الرئيسية / home slide / متى ينتصر الفلسطينيون على الوهم؟

متى ينتصر الفلسطينيون على الوهم؟

الوضع الفلسطيني القائم حاليا يمكن اختزاله بأنّ السلطة الوطنية أفلست ماليا، وهي في الأصل مفلسة سياسيا. السلطة في حاجة إلى موقف لتبرير الحصول على أموال تجنيها إسرائيل لمصلحتها.

الفلسطينيون لم يتعظوا من تجارب الآخرين

خيرالله خيرالله
صحيفة العرب
22112020

بدل اللفّ والدوران والإعلان عن تحقيق انتصارات لتبرير التراجع، يفترض في السلطة الوطنية الفلسطينية مواجهة المواطن العادي بالحقيقة. إذا كان من انتصار، يحقّ لها التباهي به، حقّقته السلطة الوطنية الفلسطينية، فإنّ هذا الانتصار هو على الوهم. وهم رضوخ إسرائيل لشروط فرضها الفلسطينيون عليها ووهم آخر يتمثّل في أن في الإمكان عيش السلطة الوطنية الفلسطينية بمعزل عن علاقة شبه معقولة بالولايات المتحدة.

الحقيقة بكلّ بساطة أن التعاون مع إسرائيل لم يتوقف في يوم من الأيّام، منذ توقيع اتفاق أوسلو في العام 1993، وأن العودة إلى ما كان عليه الوضع في أيّار – مايو الماضي كلام فارغ ليس إلّا، في أحسن الأحوال. لماذا كلام فارغ؟ الجواب أن شيئا لم يتغيّر ولن يتغّير في غياب عاملين. أولهما في إسرائيل نفسها وثانيهما في الذهنية المهيمنة على السلطة الفلسطينية. يضاف إلى هذين العاملين أمر بالغ الأهمّية يتلخّص بأنّ ليس في استطاعة أي مسؤول فلسطيني، بمن في ذلك رئيس السلطة الوطنية محمود عبّاس (أبومازن) مغادرة بيته في رام الله من دون إذن إسرائيلي. منذ لم تستطع السلطة الوطنية التوصّل إلى اتفاق ما مع إسرائيل، خصوصا في العام 2000، وهي السنة الأخيرة التي كان فيها بيل كلينتون في البيت الأبيض، انحصرت طبيعة التعاطي بين الجانب الفلسطيني وسلطة الاحتلال في التنسيق الأمني بينهما.

توجد مشكلة إسرائيلية عميقة إلى أبعد حدود. تكمن هذه المشكلة في العقل اليميني الرافض لفكرة السلام والمسيطر على المجتمع الإسرائيلي، وهو عقل ساهمت في صنعه أطراف فلسطينية مثل “حماس”. لعبت “حماس” دورها في إضاعة كلّ الفرص التي توافرت للشعب الفلسطيني منذ توقيع اتفاق أوسلو، بحسناته وسيئاته. أكثر من ذلك، لعبت “حماس”، عن طريق العمليات الانتحارية ثم الصواريخ التي تطلق من قطاع غزّة، دورا أساسيا في جعل المجتمع الإسرائيلي أكثر تطرّفا. هناك حاليا منافسة بين يمينين إسرائيليين يزايد كلّ منهما على الآخر. هذان اليمينان موجودان في حكومة بنيامين نتنياهو. هذه الحكومة ليست مستعدة، بمباركة أميركية، للإقدام على أيّ خطوة في اتجاه تسوية ما يمكن أن تعيد الأمل في قيام دولة فلسطينية “قابلة للحياة” في يوم من الأيّام. الأكيد أن ذلك ليس ممكنا من دون الانتهاء من التركيبة الحالية للسلطة الوطنية التي فشلت في أن تكون أكثر من منسق مع إسرائيل في مجال الأمن.

يمكن اختزال الوضع الفلسطيني القائم حاليا بأنّ السلطة الوطنية أفلست ماليا، وهي في الأصل مفلسة سياسيا. السلطة في حاجة إلى موقف لتبرير الحصول على أموال تجنيها إسرائيل لمصلحتها. امتنعت السلطة عن تسلّم أموال موجودة لدى إسرائيل. أرادت بذلك معاقبة إسرائيل واعتبار هذه الأموال العائدة إلى السلطة بمثابة ورقة ضغط. كانت النتيجة أن السلطة الوطنية عاقبت نفسها. لا يشبه تصرّفها سوى تصرّف ذلك الزوج الأحمق الذي أراد معاقبة زوجته بأن قطع (٠٠٠)!

