الرئيسية / أضواء على / متحف سرسق في قلب بيروت الجريح… هل تحقّقت نبوءة خليل وإبرهيم سرسق؟

متحف سرسق في قلب بيروت الجريح… هل تحقّقت نبوءة خليل وإبرهيم سرسق؟

متحف سرسق (مارك فياض).

من حي السراسقة في الأشرفية، يطل اليوم قصر سرسق بواجهته البيضاء على مرفأ بيروت، شاهداً على نكبة سوداء ومشاركاً في دفع فواتيرها. جارحٌ مشهد الأنقاض في متحف سرسق. والجرح سحيق وغائر. على امتداد وبعمق قيمته الثقافية والفنية والتراثية. القصر الذي بناه نقولا ابرهيم سرسق عام 1912 ثم تحول بوصيّة منه إلى متحف منذ عام 1961، يوحي بصورة عن شخصية بيروت العصيّة على أن يدجّنها الموت، ولكن المطواعة ثقافياً مع كلّ عهد وحدث، تصهره في سيرتها تارّة بقبول وتارّة بحبّ ومرّات بحكم الأمر الواقع. وكبيروت، شهد متحف سرسق وسلم ارتدادات نهاية العثمانيين، ونجا من الحرب العالمية الأولى والثانية، واستمر خلال الانتداب الفرنسي، ولم تغلق أبوابه الحرب الأهلية. لكن انفجار 4 آب أتى عليه بضراوة “أسوأ عشر مرات مما فعلته 15 سنة من الحرب الأهلية”، في تصريح أخير لرودريك سرسق.

الأضرار

“ذقت حلاوة ومرارة الحياة

كل شيء يختفي وكأنه لم يكن موجودًا

أعلم أنني سأختفي أيضًا

لذلك تركت صورتي مرئية بوضوح في المنزل”

لربما تحققت نبوءة ابرهيم سرسق؟ سؤال لا بدّ أن يعترينا، حين نقرأ هذه السّطور التي كتبها بالعربية وترجمناها عن الفرنسية من صفحات كتاب وألبوم “قصور وبورتريهات- رواية عائلية حول فيكتور وهيلين سرسق”، بإشارة من المؤلفة تانيا ريس إنجيا أنها خٌطّت على بورتريه ابرهيم سرسق.

نقولا، ابنه الثاني، لم تعد صورته مرئية كسابق عهدها. فلنقولا حسب الكتاب لوحتان، هما للرسام اللبناني المختص برسم الوجوه فيليب موراني، وأخرى بريشة الفنان الهولندي الفرنسي كيس فان دونغن، هي التي تضررت أخيراً، بعد صمودها أمام كل عواصف لبنان منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

أضرار متحف سرسق شاملة ولا تحصر بـ 20 إلى 30 عملاً فنياً. التنقيب يكشف كل يوم عن خسائر جديدة. ولا يجرؤ محبو المتحف سوى أن يتمنوا “النجاة” لـ 5000 قطعة فنية من لوحات وتماثيل ومنحوتات وإيقونات تعود للقرنين التاسع عشر والثامن عشر. وأن يتمنوا تصدّعات أقلّ في عمارته العريقة التي تدمج عناصر إيطالية وعثمانية، كانت نموذجية في نمط بناء فلل وقصور لبنان في مطلع القرن. ويتمنون أن أذىً أخف قد أصاب الصالون العربي حيث كان سرسق يستقبل ضيوفه. وأن الخشب الدمشقي المنحوت باليد، الذي يشكل جدرانه وسقفه، لم يتهاوَ برمّته. وأن يكون ما تهاوى صالحًا للانقاذ، بدون أن يفقد أصالته.

متحف سرسق (مارك فياض).

كوسموبوليتية وتجديد

كثير من بيروت في هذا القليل من متحف “سرسق” الذي يشبه بيروت في تجاور الثقافات وتواليها. نذكر من هذه العينة مجموعات متحف سرسق التي تشكل معرضاً مجانياً بتوصية من نقولا سرسق الذي ترك مفروشات وأعمالاً فنية من مقتنياته أو هداياه. وهناك المجموعة الشرقية ذات الطابع الديني المشرقي التي تضم آثاراً من الفن الإسلامي والأيقونات البيزنطية. ويضم المتحف أرشيفًا نادراً من 30 ألف صورة فوتوغرافية للشرق الأوسط في مجموعة فؤاد دباس التي تؤرخ للمنطقة بين عامي 1830 وستينيات القرن الماضي. إضافة إلى مجموعة الفن الحديث والمعاصر التي تضم إبداعات فنانين من لبنان والعالم ومنها تمثال “الباكيتان”، ليوسف الحويك وهو أول نحات لبناني متخصص، بعدما انتقلت من ساحة الشهداء. ويعرض المتحف ما يسمى بـ”المجموعات الخاصة” بما فيها أعمال الطباعة الحفرية اليابانية. الى معرض Salon d’Automne وهو معرض البدايات، فضلاً عن معارض للسجاد الشرقي والفن السوري المعاصر، واللوحات المائية البريطانية والرسومات في القرن العشرين والفن البلجيكي المعاصر.

