الرئيسية / home slide / مثقف الطّابور الخامس مأساة فاوست في حاضرنا المريض

مثقف الطّابور الخامس مأساة فاوست في حاضرنا المريض

 واسيني الأعرج
القدس العربي
30122020

لمن لا يعرف مصطلح الطابور الخامس، هو طابور (مجموعة بشرية) سري، مدني عادة، توكل له أوسخ المهام للتدمير الداخلي، وتهييء ظروف الانقضاض النهائي على مجموعة أو بلد. استعملَ الكلمة في البداية الجنرال إميليانو مولا، عضو القيادة العسكرية التابعة لفرانكو وللانقلابين الوطنيين، في الحرب الأهلية في إسبانيا في 1936. قال مولا وهو يستعد لاحتلال مدريد المقاومة، التي استعصت عليه: الطوابير الأربعة تزحف الآن نحو مدريد، بينما الطابور الخامس هو هناك. يقصد المجموعات المدسوسة سرياً والتابعة له، ويزرع بذلك الريبة والشكوك في الجمهوريين المدافعين عن حقهم الانتخابي الديمقراطي.
نعيش في العالم العربي تحولات شديدة الخطورة لا نملك حيالها الإجابات اللازمة، لأننا في الأغلب الأعم لسنا نحن من يتحكم في حركة هذه التحولات، فهي إما مفروضة علينا من فوق بقوة الهيمنة والتبعية، أو مزكاة سلفاً من جهة قوية، لهذا كثيراً ما تأتي النتائج عكسية بالقياس إلى الظاهر، أي على غير ما تم التخطيط له من طرف قوى التغيير المراقَبَة بدقة. لنا في أحداث العشرين سنة الأخيرة التي غيرت الأفكار والجغرافيا، دون أن تحدث الهزة المرتقبة، ومآلات الثورات العربية، خير دليل. نستطيع أن نحلل كما نريد من حيث النوايا الحسنة التي كثيراً ما كان طريق جهنم مفروشاً بها، لكن الطغاة في النهاية ما يزالون في أماكنهم، أو غُيِّروا بمن هو أسوأ إذا كان للسوء درجات في ميزان الديكتاتوريات. وكان للطابور الخامس دور حاسم في ذلك. فقد تم احتلال العراق بناء على تقارير هذا الطابور، في انتظار الانقضاض على البلاد، من خلال الكثير من السياسيين والمحللين والمثقفين والمترجمين. كان عملهم الأكبر هو إقناع العراقيين بجدوى التغيير الذي بني على كذبة النووي العراقي، الذي بينت التجارب اللاحق وحملات التفتيش غير المسبوقة، أنه كان في مرحلة تكوين الأرضية العلمية. ولا نحتاج أن نعرف من المستفيد من وراء ذلك. لقد أعمى الطابور الخامس العراقيين عن أي تفكير حينما صب تفكيره على شخصية صدام، مع أنه لو كانت أمريكا تريد التخلص منه لفعلت بلا جهد كبير، لكنها كانت تريد التخلص من عراق الفكر والعلم والتطور، وكل ما يجمع تناقضاته الدينية والثقافية الطبيعية تخطى معضلاتها. الأحداث التي تلت سمحت لأمريكا ببسط نفوذها على خيرات العراق، ولإسرائيل أن تنام قريرة العين من البعبع العراقي النووي الذي سبق أن دمرت مفاعله تموز وهو في طور التكوين. واتضح في النهاية أن هناك استراتيجية هيمنة النظام العالمي (الأمريكي) الجديد. المحصلة النهائية، دُمّر العراق التاريخي، وأجهضت كل الثورات العربية التي انطلقت في الجوهر على الأقل، من مثل أعلى، هو ضرورة التغيير بعد سنوات التحجر في أنظمة الحكم العربية التي لم تكن متبصرة للآتي ولم تخلق الظروف المناسبة للتحويل الديمقراطي، فانتهت كلها في الدم في شكل حروب أهلية معلنة أو غير معلنة.
