفخر، باعتباره أحد أعظم أصوله. كما أنتج سعدي سينوي (1902-1987) لوحات عديدة لبيروت في أوائل القرن العشرين حتى منتصفه. يُظهر جمالية أخف بكثير من معاصريه، مع التركيز على الهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية. تبدو بيروت بين يديه ناعمة ومضيئة بمنازل حجرية مريحة، ومرة أخرى، بعدد ملحوظ من الحدائق والمساحات الخضراء. جرّب سينوي تركيبات وأساليب مختلفة، لكن وجهات نظره حول بيروت تظهر جميعها اهتمامًا بالعلاقة بين الجوانب المعمارية والطبيعة، المرسومة بأسلوب رمزي دافئ. 

(عمر الأنسي) 

(سعدي سينوي)  في منتصف القرن، مع حصول لبنان على استقلاله، حدث التطور الحضري والتطور المعماري في بيروت وفسح المجال لمدينة اصبحت صاخبة تعج بالشوارع المزدحمة والمباني العالية. في رسوماتها، تذكّرنا مدينة سيتا مانوكيان (من مواليد 1945) المتقنة ذات الشوارع المضطربة بطبيعتها الفوضوية وحشود مجهولة الوجوه. تؤكد السيارات والمارة والمباني المكتظة في اعمالها، هذه الضجة اليومية. ومع تحول بيروت إلى مركز حضري، شهدت المدينة ارتفاعًا سريعًا في عدد السكان. يمكن رؤية ذلك أيضًا من خلال عيون محمد الرواس (من مواليد 1951)، حيث شوارع بيروت عبارة عن خليط من المباني المتشابكة والأشخاص والأحجار المرصوفة بالحصى. يتم إبراز الفوضى المتنافرة من خلال الطريق المتعرج قطريًا والمنظور الملتوي. 

(سيتا مانوكيان) خلال الحرب الأهلية وبعدها، كان كلٌّ من نوع الرسم ومدينة بيروت يشهدان تحولات. كان أمين الباشا (1932-2019) أحد الفنانين الذين لفتوا الانتباه بتركيباته ذات المناظر الطبيعية الملونة. بيروت الباشا نائمة وبطيئة ولطيفة، فخصص لها عشرات، وربما مئات من الرسوم المائية، ونشر كتاباً عن رسومه مخصص لأعماله عن بيروت. تشير عنده الهندسة المعمارية إلى طراز الانتداب الفرنسي والطلاء الوردي الباهت للمباني إلى الشيخوخة والانحلال، لكن الجمال يظل حاضراً. اما أولغا ليمانسكي (1903-1988) فقد طورت لقطات حميمة مع مناظر المدينة التقليدية. في أعمالها، يتميز المبنى بنوافذ عالية تذكّرنا بالعمارة الفرنسية. لوحاتها عن بيروت خالية من الناس، لكن وجودهم محسوس من خلال الأشياء الموضوعة حولها، أو الغسيل المعلق على القضبان، أو الصور الظلية البعيدة. 

(أمين الباشا)  

(أولغا ليمانسكي)  ديناميكية وحيوية لوحات منى باسيلي صحناوي (من مواليد 1945) تلتقط الساحل النامي في عين المريسة وتبرز تناقضات التحديث. تقف في رسوماتها المنازل التقليدية منعزلة في المقدمة ومن حولها مبانٍ حديثة في كل مكان. وبالرغم من الألوان الزاهية في أعمالها، هناك إحساس غريب، يظهر التوتر بين الماضي والمستقبل. المدينة في نقطة تحول، تحدد جمالياتها بين الهندسة المعمارية غير المتناسقة وغياب التخطيط المدني المعيب. 

(منى باسيلي صحناوي) يواصل الرسامون المعاصرون تفوقهم على أنفسهم، وإيجاد طرق جديدة لتصوير العاصمة. على القماش، يمكن أن تبدو بيروت حالمة أو غريبة الأطوار أو فقيرة أو متحركة أو محطمة. تجذب الهندسة المعمارية بعض الفنانين، لا سيما في وسط بيروت والشوارع المحيطة به، بينما يفضل البعض الآخر رسم تفاعلات هادئة بين من يحتسي القهوة في المقهى أو الصيادين على الكورنيش البحري. وعلى الرغم من الازدحام المروري والتدفق المستمر للناس في الشوارع، لا يزال من الممكن أن تكون بيروت موطئاً للحظات هادئة. أسامة بعلبكي (من مواليد 1978)، يستخدم التركيز التصاعدي في رسمه لمبنى مقهى “روسا” في الطرف الشمالي لشارع الحمرا. من خلال تحويل التركيز الموجه نحو السماء، ينبت البعلبكي أساسًا في الشارع أدناه، مما يخلق الوهم بالسكون اللحظي المطلق. اما زينة عاصي (من مواليد 1974)، فلا هدوء عندها. في أعمالها الخيالية تصبح المدينة نشازًا من الأنسجة والأنماط، متداخلة، لخلق مزيج هائل من الأشكال تحير تفسيرها للمدينة. هل هي الجحيم، او انها حفلة مجونية، او بكل بساطة معركة الحياة؟ تتلاعب وتتلاعب بالأشكال المألوفة للمباني، فهي تحاكي الفوضى الحضرية التي يشعر بها المرء أثناء سيره في بيروت. تلتقط الشوارع والأركان المتعرجة بالتفاصيل الدقيقة. وبينما تومئ برأسها إلى البحر في الخلفية، تعمد أيضًا إلى افراد مشهد المدينة الفوضوي على معظم مساحة لوحاتها، اعترافاً بالاكتظاظ المكثف والسريع التي شهدته المدينة، وهكئا تستولد الجمال من البشاعة. 

