متحف بيروت: ترتيب تاريخ المدينة المتنازع عليه

تحديد محتوى المتحف جرى بالتعاون مع أصحاب الاختصاص وباحثين لبنانيين (المدن)

لا يزال موعد افتتاح “متحف مدينة بيروت”، الذي سيروي سيرة تسعة آلاف عام من تاريخ المدينة، غير معلوم.

في هذه الأثناء، تستمر أعمال الحفر في الموقع الذي سيبنى فيه المتحف، على العقار المقابل  لمبنى جريدة النهار، أي حيث كان مبنى الريفولي سابقاً. لم تبدأ بعد أعمال البناء، رغم أن الصندوق الكويتي للتنمية منح لبنان، عام 2009، هبة بقيمة ثلاثين مليون دولار، لتنفيذ هذا المشروع وفق اتفاق بين الطرفين.

التحكم بالتاريخ
المتحف مكرس ليوثق تاريخ المدينة بشكل حسي، ولأن تاريخ المدينة الصغيرة، كما تاريخ الوطن الصغير، عرضة لخلافات واختلافات كبيرة.. تسعى كل جماعة لبنانية إلى كتابة التاريخ بما يوافق سرديتها الخاصة. يكفي هنا الإستعانة بمقولة الكاتب جورج أورويل لفهم الإشكاليات، التي تنشأ أثناء إعادة ترتيب التاريخ: “من يتحكم في الماضي يتحكم في المستقبل؛ ومن يتحكم في الحاضر يتحكم في الماضي.. كل شخص يكتب التاريخ حسبما يناسبه”.

هذا الأمر يصعّب تحديد محتوى المتحف. ومسبقاً بدأ يتخوف بعض المعنيين من ألا يترجم المتحف التاريخ الحقيقي لمدينة بيروت، أو أن يتعامل باستنسابية مع هذا التاريخ، كأن يُعظِّم حقبة ويحجّم أخرى. ورغم أن المتحف لم ينشأ بعد، إلا أن بوادر هذا الخلاف بدأت تتراكم في الظل.

وفيما لا تفصح شركة سوليدير عن أية تفاصيل متعلقة بالمتحف الذي تشرف عليه، تقول ريما بو فريحة، المسؤولة عن المشروع في الشركة، لـ”المدن” أن سوليدير تبرعت بالتصميم فقط، فيما يعود إلى وزارة الثقافة تحديد المحتوى الذي سيعرض في المتحف المنتظر.

في مقابلة مع “المدن” تكشف المديرة العامة للهيئة العامة للمتاحف، الدكتورة آن ماري عفيش، عن تفاصيل المتحف. كانت تأمل عفيش افتتاح المتحف بين العامين 2020 و2022، لكن من الواضح أن الأمر يتطلب وقتاً أطول مما كان متوقعاً بكثير. تقول عفيش أن أسباباً عدة أخرت البدء بإنشاء المتحف، أبرزها النقص الحاد في عدد موظفي مديرية الآثار. كما تجري الحفريات في المكان بتأن وحرص على الآثار المدفونة في الموقع. فالمبنى المهدم كان قد بني فوق موقع أثري، وأثناء تشييده دمر جزء من الآثار. بالإضافة لكل هذا، يحتاج إنشاء المتحف وتحديد محتواه إلى العديد من الدراسات التي تتطلب بدورها وقتاً وتمويلاً إضافيين.

أربع جهات تعمل على إنجاز المتحف وهي: وزارة الثقافة التي تدير المشروع، مجلس الإنماء والإعمارالذي يهتم بالتمويل وصرفه، وفق اتفاق مع الوزارة، وشركة سوليدير “نظراً لوجود المتحف في محيطها” وفق عفيش، إضافة إلى بلدية بيروت مالكة للعقار. اختير الموقع لرمزيته الأثرية، إذ يجمع بين تاريخ المدينة القديم والحديث معاً. فهو موقع أثري دفن تحت مبنى الريفولي، الذي يمتلك رمزية حديثة في تاريخ المدينة، والذي دُمر نهاية الحرب الأهلية اللبنانية.

تصميم المتحف
تولى تصميم المتحف المصمم الإيطالي  “رنزو بيانو”،  والذي بنى أكثر من 30 متحفاً حول العالم، والمشرف على تصميم وإعادة تأهيل ساحة الشهداء. جاء المتحف بتصميمه الكلي عبر نظرة عامودية للبناء بأكمله، على شكل سفينة. سيتألف من ست طبقات، إثنان منها فوق الأرض، ولن يتجاوز ارتفاعهما 15 متراً التزاماً بشروط البناء على هذا العقار. والطبقتان عبارة عن بناء زجاجي شفاف، لا يحجب الإطلالة البحرية من خلفه. أما الطبقات الأربع الباقية فستبنى تحت الأرض. فيما ستبلغ مساحة كل منها 600 متر مربع، وهي مساحة صغيرة نسبياً.

أقسام المتحف
سيقتصر العرض المتحفي على الطابقين الثالث والرابع تحت الأرض. الطابق االثاني تحت الأرض سيخصص لمكاتب موظفي المتحف، والذين يفترض أن يبلغ عددهم حوالى خمسين موظفاً، من اختصاصات مختلفة. أما الطابق الأول فالهدف منه تأمين المتحف لللإيرادت المالية، اللازمة لصيانته واستمرارعمله. لذلك و”تماشياً مع الموضة السارية في المتاحف حول العالم”، سيضم الطابق كافتيريا مطلة على سور بيروت القديم، الذي بُني في القرن العاشر قبل الميلاد. إلى جانب الكافيتيريا، صالة للمناسبات تتسع لخمسين شخصاً، ومكان يصلح لإقامة ورش تدريب أو معارض. وهي أماكن قابلة للتأجير، بغية إقامة نشاطات ثقافية، ولجذب الزوار باستمرار. في هذا الطابق أيضاً مكتبة لمن يود القراءة ومحل لبيع الكتب. سيستقبل الزوار في الطابق الأرضي المخصص للاستقبال وبيع التذاكر. أما في الطابق الأول فسيعرض فيلم يروي قصة إنشاء المتحف. وفي الجهات الأربعة شاشات تعرض عبر تقنية “الواقع المعزز” مشاهد التحوّل العمراني في محيط المتحف عبر العقود الماضية.