منذ تجربة العراق، أصبحت فكرة اللادولة هي المبتغى، لأنه من خلال تفكيكها يستطيع مثقفو الطابور الخامس أن يحركوا كل العصب والأديان والطوائف المتشكلة داخل البلد الواحد، في شكل عداوات. الناتج في النهاية، تشكل عراق آخر على أسس طائفية وعرقية، وتمزق سوريا كلياً، وغرق ليبيا وانقسامها إلى مجموعتين متصارعتين بالوكالة، وموت اليمن السعيد بين كماشتي الحوثيين وحرب الإخوة الهالكة، وتمزق السودان إلى شمال وجنوب، وجيوب أخرى مثل دارفور، قبل أن يجر مرغماً من خلال مقايضة بائسة نحو التطبيع. في كل هذه التحولات التي أرجعت العالم العربي عشرات السنين إلى الوراء، مع استنزاف خيراته في حروب لا تخصه، فقد لعب مثقف الطابور الخامس الدور الأهم في الترويج والإقناع وتمرير جرائم إنهاك العالم العربي، والإجهاز عليه بعد زرع الخوف فيه من أعداء محتملين. فقد كان مثقف الطابور الخامس الذي منح روحه للشيطان في مشهدية تراجيدية فاوستية، هو الجسر الذي تمر عبره كل أجندات النظام العالمي (الأمريكي) الجديد، الذي جُنِّدَ له القتلة المحليون، وكبار المثقفين والسياسيين المحنكين. الباقي، كان مجرد لحم للمدافع. حتى صفقة القرن كادت تمر عربياً، لولا الموقف الفلسطيني الذي رفضها كلياً، وخاض حرباً إعلامية ضدها. لا يوجد اليوم، في ظل الطابور الخامس الذي يبرر الهزيمة والخيانة بمختلف أشكالها، إلا الشعب الفلسطيني الذي سيعيش زمناً قاسياً في المستقبل القريب والمتوسط، بحيث لا حليف عربياً له، إلا استثناءات قليلة مهددة بدورها باشتعالات داخلية أو حروب ممكنة على حدودها، ويتم تجنيد الطابور الخامس لزرع الأحقاد ضد هذه البلدان التي ما يزال خطابها وطنياً وقومياً. الطابور الخامس يتلون اليوم بأشكال مختلفة، حسب المواقع التي يحتلها، لكنه في النهاية لن يكون إلا وفياً لولي النعمة، الشيطان مفيستوفيليس، الذي يغدق عليه من دم أرضه، ولحم شعبه. الطابور الخامس مثل نبتة الهالوك، يغرس في وسط الحقول فيجففها ويقتلها من جذورها. الهدف واضح، أولاً خدمة الأسياد محلياً ودولياً.
؟ مثقف الطابور الخامس يعرف من أين تؤكل الكتف، إذ يصبح أشرس من سيده، وعينه على عضوية في برلمان، أو سيناتور، أو سفارة، أو مسؤولية كبيرة في هيئة دولية، بحيث تحدد له سلفاً الوظائف التي عليه تنفيذها. مأساة مثقفي الطابور الخامس أنهم في اللحظة التي يتحولون فيها إلى خدم للشيطان مفيستوفيليس، ينسفون خطاباتهم من الأساس ولو غطّوها بكل الأغلفة. غير مهتمين مادام الطاغية المحلي ينظر إليهم بعين الرضى، أو على الأقل هذا ما يتصورونه. يشتمون الآخرين، الجيران أو البدان التي كلفوا بهزها داخلياً، وينسون رائحة الجثث التي تتفسخ عند أرجلهم، والسجون وطبيعة النظام القاتل الذي يخدمونه. مثقف الطابور الخامس يرى ما يُراد له رؤيته وينصاع له. حتى مساحة نقد النظام المتاحة له حتى يصبح خطابه موضوعياً قليلاً، يتخلى عنها خوف أن يفسرها «الأعداء» داخل منظومة الطابور الخامس.
ومأساة مثقف الطابور الخامس أنه تتم تعريته قطعة قطعة في مهرجان الرقص الرخيص، لدرجة أن يتماهى في فعله مع محترفة الدعارة، التي تمنح الجسد لمن يدفع ثمن اللحظة.
في النهاية، يصبح مثقف الطابور الخامس جندياً في خدمة الظالمين والقتلة، والذين باعوا ضمائرهم للأقوى. لم يكن غوته مخطئاً في فاوست، فقد أظهر ملامح هذا الطابور منذ القرن التاسع عشر، عندما كتب فاوست 1، وفاوست 2. في اللحظة باع فيها العالم الكبير فاوست، الحالم بامتلاك المعرفة في كليتها، واختراق أسرار الكون، روحه وضميره، للشيطان مفيستوفيليس، وقبل بالمقايضة، خلع عنه نهائياً نبل كلمة مثقف. مأساة فاوست اليوم هي مأساة مثقف الطابور الخامس الذي خسر كل شيء منذ أن انضم للقتلة، حتى إنسانيته.

واسيني الأعرج