الرئيسية / home slide / مبادرة بكركي: سجال الكتائب والشيوعي والكتلة الوطنية

مبادرة بكركي: سجال الكتائب والشيوعي والكتلة الوطنية

نادر فوز
الجمعة05/03/2021
Almodon.com

الانقسام طاول انتفاضة 17 تشرين، في سياق طبيعي ومسار يمكن تفسيره (المدن)لا يزال “سبت بكركي” والطروحات التي تقدّم بها البطريرك الماروني بشارة الراعي موضوع سجال مشتعل في البلد. مبادرة بكركي، كأنها أعادت اللبنانيين إلى أصل مأزقهم ووضوحه. ويمكن اختصار المشهد اللبناني وانقساماته بموقفين صادرين على رجلي دين. يتسلّح أحدهما بغطاء العيش المشترك والميثاق الوطني وسيادة لبنان، ولا يبخل الآخر في طرح عناوين العزّة والكرامة الوطنية والمواجهة والمقاومة والسلاح والقوة. بين هذين الموقفين، عاد النقاش اللبناني إلى مربّعه الأول الأوضح، في انقسام طائفي عامودي يعيد إنعاش جبهتين لم تنتجان في صراعاتهما ومصالحاتهما إلا دمار البلد وإفلاسه. حتى أنّ هذا الانقسام طاول انتفاضة 17 تشرين، في سياق طبيعي ومسار يمكن تفسيره وتوضيحه وترجمته على أرض الواقع. لكنّ أول ما يطاله انعكاس هذا السجال، تباين مواقف أحزاب الانتفاضة.

انفراط العقد
بعد جهود حثيثة ومضنية، في السياسة والتحركات الميدانية، التأمت أحزاب الانتفاضة التي لم تدّع يوماً تمثيلها كل اللبنانيين، ولم تسعَ إلى مصادرة مطالب 17 تشرين وناسها. اجتمعت تلك الأحزاب قبل عام وأكثر، واجتمعت حول طاولات وخاضت نقاشات وأصدرت بيانات مشتركة. وإذ بهذا العقد ينفرط اليوم، مجدداً، كترجمة طبيعية لتمكّن المنظومة السياسية من فرض سجالاتها وحلولها وطروحاتها على الساحة اللبنانية. تجتمع على مطالب محاسبة الفاسدين وتحرير النظام من منظومته القاتلة والحاكمة، لكن أسس هذا الاجتماع غير مركّزة أبعد من هذه المطالب العامة والمشتركة مع كل بيت سياسي وغير سياسي في البلد.

الكتائب يدعم ويوضح
لم يتأخر حزب الكتائب اللبنانية في التأكيد على دعمه لمبادرة البطريرك الراعي، في الحياد والمؤتمر الدولي، مع توضيح لهذين الطرحين. يعتبر الكتائبون أنّ حزبهم عرّاب الدعوة لحياد لبنان إذ أنه “تاريخياً كان هذا مطلب الحزب في الستينات والسبعينات” بحسب ما يقول أمين عام الحزب سيرج داغر. وفي اتصال مع “المدن”، يشير داغر إلى أنّ “كتلة حزب الكتائب تقدّمت عام 2011 بمشروع قانون لتضمين موقف الحياد في الدستور اللبناني”. وفي موضوع المؤتمر الدولي، يوضح أنّ “التدويل قائم من خلال حزب الله واستعانته بإيران، أما طرح المؤتمر الدولي فهو الاستعانة بأصدقاء لبنان لرفع الهيمنة عن الناس. وهذا مختلف تماماً عن التدويل الحاصل”. ويضيف داغر أنّ موقف “الكتائب” هو في أنه لا يمكن الدعوة إلى مؤتمر لحل الأزمة اللبنانية قبل إجراء انتخابات نيابية، على اعتبار أنّ الكتل الحالية فقدت شرعيتها ولم تعد تمثّل اللبنانيين. كما أنّ أولى نقاط البحث في أي مؤتمر دولي يجب أن تكون في موضوع سلاح حزب الله نظراً لهيمنة السلاح على المشهد اللبناني وفرض الحزب لرأيه من خلاله”.  كما أن لداغر ملاحظة أخرى، حين يؤكد على أنّ “الكتائب أكثر من داعم لطرح البطريرك”، إذ يشير  إلى أنّ “دعم الحياد ومواقف بكركي واللاءات التي أطلقت منها، من منطلق وطني بحت، مع الرفض الكامل لتسييس بكركي، وهو دعم للمواقف لا للمواقع”.

