متحف الميتم في جبيل… قصة الأرمن المناضلين

هناك صورة بالأبيض والأسود تطارد مخيلتي مذ زرت متحف الميتم المُسمى “عش الطيور” في بداية هذا الصيف. التقطت الصورة على الأرجح في عشرينات القرن العشرين فوق رمال شاطئ أنطلياس شمال بيروت، ليس بعيداً من مستقر كاثوليكوسية بيت كيليكيا العظيم اليوم. هناك رجل بالغ يقف على الرمال، ممسكاً بكتاب في يده، وملقياً بصره نحو الكاميرا. وهناك حوالى 20 ولداً يجلسون على الرمال، ينظرون بتركيز إلى الكتب التي أمامهم. واحد منهم فقط ينظر ناحية الكاميرا. وهناك ولدان يرفعان أيديهما، ووجه أحدهما مرئي للمتمعن في الصورة، وتعلو وجهه ابتسامة شاحبة وهو ينظر إلى كتابه منتظراً الإذن للإجابة.

ميتم “عش الطيور” جدير بالزيارة، لأنه يروي قصصاً مذهلة كثيرة. فهو يروي قصة الإبادة والنجاة. يبدأ بقصة إبادة الأرمن، حين قررت الحكومة العثمانية تحت إشراف “لجنة الاتحاد والترقي”، وفي ظل الحرب العالمية الأولى، تهجير المواطنين الأرمن وقتلهم. رويت هذه القصة في أماكن أخرى، لكننا لا نعرف سوى القليل عن تبعاتها.

الأولاد في الصورة هم لاجئون أيتام، وشاطئ البحر هو فصلهم الدراسي. مخيم اللجوء الذي يسكنونه قريب من المكان على الأرجح. هم ناجون من المذبحة. خلفت إبادة الأرمن العثمانيين آلاف اليتامى، قُدر عددهم بـ150 ألفاً. تُرك عشرات آلاف أيضاً من هؤلاء الأيتام فريسة للاختطاف من قبل القبائل الكردية والعائلات التركية وأجبروا على اعتناق الإسلام. اعتُبرت أكبر كارثة إنسانية في الحرب العالمية الأولى، وكانت محط تركيز رئيسي من المنظمات الإنسانية. وكثر من الأيتام الناجين استقرت بهم الحال في ما أصبح لاحقاً أرمينيا السوفييتية. ونجا آخرون في الملاجئ في سوريا ولبنان والعراق واليونان وفرنسا وأماكن أخرى. انتهت الحال بحوالى 40 إلى 45 ألف يتيم في سوريا، في حلب بالأساس، بينما أعيد توطين 30 ألفاً إلى 35 ألف يتيم أرمني في ملاجئ مختلفة في لبنان.

يقع هذا المتحف، الذي كان ميتماً يوماً ما، في بيت لبناني تقليدي على أطراف بلدة جبيل، ويمتد حتى شاطئ البحر.

المجتمعات الأرمنية في تلك الدولة تتكون في غالبيتها من مجتمعات أيتام. وهي مجتمعات خسرت أراضيها والكثير من ثقافتها المادية مثل كنائسها ومدارسها ومكتباتها وأرشيفاتها. وهي مجتمعات أيتام كذلك من منظور أدبي، فقد كان قطاع كبير من الجماعات التي وصلت إلى لبنان وسوريا من الأيتام. قصة كيفية تكوين هؤلاء الأيتام لمجتمعات مزدهرة في غضون جيل واحد فقط، هي قصة مذهلة، فقد استبدلوا الكنائس والمدارس والنوادي الرياضية ودور النشر بملاجئ الأيتام. وكبر الأيتام وأصبحوا حرفيين ناجحين ساهموا في صناعات الأحذية والتصوير والمجوهرات وإصلاح السيارات والطباعة وصناعات أخرى. وأصبحوا معلمين وكتاباً وعمالاً وصحافيين.

