متى تشريع الحشيشة ومجلسا إنماء بعلبك – الهرمل وعكار؟


سركيس نعوم

     31 تموز 2018 | 00:09

قبل الجواب عن السؤال المتعلّق بالحرمان الرسمي للشيعة المستمرّ رفع لافتته، لا بُدّ من الإشارة إلى أن الرئيس نبيه برّي “لا يعتقد”، استناداً إلى قريبين منه، “أن ما يجري حاليّاً يستهدف البيئة الشيعيّة الحاضنة لـ”المقاومة”. وهو يعترف بوجود مجموعة داخل الطائفة معادية لإيران في لبنان. ولم تُصوِّت في الانتخابات النيابية الأخيرة لمُرشّحي “الثنائيّة”. لكنّها صغيرة. ويعترف أيضاً بأن الشيعة كانوا محرومين في الجنوب والبقاع ولاحقاً في الضواحي. لكنّه يقول أنه منذ بدء تعاطيه الرسمي “أمليّاً” و”سياسيّاً بذل كل ما يستطيع من أجل رفع الحرمان. فوُفّق في الجنوب أكثر من البقاع لأسباب متنوّعة، منها تسلمّه وزارة دولة لشؤون الجنوب وإنشاؤه 32 مدرسة ابتدائيّة فيه. ثم رعى مجلس الجنوب الذي فرضت الاعتداءات الاسرائيليّة إنشاءه فحقّق بواسطته إنجازات مُهمّة. ومع الوقت بدأ اهتمام المغتربين الجنوبيّين واستمر في العمل من أجل توفير ما يلزم لبقاء الجنوبي في أرضه فانتقل الجنوب من الحرمان الكبير المُزمن ودخل القرن العشرين. طبعاً يستدرك برّي، بقي البقاع (بعلبك – الهرمل) محروماً بل ربّما زاد الحرمان فيه لأسباب كثيرة. والمسؤوليّة تتحمّلها الدولة. هذا فضلاً عن الطبيعة العشائريّة لأهل المنطقة، وغياب أي حلّ جدّي وجذري وعلمي عند الدولة قبل الحرب وبعدها. إذ كان يستسهل المسؤولون تهدئة العشائر والمنطقة، برخص أسلحة وعلاقات خاصة وجيّدة مع زعمائها”.

ما الحل لهذه المشكلة؟ يبدو أن الإهمال المُزمن لبعلبك – الهرمل من السلطات وأصحاب الأمر الواقع فيها الذي ساهمت فيه حروب الداخل واسرائيل قد بدأ يُقلق الدولة و”الثنائيّة الشيعيّة” والناس، لأن استغلال الحرمان لضرب الجميع صار احتمالاً قد تلجأ إليه القوى المُعادية للبنان أو لشيعته. ولذلك بدأ البحث عن حل. ومن يُتابع الإعلام على تنوّعه ووسائل التواصل الإجتماعي على رغم الاستغلال السلبي أو السيّئ لدورها يعرف أن المعنيّين كلُّهم يفكّرون في الحلول وقد بدأوا يضعون بعضها على الورق، وليس من أجل البقاع (بعلبك – الهرمل) وحده بل أيضاً من أجل عكار في شمال لبنان التي يعرفون أنها محرومة من زمان طويل بل أن حرمانها أكبر وأقسى من الحرمان الأوّل. ومن هؤلاء رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي أعلن أن الحل للمنطقتين هو إنشاء مجلس إنماء لكل منهما شبيه بالمجلس الذي أنشئ للجنوب والمستمر في العمل رغم أن الحاجة إليه قد تكون ضعفت. وقد وضع مع مستشاريه مشروعاً لذلك مُستنداً إلى دراسات علميّة ووقائع. إلى ذلك فإنّه يرى حلّا لحرمان البقاع (بعلبك – الهرمل) هو تشريع زراعة الحشيشة (القُنّب) من أجل الاستعمال الطبّي، وهذا أمر بدأ من زمان في العالم. ويُفترض في القانون إذا قُدِّم وأُقرّ أن ينشئ “ريجي” أي إدارة للحشيشة مثل إدارة التبغ والتنباك المنشأة منذ الانتداب الفرنسي والمستمرّة في العمل بنجاح حتّى الآن. ودورها سيكون ضبط الزراعة ومنح رخص لزراعتها ومراقبة بيعها والجهات التي تشتريها والحؤول دون أن يستمر التجّار المهرّبون في استغلال المزارعين. وأي مخالفة لذلك تُواجه بعقوبات عدّة منها سحب الرخصة. طبعاً هل يسلّم المحصول لـ”الريجي” الجديدة كما التبغ أم يُباع مباشرة فليس واضحاً بعد رغم أن الأصول تفترض الغاء العلاقة مع المهرّبين وحصرها في إطار رسمي هو “الريجي”.