الشيوعي يرفض ويفسّر
أما أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، حنا غريب، فيؤكد من جهته أنّ موقف الحزب واضح في رفض “مؤتمر تأسيسي جديد يؤدي إلى تسوية طائفية جديدة برعاية دولية، والحل اللبناني لا يمكن إلا أن يكون من الداخل”. ويضيف غريب أنّ “الشيوعي” يرفض “عقداً اجتماعياً جديداً يؤدي إلى محاصة طائفية جديدة. ولسنا مع منطق اعتيادي في ادعاء بناء دولة مدنية جوهرها هيمنة من لون سياسي سلطوي واحد”. كما يشير إلى لاءات الحزب الشيوعي ضد الفدرالية والكانتونات المذهبية والأمن الذاتي، “ومشروعنا هو في مواجهة النظام الذي لم يولّد إلا الأزمات والويلات على مدى 100 سنة. وكل ما يحصل هو محاولة لإعادة إنتاج المنظومة نفسها مع أزماتها”. وفي موضوع حياد لبنان، يؤكد غريب أنه “لا يمكن الوقوف على الحياد في المنطقة، في ظل الأطماع الإسرائيلية وقضية فلسطين وصفقة القرن والتهديدات المستمرة للبنان وشعوب المنطقة ككل”. ويبقى موقف الحزب الشيوعي، نفسه، في العمل “منذ 17 تشرين على تشكيل أوسع لقاء وطني وفرض بديل وموازين قوى لتشكيل حكومة إنقاذية مع صلاحيات استثنائية، تعمل على تنفيذ خطة إصلاحية واضحة وتحاسب الفاسدين وناهبي المال العام، وتحاسب أيضاً مجرمي جريمة مرفأ بيروت وكافة الجرائم الأخرى المتركبة بحق الشعب اللبناني، فمعركتنا اليوم معركة كرامة اللبنانيين”.

الكتلة الوطنية
في أسبوع واحد، أصدرت الكتلة الوطنية ثلاث بيانات حول طرح بكركي. استبقت “سبت البطريرك” ببيان، وألحقته بآخر يوم الإثنين، وبثالث يوم أمس الخميس. تمحورت كل هذه البيانات حول توضيح موقفها من طرحي الحياد والمؤتمر الدولي. “الكتلة مع تحييد لبنان وليس حياده” يقول منسّق الإدارة السياسيّة في “الكتلة” أمين عيسى، مشيراً إلى أنّ “الموقف مع التحييد في ظل كل الصراعات الإقليمية، حيث تدّعي أحزاب السلطة السيادة، وتُدخل في الوقت نفسه القوى الإقليمية إلى لبنان، إن كان جهاراً كما يفعل حزب الله، أو بشكل غير مباشر كما تفعل الأحزاب الأخرى. كما أننا مع التحييد لا الحياد لأننا متلزمون بالقضية الفسلطينية ولا يمكن اتخاذ موقف حيادي تجاه ما يعيشه الفلسطينيون ومن ضمن حدود السيادة اللبنانية أيضاً”. أما في ما يخص المؤتمر الدولي، فيلفت عيسى إلى أنّ الكتلة “مع الشرعية الدولية الممثلة بالأمم المتحدة. فلبنان عضو مؤسس وفعال وملتزم. نحن مع المؤتمر الدولي لا التدويل حين يجلس الإيرانيون والأميركيون لحلّ الأزمة اللبنانية”. ويضيف أنه “في ظل تقصير وتمادي المنظومة والطبقة السياسية، نحن مع طلب مساعدة الأمم المتحدة لا اللجوء إلى الدول المنفردة”.

توضح هذه المواقف الثلاثة أنّ الأحزاب الفاعلة في 17 تشرين، لكل منها وجهة نظرها وقراءتها للحياد والمؤتمر الدولي لإنقاذ لبنان. بين الرفض المطلق والداعم مع ملاحظات.
وفي اختلاف قراءة هذه الأحزاب نعود إلى المربّع الأول أيضاً، على مستوى أحزاب الانتفاضة والمعارضة. وهو تباين واختلاف، لا ينحصر فقط بأحزاب الانتفاضة، إنما يتمدّد مع انتشارها في المناطق والأحياء، ويعمل على ضرب تنوّعها في الإضاءة على طرح لم يكن في الحسبان. خرج الطرحان من تحت ماء عكر ملبّد بفساد المنظومة السياسية وفشلها وعجزها، ليضفي التعكير أيضاً على أحزاب 17 تشرين وناسها.