الرئيسية / home slide / متغيّرات كبيرة تواكب الانهيار المتوقع

متغيّرات كبيرة تواكب الانهيار المتوقع

كيف لا يدفع انتحار مواطن بسبب الجوع باطلاق النار على نفسه الحكومة الى الاستقالة او على الاقل ان يستقيل احد الوزراء اعتراضا انطلاقا من مسؤولية معنوية يحتمها موقعه ؟ هذا فظيع في لبنان تحديدا اكثر من اي بلد اخر في المنطقة.

وعلى رغم ذلك ، ينطوي عدم توقع فشل حكومة حسان دياب في لجم التدهور الاقتصادي والمالي على خبث سياسي كبير. اذ انه حين أظهرت القوى السياسية اضطرارها تحت الضغط الدولي المشدد الى التجاوب مع مطالب المنتفضين في ١٧ تشرين الأول الماضي والى الذهاب الى حكومة من التكنوقراط، كان منتظرا الى حد كبير ان يحصل الانهيار في ظلها فتتحمل المسؤولية وتظهر القوى السياسية مجددا امام الرأي العام ان لا بديل منها تماما على ما ظهر في فشل الخطة الاقتصادية للحكومة. لكن رئيس الحكومة بدوره لم يمتلك منذ اللحظة الأولى لا كاريسما التوجه الى الرأي العام ولا القدرة على ترجمة تطلعاته فاطلق النار على نفسه في حكومة جاهر وزراؤها مبكرا انهم يمثلون قوى سياسية تنتمي الى لون واحد كما انه وفي ظل سعيه الى البقاء رئيسا لأطول مدة ممكنة خضع لهذه القوى في تسليم إقرار المسائل المهمة كما تريد معتقدا انه يمكن ان ينضم الى نادي الرؤساء او الى نادي الزعامات السياسية فيما غابت عنه الف باء الممارسة السياسية. لكن يمكن القول ان القوى السياسية حققت عبر حكومته ما لم تكن مستعدة لاتخاذه كقرارات غير شعبية ان على صعيد تعديل سعر صرف الليرة اللبنانية او على صعيد فرض الضرائب بما في ذلك رفع سعر الرغيف في وقت ذهبت محاولات الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري ادراج الرياح حين حاول اقناع التيار العوني وحزب الله بخطوات تدريجية تشمل زيادة ٥ الاف ليرة على المحروقات. وقد استطاعت الحكومة بفضل التعثر وقلة الخبرة تولي “المهمة القذرة” بالنيابة عن الافرقاء السياسيين الذين لم يتوانوا عن توجيه الانتقادات لها لعجزها وتخبطها مع الانهيار الذي أصاب قدرات اللبنانيين على مواصلة العيش بكرامة. لكن الواقع ان الحكومة لا يمكن الدفاع عنها حيث اظهر غالبية الوزراء جهلا مخيفا في التعاطي السياسي وظهروا كمتدرجين في وظيفة سياسية في ادق مرحلة يواجهها لبنان بحيث لم يشفع بها عدد الوزيرات اللواتي شكلن بغالبيتهن احباطا غير مسبوق جنبا الى جنب مع أداء الوزراء المتعثر والمفتقد الى كيفية إدارة الملفات او الى الخبرة في ادارتها. لكن القوى السياسية بدورها لا سيما تلك الداعمة للحكومة أصيبت بقوة أيضا ربما باستثناء طرفين احدهما رئيس مجلس النواب نبيه بري وتيار المردة سليمان فرنجيه باعتبارهما رسما مسافة عن أداء الحكومة فيما مني التيار العوني بضربات قاصمة إزاء إدارة بعيدة عن الحكمة وميل الى الانتقام وتحقيق المصالح الشخصية وكذلك الامر بالنسبة الى “حزب الله” الذي حول معركة الخيارات الفاشلة داخليا على الصعيد الحكومي الى حصار خارجي بحيث وضع اللبنانيين رهائن له لحسابات تتعلق به وبايديولوجيته وبالمحور الذي ينتمي اليه.