هل يُطبق الحل نفسه في عكّار؟

يعتقد الرئيس برّي أنّه سيُحصر في البقاع حيث الأراضي صالحة لزراعة الحشيشة ولا سيّما في ظلّ اعتبار مُستهلكيها غير اللبنانيّين تعاطياً ومداواة وتجارة من أفضل الأنواع في العالم. لكنّه يعتقد بل يعرف أن تربة عكّار ليست صالحة لزراعة الحشيشة، وقد فُتح الباب أمام زراعة التبغ على نحو رسمي لكنّها لم تنجح كثيراً. والزراعة التي نجحت فيها كانت زراعة التنباك. وهذا ما سيتمّ التركيز عليه. أي سيكون تنباك عكّار بديلاً من الحشيشة، وستتولى إدارة التبغ والتنباك الموجودة الاشراف على هذا الموضوع.

أليست هناك حلول أخرى للحرمان؟ وهل الوضع الاقتصادي هو السبب الوحيد للحرمان في البقاع (بعلبك – الهرمل) وفي عكار؟

اللبنانيّون وخصوصاً من يظنّون أنّهم محرومون يعتبرون أنّهم مظلومون أيضاً، فالبقاع الشمالي إجمالاً يعجّ بآلاف “الطُفّار” والمطلوبين للقضاء بموجب عشرات آلاف مذكّرات الجلب والتوقيف والتحقيق وخلاصات الأحكام وذلك لقيامهم أو لاتهامهم بالقيام بأعمال زراعة ممنوعات وتعدّيات وقتل وجرح وتسليح… وعكّار في شمال لبنان كما في مناطق أخرى منه فيها الكثير من “الفراريّة” أي الفارّين من وجه العدالة لأسباب مشابهة. وفي العقدَيْن الأخيرَيْن وبعد بروز التيّارات الإسلاميّة المتشدّدة ازداد عدد المُتهمين بممارسة الارهاب. وأهالي هؤلاء وأولئك ونوّابهم وزعماؤهم وعشائرهم وعلماؤهم يطالبون بعفو عنهم. ورد فعل الدولة لم يكن سلبيّاً، لكنّه لم يكن إيجابيّاً إذ وعدت وآخرين بدرس الموضوع. فهل تتّخذ قراراً بإصدار قانون عفو يساعد في إزالة الحرمان؟ الدرس مستمر لإقراره حتّى الآن لكن لا استعجال، كما لا يبدو أنّه صاحب أولويّة الآن. وقد عبّر عن ذلك الرئيس برّي أمام قريبين منه بالقول: “بالزمان ساهمت في إصدار عفو عن مزارعي المخدّرات والممنوعات وغيرها، وكان عدد مذكّرات الملاحقة المتنوّعة نحو 32 ألفاً، وبعد تطبيقه بمدّة غير قصيرة وصل عدد المذكّرات إلى 1000 وهي الآن بعشرات الآلاف. وهذا موضوع يحتاج إلى درس أعمق وحلول قبل أي عفو ولا سيّما إلى دولة”. طبعاً لم يأتِ برّي على سيرة مطلوبي الشمال الإسلاميّين. لكن يُفترض أن له المنطق نفسه تجاههم.

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*