(أسامة بعلبكي) تتجلى أهمية الإنسانية في مدينة حسن جوني (من مواليد 1942). استحوذته عين المريسة والمقاهي التقليدية القديمة والباعة المتجولون، واهمهم باعة الصف وقراؤها. تكشف مشاهده المفعمة بالحيوية عن المشهد الاجتماعي لبيروت ما قبل الحرب، حيث كانت المقاهي المحيطة بالمدينة بمثابة فتحات سقي شهيرة لجميع قطاعات المجتمع. 

(حسن جوني) هناك عدسات أخرى لفهم تطور المدينة ووجودها: البناء المستمر. مع وجود العديد من المباني التاريخية التي لم يتم إصلاحها بعد منذ الحرب الأهلية، ومئات المشاريع الأخيرة التي لا تزال غير مكتملة، يبدو أن بيروت دائمًا ما تكون قيد الإنشاء. تقع العديد من المباني الأكثر شهرة في بيروت في حال من الفوضى، كما هي الحال منذ عقود. سواء تم التخلي عنها أو تدميرها أثناء النزاع، لم يتم إصلاحها البتة. أصبحت هذه الهياكل في يد أيمن بعلبكي (من مواليد 1975) بمثابة رموز خام وآسرة لما يبدو أنه بناء مستمر، لكنها تفتقر إلى أي تطوير فعلي في جميع أنحاء المدينة. يستخدم بعلبكي نسيج الطلاء السميك لخلق فجوات وأعمدة متحللة في خيوط تشبه نسيج العنكبوت تنسج نفسها من خلال هياكل المباني التي يرسمها. 

(أيمن بعلبكي)  أضحت بيروت، كما قبل الحرب، مركزاً لمجتمع فني نشط للغاية، انهمك في مرحلة ما بعد الحرب في الحفاظ على تاريخها. لقد تحمل الفن حتمًا ثقل حماية إرث البلاد. في أواخر التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، بدأ الفنانون المعاصرون في طرح الأسئلة المتعلقة بالذاكرة الجماعية والمحفوظات والتوثيق التاريخي. كان عملهم حاسمًا لفهم “فقدان الذاكرة” الطاغي منذ انتهاء الحرب الأهلية. وساهم الفن التشكيلي بشكل كبير في فهم آليات التاريخ وبناء الأرشيف.

تحدثنا جميع الأعمال التي رسمت خلال مئة عام، قصة واحدة، من منظورات لا حدود لها. انها قصة بيروت وتاريخها الغني ونسيج اجتماعي متنوع قل نظيره، يفيض بالمدخلات من خارجها. مع عدم وجود أي جهة تتولى رعاية تاريخها الفني، يحافظ فنانو بيروت على التغييرات في المشهد الحضري والتركيب الثقافي للمدينة ويوثقونها. لسنوات عديدة، صوّر الفنانون ما رأوه، وشرعوا في تفكيك طبقات المدينة، وفضحها، وفحصها من جميع الزوايا. يرى البعض مدينة تجاور، بينما يرى البعض الآخر مركزًا حضريًا في ظل انتقال وبناء دائم. ينجذب أصحاب العقول المعمارية نحو الشوارع الواسعة في وسط المدينة، بينما يفضل الرومتطيقيون مباني ما قبل الحرب في الأحياء القديمة. تعمل كل لوحة كمحطة في سردية المدينة المعقدة والمتغيرة، وهو دليل على قدرتها على نموها الصاخب كما على انحلالها الصامت.