وسط السواد، نكتنه في سجلّ “متحف سرسق” شواهد على مرونته وقابلية للتوسع، فتمنحنا قليلًا من الأمل والعزاء في قدرته على الانتفاض مجدداً على هول المشهد الأخير.

فبعدما انحصرت المعارض في Salon d’Automne وبعض الغرف، انطلق في العام 1970 مشروع للتوسعة والانارة للجزءين الداخلي والعلوي، وأنجزه المعماري اللبناني غريغوار سيروف.

ونستعيد في هذا المجال اهتمامًا خاصًا أولاه عميد النهار غسان تويني، عند تسلمه رئاسة مجلس أمناء المتحف، فخطط لتوسيع هذا المرفق وترميمه. الأعمال أوكلها للمهندس الفرنسي جان ميشال ويلموت والمهندس اللبناني جاك أبو خالد، ليعيد المتحف فتح أبوابه عام 2015 بمساحة مضاعفة أكثر من خمس مرّات، مع مرافق جديدة كقاعة للمعارض المؤقتة، وقاعة محاضرات، ومستودع للمجموعات الدائمة، ومكتبة، وورشة للترميم، ومتجر ومطعم.

من عائلة سرسق إلى لبنان

من خلال مراجعة ماضي عائلته، أراد روبير خليل سرسق تصوير حقبة سعيدة في الكتاب الذي ذكرناه سابقاً، كاشفاً في المقدمة عن قيم شكلت شخصيته منذ الطفولة “كانت طفولتي قصة خيالية. عشنا في القاهرة في منزل كبير جدًا يُدعى قصر الجزيرة مع أجدادي هيلين وفيكتور وأبوي خليل وغلاديس وعمي حبيب وخالتي سيسي (…) لقد غرسوا قيمنا فينا التي كانت لهم: الوفاء، والصدق، والكرم، والكياسة، والتسامح، والتضامن الأسري، والفضول الفكري، وحب الفنون”.

الكتاب الذي تقفى سيرة عائلة سرسق عبر صورها المصفرّة، والذكريات والوثائق العائلية، ولكن أيضًا من خلال التنقيب في أعمال مؤرخي مدينتي بيروت والإسكندرية، وأرشيفات الصحف، وموقع المكتبة الوطنية الفرنسية، يعرفنا على عهدها الذهبي في تجارة القطن والسكر والعقارات وإعادة الاعمار في مصر قبل أن تسقط ممتلكاتها عام 1956 في يد التأميم. كان الأخوة سرسق من كبار المساهمين في الشركة العالمية لقناة السويس، التي افتتحت في حدث عظيم عام 1869 بحضور “عرابة القناة”، الإمبراطورة أوجيني. وخلال استقبال عظيم أقيم بهذه المناسبة، تقول الرواية إن الخديوي اسماعيل وضع الإمبراطورة أوجيني على يمينه، ومهاغي خليل سرسق على يساره.

نقلب الصفحات على شخصيات وأحداث “زمن جميل” عاشه لبنان قبل تحوّل اقتصاده الى اقتصاد ريعي، وعشعشة الفساد في مرافق ومؤسسات الدولة مع ما يشبه “شركة عائلية” ربحية، تحتكر السلطة وتستفيد وتورّث. زمن سياسي وأخلاقي في سيرة من بنوا “متحف سرسق”، نفتقده ونحتاجه ونحن نعيش نقيضه ومغبات هذا النقيض في مأساة بيروت. ووصية نقولا سرسق تأتينا بخير دليل “بما أنني أحب الفنون الجميلة وأشتاق إلى تطويرها، ولا سيما في وطني لبنان، أنا نقولا ابرهيم سرسق… أترك كل التركة على شكل وقف من أجل أن تشكل هذه الممتلكات ومحتوياتها متحفًا للفنون القديمة والحديثة (…) وسيتم تسليمها للمتولي، الذي سيكون رئيس بلدية بيروت، يغض النظر عن النظام السياسي القائم في ذلك الوقت”.

هذا ما أراده نقولا سرسق حين وهب تركة حياته للبنان. فهل جنح به التفكير يوماً الى حد واقعنا صعب التصديق، حيث النظام المتهالك يتفرج باستعلاء وضمير غائب على دمار شعب وبلد بأكمله؟