واليوم، على إثر حروب وكوارث جديدة، تفرغ هذه المجتمعات مرة أخرى. أولاً الحرب الأهلية الطويلة في لبنان (1975-1990) ثم الغزو الأميركي واحتلال العراق عام 2003، الذي شتت المجتمعات الأرمنية في بغداد والموصل. ومنذ بداية الصراع السوري عام 2011 فرغت مزيد من المدارس التي بناها جيل الأيتام. عندما أفكر في جيل الناجين، تدهشني فكرة تمكنهم من بناء مجتمعات، على رغم معاناتهم غير المحدودة. واليوم يدهشني أن أرى أحفادهم مجبرين على التخلي عن هذا كلّه، والبحث عن الأمن والاستقرار في “عالم جديد”، أكثر بعداً من أرض أسلافهم.














هناك قصة ثالثة يرويها متحف الميتم، غالباً ما تلقى تجاهلاً وحتى تشويهاً من قبل العديد من السرديات التي يسمعها المرء في الشرق الأوسط. الصور النمطية عن الإرساليات التبشيرية الأوروبية والأميركية في السرديات التركية والعربية، هي أن هؤلاء المبشرين أتوا بأجندات امبريالية استعمارية، وأرادوا إخضاع شعوب الشرق واستعمارها وتقسيمها وبث الفرقة والفتنة فيها. ويحملونهم مسؤولية العنف بين الطوائف في القرن التاسع عشر، ابتداءً من مذبحة الآشوريين التي ارتكبتها القبائل الكردية، مروراً بالعنف الطائفي في جبل لبنان والمذابح المتكررة للأرمن. تخبرنا السرديات التاريخية السائدة في الشرق الأوسط أن المبشرين تسببوا في انقسام المجتمع العثماني ما أنتج عنفاً مدمراً اجتاح المنطقة. تخبرنا هذه القصة السائدة أنهم مستشرقون شوهوا الشرق ولوثوه.

مع ذلك، تخبرنا حياة ماريا جاكوبسن قصة مختلفة. فقد كانت امرأة دنماركية تعلمت التمريض. حين سمعت أول مرة عن المذابح ضد الأرمن في عهد السلطان عبد الحميد الثاني من 1894 إلى 1896، أصبحت مهتمة بمحنة الأرمن. وانضمت إلى إرسالية العاملات الإسكندنافيات التي كانت فكرة مستحدثة في ذلك الحين، جمعت بين قيم الإرساليات المسيحية التقليدية وقيم الاستقلال والمبادرة النسوية التقدمية. عام 1907 حين بلغت الخامسة والعشرين من العمر، ارتحلت إلى الإمبراطورية العثمانية، وعملت حتى عام 1919 في مستشفى أرمني في مدينة هاربوت، وشهدت العنف المستمر والتهجير والمذابح. نشرت ملاحظاتها على ما شهدته بعنوان “يوميات مبشرة دنماركية: هاربوت 1907-1919″، وهي إحدى الشهادات القيمة على دمار الأرمن العثمانيين.

عام 1922، بعدما أمضت سنوات قليلة في الدنمارك والولايات المتحدة، قدمت جاكوبسن إلى لبنان وتولت مسؤولية أيتام أرمن هناك. عندما قررت لجنة إغاثة الشرق الأدنى إيقاف عملها، تولت ماريا جاكوبسن بمفردها مسؤولية الميتم في جبيل، وسمته عش الطيور. وهناك نشّأت وعلّمت آلاف الأيتام حتى وفاتها عام 1960.

تخبرنا حكاية ماريا جاكوبسن قصة الخير المحض والشر المحض. دوافعها وأفعالها تمتاز بإنسانية غير محدودة، التضحية بالذات من أجل الآخرين. تهدف الدعاية الرسمية التي تشوه قصة جاكوبسن وغيرها، للتعمية على أفعالهم الشريرة، حين تقتل الحكومة شعبها. فجاكوبسن كانت جزءاً من حراك يضرب بجذوره تاريخ الإرساليات المسيحية التي تطورت اليوم لتشكل “مجال الإغاثة الإنسانية”. مع ذلك، ما أعظم اختلاف دوافعها واخلاصها عن البيروقراطية الإغاثية في زماننا!

في عش الطيور، وفوق المتحف، في الدور الثالث، بإمكان المرء أن يرى الغرف التي عاشت وعملت فيها ماريا جاكوبسن يوماً. هذه الغرف ما زالت خربة تنتظر التجديد والتذكر، وربما الاستخدام لأغراض إنسانية مرة أخرى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*