توقع فشل الحكومة لم يكن غريبا استنادا الى الرؤى السياسية للقوى التي دعمت قيامها. أي ان لا التيار العوني ولا “حزب الله” يقدران على إدارة البلد واعتماد سياسة بناءة تساعد في انقاذ اقتصاده. ولذلك فانه حين سئل ديبلوماسي اجنبي كبير لدى تأليف الحكومة كيف يمكن ان يقبل الخارج حكومة من لون واحد من دون اعتراض يذكر، بذريعة انها حكومة تكنوقراط، بدا الجواب واثقا ان الحكومة آيلة الى الفشل لان الفريق الحاكم لا يملك المقومات لادارة اقتصاد البلد او منح الثقة للداخل كما للخارج من اجل اتاحة او توفير الفرص لنهوضه. ناهيك عن واقع الاستبعاد لمكونات سياسية ربما شعرت بالخسارة نتيجة ابتعادها عن السلطة لكنها نجحت على نحو مقصود او غير مقصود في تعرية قدرات القوى الحاكمة وكشف أهدافها بعيدا من إيلاء أي اهتمام لما يطاول اللبنانيين. أظهرت قوى ٨ آذار آنذاك سعادتها بهذه المباركة الغربية لكنها اساءت التقدير لجهة امكان الإبقاء على هذه المباركة من دون اثمان ليس اقلها تحمل مسؤولية إصلاحات كشفت الأربعة الأشهر الماضية من عمر الحكومة للرأي العام اللبناني والخارجي ان هذه القوى لا تبالي بالإصلاحات ولن تقوم بها أيا يكن الثمن. هذا الثمن يدفعه اللبنانيون فيما القوى السياسية تتبرأ الحكومة وتعمل على محاولة تأليف أخرى قد تشتري لها وقتا حتى أوان تسوية يعتقد سياسيون كثر ان الوضع الداخلي بات مرتبطا بها.

وقد يتبين لاحقا ان خسارة قوى ٨ آذار ليست كبيرة بمقدار ما تظهر عليه راهنا وان كانت مسؤوليتها عما قادت اليه البلد راهنا كارثية. لكن هناك تبعات ليس اقلها ما أصاب العهد بالذات من فشل جسيم على الصعيد الوطني كما على الصعيد المسيحي حيث ان الفرصة التي أعطيت له من خارج على خلفية اعتبارات كثيرة تتصل بتعزيز الواقع المسيحي في لبنان وتاليا في المنطقة لم تلتقط جيدا. ومن ثم بدت استعادة الحقوق المسيحية كثمن باهظ لانهيار مقومات القوة المسيحية مصرفيا وماليا وأكاديمياً وصحيا. ولا تعتقد أوساط سياسية متعددة ان هذه المرحلة وتداعياتها ستكون من دون اثمان باهظة على التحالف “الاستراتيجي” بين الفريق العوني بما يعنيه لحليفه الشيعي او ما كان يعنيه والثمن الذي بات يدفعه الفريق المسيحي في مقابل ضعف مبررات هذا التحالف بالنسبة الى الحزب كما في الأعوام السابقة نتيجة اعتبارات متعددة. وقد أظهرت ممارسة هذا التحالف في الحكم راهنا من دون سائر القوى الأخرى تصادم الاجندات تحت طائل خسارة باهظة لكل منهما نتيجة الانهيار الحاصل والكلفة الباهظة على البلد. وهذا لا يعني ان هذا التحالف الى فكاك قريبا سيما وان الكثير من المتغيرات تبقى رهن التطورات في سوريا كما في المنطقة. لكن المشهد السياسي بالنسبة الى الخارج قد يكون مريحا على هذا الصعيد بالنسبة الى هذه النقطة بالذات من علاقة الحليفين، بغض النظر عن القلق الكبير من استرهان اللبنانيين والدفع بلبنان الى هاوية الإفلاس وتعريضه لمخاطر كبيرة من اجل مصالحهما المباشرة ليس الا . ومن هنا توقع متغيرات كبيرة على رغم المكابرة ازاء حصولها.

rosana.boumonsef@annahar.com.lb