لا أستحي أن أعلن جهارًا أنّ شغلي الشاغل – فضلًا عن الشعر – هو لبنان، وبيروت لبنان. لماذا؟ لأنّ المسألة عندي هي مسألة معنى، ومسألة مصير. ولأنّ المدينة هذه، هي الأنتي كوفيد (الوجوديّ) الذي ينبري لتحدّي الكوفيد اللبنانيّ، كوفيد السياسة والمال والإرهاب والفساد والسرقة والنهب والتجويع والإفقار والتشريد والتهجير، ممثّلًا بالمافيا، بالعصابة المستولية على السلطة، على الحكم، على مفاصل البلاد ومقدّارتها الوطنيّة والسياسيّة.
هي مدينة. هي عاصمة. بل أكثر. أكثر بكثير. وأعمق بكثير. أنظروا إلى هذا الشرق الأدنى القياميّ، الممزّق الأوصال، المدمّى، المخصيّ، والمحتلّ، عن سابق تصوّرٍ وتصميم؛ من العراق إلى فلسطين، مرورًا بسوريا والأردن. أنظروا إلى هذا الشرق، ببغداده ودمشقه وبيروته وقدسه، تعرفوا معنى ماذا أقول، والخلفيّة، والمبتغى.

كلّهم إسرائيل، وكلّهم صهاينة، من طهران إلى أنقرة إلى الخليج فإلى تلّ أبيب. فلا عجب، والحال هذه، أنْ تكون بيروت على ما هي عليه بيروت الآن، في عهدة هذه الطغمة، هذه الجماعة الغاشمة، حيث روائح القائمين بالأمر فينا، أشدّ قذارةً وإثارةً للغثيان والتقزّز من روائح النفايات والقاذورات التي تستشري في المؤسّسات، وتملأ الشوارع، وتحتلّ الهواء الطلق والبحر الطلق والبرّ الطلق.

تدمير بيروت، وتخريب عيشها، وانتزاع روحها، ليس قضاءً وقَدَرًا. هذا فعلٌ منهجيٌّ، دؤوبٌ، طويلُ الأنفاس، و”بعيد النظر” في إجرامه وشرّه. هذا عمل شياطين. إنّه – باختصار – عملُ الأعداء فيها، وفينا. وهو عملٌ جهنّميٌّ و(عبقريٌّ) للغاية. وهو “إنجاز” (ناجحٌ) بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى، شأن كلّ الأعمال التي يضطلع بتنفيذها الجهنّميّون الشيطانيّون. وهؤلاء، كما هو معلوم، لا يتورّعون عن ارتكاب ما يعجز عن ارتكابه إلّا العهّار الشياطين، سكّان جهنّم، ورعاتها، وأربابها، و”إلهتها”. وهم واضعو اليد على هذه الأرض، وباعتُها، ومرتزقتُها، وقوّادوها، وخَوَنَتُها.

لا تُضيِّعوا الشنكاش: إنّهم إسرائيليّون وصهاينة. لكن من المحيط إلى الخليج. ونادرًا ما يكون ثمّة استثناء. نادرًا جدًّا. لا تنغشّوا بالوجوه. لا تنغشّوا بالأقنعة. نادرٌ هو الاستثناء. نادرٌ، لكنّه يثبّت القاعدة. فيا لهذا الزمن. يا لهذا الزمن.

من عزلتي بين الكتب، مُحصَّنًا بمناعة الروح، وصلابة الإرادة، ولطافة الوجدان، ومعزَّزًا على وجه الخصوص بولاية العقل، أرسل صرختي هذه، وندائي، داعيًا إلى اعتبار بيروت قضيّة القضايا، لأنّ لبنان قضيّة القضايا.

المسألة ليست مسألة عواطف وانفعالات وتهويمات (لبنانويّة) مَرَضيّة، بل هي مسألة العقل بامتياز. إنّي أحضّ الفلاسفة والمفكّرين والمثقّفين والعقلاء والنبلاء والفنّانين والشعراء والروائيّين وأهل الفروسيّة مطلقًا، وأدعوهم إلى إعمال عقولهم في ضرورة صون لبنان مطلقًا، ولبنان الثقافيّ خصوصًا، وفي اجتراح الكيفيّات لتحقيق ذلك. بيروت الممتازة هي لبّ هذا اللبنان الممتاز، الذي ليس محض مكانٍ، ومحض أرضٍ، ومحض هيولي، ومحض تخرّصٍ ووهمٍ وتوهّم. وهو ليس حنينًا ولا ذكرى. وبيروته الممتازة ليست للرثاء والبكاء، بل لإعادة الابتكار والولادة. وهذه ضرورة الضرورات. وهي مسؤوليّتنا.

ثمّ إنّ لبنان هو حصرمٌ أيضًا. وبيروت لبنان هي أيضًا حصرمٌ في عيون طغاتها وجلّاديها، وفي عيون المرتزقة السفلة العابرين الآفلين. إلى مئة عام جديدة، يا بيروت، إلى ألف ألف عام وعام، وإلى دهر الداهرين. حصرم. إنّها حصرم في عيون الجحافل والقوّادين!