ما هي حسابات “حزب الله”… وحراك الشارع يوشك أن يطوي شهره الأول؟

الجيش يعيد فتح طريق جل الديب الداخلية (حسن عسل).

عندما بدأت الحواجز تُنصَب على الطرق الرئيسية في العاصمة والمحافظات لتقطعها على نحو غير مألوف، بعد وقت قصير جدا من انتهاء المقابلة التلفزيونية الأخيرة لرئيس الجمهورية العماد ميشال عون، والتي ترافقت مع موجة عارمة من الفوضى والفلتان، استقرت القيادة المولجة بالمتابعة في “حزب الله” على المعطيات والوقائع الآتية:

– ان الحراك الشعبي العفوي الذي انطلق قبل نحو شهر، قد آل الى عجز وضمور بعدما تناقص الى اقصى الحدود عديد المشاركين في ساحاته الاساسية، لاسيما ساحة رياض الصلح، وتالياً وجدت القوى الثلاث، أي “تيار المستقبل” والحزب التقدمي الاشتراكي وحزب “القوات اللبنانية”، ان عليها ان تبادر الى أخذ زمام الامور والمبادرة بيدها مباشرة، بعدما مارست في السابق دور الراعي غير المباشر والمستفيد الاول والمراهن الدائم على تجديد زخم الحراك ومنعه من التوقف كلما لمست منه ضعفاً ووهناً وانكماشاً.

– بعد التطورات الدراماتيكية المتسارعة في الشارع، صار واضحاً ان المرحلة الثالثة وربما الاخيرة من الهجوم المضاد للقوى الثلاث قد انطلق، والمراد منه تحديداً الحصول على مزيد من الاوراق لتقوية وضعها وموقفها في المرحلة التالية لبلوغ ثلاثة أهداف اساسية هي: الاستجابة لتعهدات اعطتها سابقاً الى غير جهة، وقطع الطريق تماماً امام الرئيس سعد الحريري للعودة الى رحاب التفاهم الرئاسي او ما قد يكون على غراره، وثالثاً الحيلولة دون نهوض حكومة جديدة وفق التوجه العام الذي أعلنه ثلاثي حركة “أمل” و”حزب الله” و”التيار البرتقالي”، أي حكومة تكنو – سياسية، والأهم وفق توازنات الحكومة السابقة المستقيلة، واستطراداً بما يحاكي التوازنات التي كرّستها الانتخابات النيابية الاخيرة.

وأمام المشهد المحتدم الذي سُجل ليل الثلثاء الماضي، وعلى وقع الانباء عن حواجز نزلت بالجملة لقطع الأوصال، وجدت قيادة “حزب الله” نفسها مجبرة على رد عاجل على فيض من الاسئلة المتوترة التي وصلت اليها من بيئتها الحاضنة والمتمحورة حول ما العمل؟ وما هي السبل التي ينبغي سلوكها للرد على هذه التحديات وعرض العضلات التي تتم مكشوفة لانه لا يمكن السكوت بعد اليوم؟

وعليه أتت الاجابات القاطعة على لسان رئيس شورى التنفيذ في الحزب السيد هاشم صفي الدين في لقاء عقده مع كوادر متقدمة وفاعليات اكاديمية أتت ساعية الى ايجاد الرد: “ان الحزب ليس في وارد استخدام القوة والدخول في ميدان الرد على الاستفزاز والتحدي بالمثل، لانه لم يحصل ما يضغطنا في الشارع”.

ونقل الذين حضروا اللقاء الى القاعدة الجماهيرية العريضة “تعليمة” وأمر عمليات فحواه الآتي: “عليكم بسلاح الصبر والتعاطي مع جنون الآخرين وجنوحهم الى التوتر المفتوح بأقصى قدر من ضبط النفس نسجاً على المنوال عينه الذي نسجنا عليه وقاربنا به التطورات منذ بداية الحراك الشعبي”.

واكثر من ذلك، خرج المشاركون في اللقاء بانطباع مضمونه وجوهره ان الحزب وحلفاءه المعروفين قد نجحوا الى حد بعيد في القبض على زمام الامور والخروج من حالات التروّي والترقب، وربما التردد والارباك، التي وسمت برنامج تحركهم في الايام الاولى لحراك الشارع، وذلك انطلاقاً من رزمة معطيات توافرت لاحقاً، أبرزها:

– لا يمكن أي حكومة جديدة ان تبصر النور في يوم من الايام ما لم تكن حكومة تكنو – سياسية، مما عنى ان لا مكان اطلاقاً لحكومة تكنوقراط بحتة وفقاً لما يطالب به البعض ويصر عليه.