محتوى المتحف
سيتناول المتحف فترة الحرب الأهلية اللبنانية، ما يجعل من البديهي السؤال عن كيفية تخطي هذا التحدي، من دون الوقوع في فخ “الإنقسام”. تجيب عفيش: “ليس دورنا كتابة التاريخ، ولا نريد الدخول في إشكاليات. تحديد محتوى المتحف تم بناءً على دراسات. سنكتفي بإبراز الأدلة والوثائق من دون أي تعليق”.

عند مدخل المتحف ستوضع فسيفساء عثر عليها أثناء الحفر في الموقع. وستعرض في داخله حوالى 3000 قطعة أثرية، اختيرت وفق المعايير التالية: علمية، جميلة، معبرة عن حقبة أو فترة أو نمط أو كان لها تأثير تاريخي – حضاري.

في الطابق الرابع تحت الأرض، طابق “الأدلة”، ستتم إعادة تركيب مواقع أثرية بالشكل الذي وجدت فيه. سيستعين  المعنيون بشركة Atelier Bruckner الألمانية، الخبيرة بالعروض المتحفية، بهدف إنجاز عرض كل موقع بشكل بصري جميل، على مساحة تتراوح بين 6 إلى 7 أمتار مربعة. تعود المواقع التي سيعاد تشكيلها للحقبات التالية وفق الترتيب الزمني:

الموقع الأول: الحقبة النيوليتية في الألف السابع قبل الميلاد. سيعاد تشكيل الموقع الذي عثر عليه أثناء عمليات حفر في منطقة بشارة الخوري، حيث عثر على مجموعة من حجار الصوان، التي دلت على أول مجتمع عاش في بيروت.

الموقع الثاني: الحقبة البرونزية الوسيطة، والتي تعود إلى القرن 15 قبل الميلاد. سيعرض مدفناً مع حلى وقطع فخارية، كانت توضع ضمن المدافن.

الموقع الثالث: العصر الحديدي، أي الفترة الفينيقية، وتعود للقرن الخامس قبل الميلاد. ستعرض في الموقع حوالى 15 قطعة فخارية، وجدت في مستودع، موضبة وكأنها معدة للتصدير. كانت تحتوي هذه الفخاريات إما على الزيت أو المشروب.

سيروي الموقع الرابع قصة من الحقبة الهلينيستية، أي القرن الثاني قبل الميلاد، حيث وجدت مجموعة نقود تبدو وكأنها كنز.

في الموقع الخامس سيحاول المعنيون إعادة تشكيل قسم من أعمدة السوق القديم لبيروت. ويعود للحقبة الرومانية، بين القرن الأول والثالث ميلادي، حين شهدت بيروت ازدهاراً في تلك الفترة، وتوسع عمران البيوت والطرقات والمعابد.

يعود الموقع السادس للحقبة البيزنطية، وسيروي قصة الزلزال الشهير الذي دمر مدينة بيروت سنة 551 ميلادي. نتيجة للزلزال ظهرت في بيروت “طبقة محروقة”. ووجدت قطع في هذه الطبقة تظهر وكأن السقف أطبق على الأرض وحطم القطع.

الحقبة السابعة هي الحقبة المملوكية، سيروي الموقع قصة الجامع العمري، الذي كان كنيسة، قبل أن يتحول إلى جامع. أما الموقع الثامن فسيروي قصة المرفأ القديم لمدينة بيروت.

عرض ديناميكي
في الطابق التالي، صالة الأدلة. ستروي الصالة قصة الإنسان “البيروتي”: من هو؟ من أين أتى؟ كيف اندمج مع بقية الناس؟ كما ستعرض قصة الفن البيروتي.

سيتم عرض القطع وفق تسلسل زمني، يبدأ من الألف السابع قبل الميلاد. والقطع في هذه الصالة ترمز إلى الناس عبر الحقبات التاريخية، وتعرض خلالها علاقتهم بالمحيط وبالشعوب الأخرى. سيظهر العرض كيف انعكست العلاقات التجارية على النواحي الثقافية. وكيف انعكست العلاقة مع مصر وقبرص واليونان على معايير الجمال في المدينة. سيظهر المتحف ايضاُ كيف تأثر البيروتي في الفترة الهلينيستية بالمعتقدات الدينية والتقاليد المدفنية والحياة اليومية. تفاصيل أكثر عن تأثير مختلف الحقبات في نواح مختلفة سيظهرها المتحف، وصولاُ إلى العهد العثماني حيث بدأت موضة التنبك والأركيلة، التي يتفاخر فيها اللبناني حالياً أينما ذهب. ولا ينتهي العرض عند هذه الحقبة بل يكمل حتى العام 1990.

تلفت عفيش أن الشركة الألمانية ستجعل العرض ديناميكياً بشكل يجعل القطع تتكلم، فيظهر مجسم هولوغرام عند اقتراب الزائر، ويبدأ برواية قصة كل قطعة. وتشير عفيش أن تحديد المحتوى جرى بالتعاون مع أصحاب الاختصاص وباحثين لبنانيين أنجزوا أبحاثاً عن مدينة بيروت، لافتة أن المخطط قابل دوماً للتعديل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*