ما يحق وما لا يحق لقوى إنفاذ القانون في منظومة اللاحقّ

من المواجهات في الشارع (أرشيفية حسن عسل)

ان ما حصل أخيرا من استعمال مفرط للقوة على أيدي قوى إنفاذ القانون، يعتبر انتهاكا سافرا لحقوق الإنسان وخصوصاً حرية التعبير والتجمع، ويعبّر عن نقص في المهنية والتدريب.

ذكر التمرّد والطغيان في المقطع الثالث من الاعلان العالمي لحقوق الانسان: “لما كان تجاهل حقوق الانسان وازدراؤها قد أفضيا الى أعمال أثارت بربريتها الضمير الانساني، وكان البشر قد نادوا ببزوغ عالم يتمتعون فيه بحرية القول والعقيدة والتحرر من الخوف والفاقة، كأسمى ما ترنو اليه نفوسهم، ولما كان من الأساسي أن تتمتع حقوق الانسان بحماية النظام القانوني اذا اريد للبشر أن لا يضطروا آخر الأمر الى اللياذ بالتمرد على الطغيان والاضطهاد”.

ففي حال التمرد أو التظاهر، تتعرض غالبا عناصر انفاذ القانون لبعض أشكال العنف ليس ضدّها شخصيا، ولكن لكونها ممثلة للدولة، وهي المسؤولة عن حماية النظام والأمن العام من ناحية، وحماية المتظاهرين من ناحية أخرى، مهمة صعبة وحساسة تضع كفاءات عناصر الشرطة المهنية تحت المجهر وتحت التجربة. هذه الكفاءات تتطلب منهم احترام قواعد قانونية وأخلاقية والا تحولوا هم الى منتهكي المبادئ القانونية والديموقراطية التي تستند اليها الدولة وشرعيتها وشرعيتهم أيضا، بما يهدد تاليا بتدهور الوضع.

تستطيع الدولة في حالة التمرد اعطاء صلاحيات للشرطة بالتحقيق والتوقيف وحتى اذا لزم الأمر اعلان حالة طوارئ وتعليق بعض الحقوق الواردة في بعض اتفاقات حقوق الانسان (المادة الرابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية) بشرط اعلام الأمين العام للأمم المتحدة بالأحكام التي لم تتقيد بها والأسباب التي دفعتها الى ذلك. ولكن لا يمكن لأي دولة أن تعلّق بعض الحقوق مهمت تكن الظروف، مثل حق الحياة ومنع ممارسة التعذيب: “لا يجوز لأي موظف من الموظفين المكلفين انفاذ القانون أن يقوم بأي عمل من أعمال التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة، أو أن يحرض عليه أو أن يتغاضى عنه، كما لا يجوز لأي من الموظفين المكلفين انفاذ القانون أن يتذرع بأوامر عليا أو بظروف استثنائية كحالة الحرب، أو التهديد بالحرب، أو احاقة الخطر بالأمن القومي، أو تقلقل الاستقرار السياسي الداخلي، أو أية حالة أخرى من حالات الطوارئ” (المادة الخامسة من مدونة سلوك للموظفين المكلفين انفاذ القانون 1979).

يحق لقوى الأمن توقيف الأشخاص إذا تعرّض أحد أفرادها للخطر، على أن يخضع الموقوفون لمحاكمة شفافة وعادلة. ولكن منذ اللحظة التي يتم فيها توقيف أحد الأشخاص، لا يجوز توجيه أي ضربة أو إهانة (تعذيب جسدي أو معنوي) وهذا ما تمّ تجاوزه على أيدي عناصر إنفاذ القانون منذ بداية الثورة، حيث تمّ توجيه الضربات والإهانات وخصوصاً الجنسية منها إلى النساء أثناء التوقيف وبعده، وكأنها عملية انتقام وليست عملية نظام وإنفاذ قانون.

أما بالنسبة إلى استعمال القوة ضد المتظاهرين، فالشرطة لا يمكن أن تستعمل القوة الا استثنائيا وبشرط احترام مبدأين اثنين: الضرورة القصوى ومبدأ التناسبية. هل استعمال القوة ضد المتظاهرين كان أمرا ضروريا؟ وهل احترم مبدأ النسبية؟ هل يستدعي الرشق بالحجار وقناني المياه الرد بالقنابل المسيلة للدموع والضرب؟

لا يجوز استعمال الأسلحة النارية الا “عندما يبدي الشخص المشتبه به في ارتكابه جرما، مقاومة مسلحة أو يعرض حياة الآخرين للخطر بطريقة أو بأخرى وتكون التدابير الأقل تطرفا غير كافية لكبح المشتبه به أو لالقاء القبض عليه” (المادة الثالثة من مدونة السلوك). كذلك ان استخدام القنابل المطاطية غير مبرر وغير قانوني لعدم وجود خطر حقيقي على حياة عناصر الشرطة أو عناصر التظاهرة، وخصوصاً أن عناصر مكافحة الشغب كانوا مجهزين بأجهزة وقائية مثل الخوذ، الدروع، ماسك واقٍ من الغاز، سترة واقية… وهذا ما يفرضه القانون لحماية أنفسهم ولتجنيبهم استعمال القوة، وهذه حمايات كافية لتفادي الحجار وقناني المياه.

لاستعمال القوة قاعدة أخرى وهي التدرج في استعمالها وضرورة القيام بتحذير شفهي واضح قبل استخدامها.

هذا من الناحية القانونية والاخلاقية، أما من الناحية العملية، فإن استعمال القوة في وجه المتظاهرين والمتظاهرات يؤدي الى استعمال القوة من قبل هؤلاء أيضا، وإلى استثارة المزيد من الغضب، وتالياً الى تصعيد العنف وتحويل الصراع بين الناس وعناصر القوى الأمن الداخلي الذين هم أبناء الشعب ويتعرضون أيضا لأنواع الظلم والفساد على يد المنظومة الحاكمة.

ان تدريب عناصر الشرطة يجب أن يشمل عملية “ضبط النفس والأعصاب” وخصوصاً في حالة الشغب والتظاهر، ويتطلب إجراء تقييم دوري لحالة عناصر الشرطة العقلية والجسدية للتأكد من قدرتهم على الحكم السوي على المواقف وتقييم الحالات التي يمكن استعمال فيها القوة وضبط اعصابهم في حال استفزازهم من المتظاهرين.

تقع على الشرطة مسؤولية حماية حرية التعبير، وحرية التجمع، وغيرها من حقوق الانسان، والأهم تقع على مديرية قوى الأمن الداخلي التحقيق ومحاسبة المسؤولين عن كل انتهاك لحقوق المتظاهرين والمتظاهرات، وكل سوء لاستعمال القوة، على أن يكون التحقيق شفافا والمحاكمة عادلة لا تطال فقط العناصر بل كل من أعطى الأمر باستعمال القوة وخصوصاً الرصاص المطاطي.

إن المسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق جميع الأطراف، أكانوا في السلطة أم خارجها، أكانوا من أهل الحكم أم من قوى الاعتراض والتمرد والرفض، هي في اعتبار القانون الملاذ الأول والأخير، لقيام دولة الحقّ والحرية والديموقراطية والمساواة.

هذا هو التحدي الذي يجب أن نجتمع تحت سقفه، للانتقال من منظومة اللاحقّ إلى منظومة الحقّ، ومن دولة اللاقانون إلى دولة القانون.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*