– في الحوار الطويل كحزب وحركة وتيار مع الرئيس سعد الحريري، تعمَّد هذا الثلاثي ألا يشرع في هذا الحوار إلا بعد مضي نحو عشرة ايام على استقالة الرئيس الحريري، وذلك بهدف “تبديد عنصر المباغتة وذروة الضغط”، استناداً الى ما صرح به السيد صفي الدين.

واستتباعاً، يكشف صفي الدين ان الحريري انطلق في حواره مع موفدي هذه القوى الثلاث “بسقف شروط مرتفع، ولكن نتيجة صبرنا اضطر (الحريري) الى خفض السقف، والموضوع الآن صار موضوع اسماء، وهو يشترط ألا تكون الحكومة المقبلة حزبية بارزة، أي تضم اسماء حزبية غير مشهورة (اي ليست من الصف الاول)”.

وبحسب الانطباع المكوَّن عن الحريري نتيجة اللقاءات التي أُجريت معه تباعاً، فانه “بدا دوماً مربكاً الى حد ما وغير ثابت على مواقفه وشروطه، وانه لا يلبث ان يتراجع الى الخلف، وسرعان ما يتحلل من تعهدات كان يبديها، وكثيرا ما ردد خلال هذه اللقاءات لازمة غريبة ومثيرة للتساؤل، وهي انه غير مستعجل ليؤلف هو الحكومة المقبلة “اذ يمكنني ان اعود الى الرئاسة الثالثة على حصان ابيض”، وهو النص المصطلح الذي استخدمه في حواراته الستة مع القوى المعروفة. وهذا ما اوحى للمتابعين والراصدين ان صدر الرجل وعقله الباطني ينطويان على رهان ضمني بان امور اي تشكيلة حكومية تتم من دونه ستؤول عاجلا ام آجلا الى انفراط عقدها والى التداعي، لانها غير قادرة على جبه الضغوط والاعباء الملقاة على عاتقها، مما يوفر الفرصة لعودة مظفرة له الى سدة الرئاسة الثالثة، اي عودة المنقذ وخشبة الخلاص.

والاستنتاج الآخر الذي خرج به اولئك المتابعون لدورة هذه الاتصالات، هو ان الحريري مازال يحبذ ان يعود الى المنصب الذي استقال منه لكنه يقع تحت وطأة ضغوط تملي عليه هذا السلوك المتردد، وذلك بناء على اكثر من اعتبار واكثر من هاجس له صلة بالمستقبل السياسي.

وبناء عليه، فان ثلاثي الحزب والتيار والحركة لا يخفي اطلاقاً انه ما زال يحبذ التشارك مع الحريري في اي تشكيلة حكومية جديدة “لكي لا يعطي الاميركي اي مكسب جديد، خصوصا ان هذا الاميركي مستعجل كي يربح في ظل هذه الازمة لتحسين شروط وجوده في الحكومة، لاسيما ان لبنان على وشك اكتشاف الغاز والبدء باستخراج النفط”، على حد قول الشخص الثالث في قيادة الحزب.

واللافت في هذا السياق ما كشفه صفي الدين من ان “الاميركي يرسل الينا من يفاوض على تقديم تنازلات في مقابل لملمة الوضع، ولكن لن نعطيه بالسلم ما لم يحصل عليه في الحرب”.

وعليه، وبعد ما يقرب من شهر على الحراك الشعبي، فان الحزب وحلفاءه المطمئنين الى اكثرية نيابية مريحة في المجلس، والمطمئنين الى “ثبات رئيس الجمهورية واستعداده للذهاب الى اكثر مما نتوقع لجهة تحالفه مع المقاومة”، وفق صفي الدين، قد وجد نفسه اكثر من اي وقت في موقع الفاعل المطمئن، في حين ان خصومه صاروا في موقع رد الفعل واللجوء الى الخيارات المنهكة.

ibrahim.bayram@annahar .com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*