يظلّ الرهان الفلسطيني في الوقت الحاضر على أن إدارة جو بايدن ستكون مختلفة. هل هو رهان في محلّه؟ ذلك هو السؤال الكبير. قد يكون رهانا في محلّه، لكن نجاح مثل هذا الرهان مرتبط بتغيير في الذهنية الفلسطينية قبل أيّ شيء آخر

يمكن فهم الخطوة العشوائية التي أقدمت عليها السلطة الوطنية، وهي تتمة للخطوات العشوائية السابقة التي تلت ردود فعلها على توقيع دولة الإمارات العربيّة المتحدة ومملكة البحرين اتفاقي سلام مع إسرائيل. نسيت السلطة الوطنية العالم الذي تعيش فيه. لا تشبه تصرّفاتها سوى تصرّفات النظام السوري القائم منذ خمسين عاما الذي احتجّ على زيارة وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو للجولان المحتلّ. مضى على احتلال الجولان 53 عاما. كان حافظ الأسد وقتذاك وزيرا للدفاع في سوريا. في مثل هذه الأيّام من العام 1970، انقلب حافظ الأسد على رفاقه البعثيين والعلويين وأسس النظام الذي أورثه إلى ابنه بشّار في السنة 2000. طوال خمسين عاما، كانت مهمّة حافظ الأسد وابنه التفاوض من أجل التفاوض. لم يعملا شيئا من أجل استعادة الجولان.

لم يستفد الفلسطينيون من تجارب الآخرين. لم يستوعبوا معنى توقيع اتفاق أوسلو في ظروف صعبة كانوا يمرّون فيها بعد الخطأ الذي ارتكبه ياسر عرفات في العام 1990 عندما اعتقد أن صدّام حسين سيخرج سالما معافى من مغامرته الكويتية. ذهب “أبوعمّار” بعيدا في تجاهل الظروف التي أحاطت باتفاق أوسلو الذي أعاده إلى أرض فلسطين. تجاهل أن الوقت لا يعمل لمصلحته وأنّه كان عليه التوصّل إلى صفقة ما، حتّى لو كانت مجحفة، مع إسحاق رابين. تماما كما فعل الملك حسين الذي وقع بلده اتفاق سلام مع إسرائيل في تشرين الأوّل – أكتوبر من العام 1994.

في مرحلة ما بعد انتخابه رئيسا بعد وفاة “أبوعمّار”، قام “أبومازن” بكلّ المراجعات المطلوبة، بما في ذلك انتقاد “عسكرة الانتفاضة” في السنة 2000 بعد فشل قمّة كامب ديفيد الفلسطينية – الإسرائيلية – الأميركية. الأكيد أن صعود اليمين الإسرائيلي ووصول دونالد ترامب إلى الرئاسة لم يساعدا “أبومازن”، لكنّ الأكيد أيضا أنّه لم يساعد نفسه عندما استبعد من محيطه أيّ قيادي فلسطيني يمتلك حدّا أدنى من المنطق والعلاقات العربية والدولية في ظلّ ظروف إقليمية ودولية معقّدة. لم يستطع “أبومازن” التعايش مع رئيس للوزراء مثل الدكتور سلام فيّاض يعرف ماذا يدور في العالم وكيف تعمل المؤسسات الدولية. لم يدرك حتّى معنى قطع العلاقات مع أميركا، بغض النظر عن كمية الظلم الذي مارسته إدارة ترامب.

يظلّ الرهان الفلسطيني في الوقت الحاضر على أن إدارة جو بايدن ستكون مختلفة. هل هو رهان في محلّه؟ ذلك هو السؤال الكبير. قد يكون رهانا في محلّه، لكن نجاح مثل هذا الرهان مرتبط بتغيير في الذهنية الفلسطينية قبل أيّ شيء آخر. هل من أمل في ذلك؟ من الصعب الكلام عن أمل في غياب ما يكفي من الشجاعة للإعلان صراحة أن ما حدث كان هزيمة فلسطينية وأن أي فرصة أتيحت منذ العام 1993 كان يجب استغلالها، بما في ذلك قمة كامب ديفيد للعام 2000 التي جمعت الرئيس كلينتون و”أبوعمّار” وإيهود باراك رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك. ألم يكن الحصول على أيّ موقع في القدس الشرقية أفضل من الوضع القائم حاليا حيث لن تجرؤ أي إدارة أميركية، مهما كانت مختلفة، على إعادة النظر في ضمّ إسرائيل للمدينة…

من أقنع ياسر عرفات في كامب ديفيد بأنّ عليه رفض أي تسوية في ما يتعلّق بالقدس الشرقية من أجل الوقوع في الفخّ الإسرائيلي؟ أليس بين الذين أقنعوه بالتشدّد بعض الأميركيين من الذين كانوا يتظاهرون بأنّهم مع قضيته… وتبيّن لاحقا أن هؤلاء كانوا من الذين أحاطوا بباراك أوباما ودفعوه في اتجاه التقارب مع إيران!