الرئيسية / home slide / ما هو التاريخي التراثي في منطقتنا ولماذا نحافظ عليه؟ [5]: الجميزة… هوية الأمكنة والمشهد المرئي الساحر

ما هو التاريخي التراثي في منطقتنا ولماذا نحافظ عليه؟ [5]: الجميزة… هوية الأمكنة والمشهد المرئي الساحر

I – في الجميزة، عند بولفار جورج حداد
بوَّابة طريق طرابلس القديمة.
في جغرافية الأمكنة. في الأمكنة هناك، منبسطٌ ضيّق، عند تلَّة الأشرفيَّة، يمتدّ بموازاة هذه التلَّة، من محلَّة التباريس، إلى منطقة السراسقة. وينحدرُ نحو الصيفي، باتجاه المدوَّر والبحر. يتّسع هذا المنبسط أحياناً، ليصل إلى جدار التلة في أعلاها، حيث قصر آل سرسق. في طرقات الأمكنة، طريق طرابلس القديمة، والطرقات الجانبية، والأدراج، والمنحدرات. تفترش طريق طرابلس القديمة، كامل المنبسط. يحدُّها النسيج المبني من الجانبين، ويرسم حدود شارع غورو. النسيج المبني في هذا الشارع، كثيف، متلاصق. طريق ينحدر من محلة التباريس، ويصل إلى شارع غورو – الجميزة، بعد المباني التي ترسم مدخله، غرباً. وعند طرفه الشرقي، يتصل الشارع بطريق الجعيتاوي. وفي الطرف ذاته يتصل بشارع الصيفي، ويرسُم مبنى نصف دائري مطلّاً يدلُّ على حدود الجميزة. في الواجهة الجنوبية للشارع فجوات فيها أدراج أحياناً، ونسيج مبنيُّ، غالباً. وفي منتصف الشارع، الدرج الرئيس درج مار نقولا، الذي يربط منطقة الجميزة، بمحلة آل سرسق. يحذو النسيج المبني في الواجهة الشمالية، حذو صنوه في الواجهة الجنوبية. فهو مكتظّ، متلاصِق، وكثيف، يرسم الحدود الشمالية لشارع غورو- الجميزة. يتصل الشارع مرَّات عدة، بشارع الصيفي بطرقات، وأحياناً بأدراج.
II ــ يفصلنا زمن طويل، عن خروج بيروت من أسر سورها
متغيرات كثيرة، حملت معها تحولات عميقة، في عمارة بيروت.
من الضروري، في الجزء الخامس، من هذا النص، الإشارة إلى أن أحمد باشا الجزَّار، أعاد بناء سور بيروت في عام 1830، وأن حملة ابراهيم باشا في عام 1832 قد دمَّرته. وهذا التاريخ، هو بداية توسَّع بيروت، في أماكن متعدّدة، وعلى جانبي طرق رئيسة ثلاثة هي:
طريق بيروت دمشق، أو طريق الشام.
طريق بيروت – طرابلس.
طريق بيروت – صيدا.
وتعكس خريطة بيروت، لنائب قنصل الدانمارك جوليوس لويتفيد المؤرخة في عام 1876 أهمية هذا التوسع.
تحولاتٌ عدَّة، عرفتها العِمارة في بيروت ولبنان، خلال هذا التاريخ الطويل: بفعل المتغيرات السياسية والاجتماعية، وبفعل تعدُّد مواد البناء، وأهمها الإسمنت والخرسانة المسلّحة وبفعل تطوُّر طرق البنيان.
سنقسم هذا التاريخ إلى نصفين:
النصف الأول، من النصف الثاني للقرن التاسع عشر، إلى الاستقلال والجلاء في عامي 1943 و1946.
والنصف الثاني، من الاستقلال وإقرار قانون البناء في عام 1954، حتى اليوم.
موجز المراحل، وموجز التحوّلات في العمارة، في النصف الأول:
ـ أ ـ من منتصف القرن التاسع عشر (1860)، حتى بداية الانتداب الفرنسي في عام 1920. نذكر للضرورة، أنه في عام 1838، عقدت بريطانيا مع السلطنة العثمانية اتفاقية للتبادل التجاري الحرّ. واستقبل مرفأ بيروت السلع البريطانية، ووزَّعها في أراضي السلطنة. اغتنى تجار بيروت، واقتربوا من ثقافة الغرب. فرغبوا بالظهور، وبإبراز ثرواتهم وطريقة حياتهم. فجمعوا بيت الليوان وبيت الرواق. وأنتج هذا الجمع، كما يقول راغت في كتابه «العمارة في لبنان»، نموذجاً جديداً، هو نموذج البيت ذي الفناء الداخلي المفتوح. ثم وجدوا في الجسور الحديدية المستوردة، وسيلة لسقف هذا الفناء وتحويله إلى ليوان وسطي، تحدُّه الغرف من الجانبين، فيه مدخل يتفرع منه ممر ضيق يوصل إلى الحمام المرحاض، الوحيد في المنزل، وإلى المطبخ.
كان السقف ترابياً في البدء على عوارض خشبية تحملها الجسور الحديدية. ثم جيء بعد ذلك بالقرميد، زينة، ثم سقفاً. وكانت الأقواس الثلاثة، بأعمدة الرخام الأنيقة، الوسيلة المتاحة لإنتاج واجهة زجاجية عريضة تُظهر ثراء داخله. كان المنزل بدايةً من طابق أرضيّ يعلوه طابق واحد نصله عبر درج خارجي جانبي. جدران من الحجر الرملي، كانت تحمل البلاط والسقف، والسقف من القرميد لاحقاً. ومع السنوات، ظهر التنوع في الأقواس الثلاثة، كما ظهرت المباني من طابق أرضي فوقه طابقان أو ثلاثة، مع درج خارجي لصيق بالمبنى، يوصلُ إلى الطوابق العليا. خرجت الواجهة الرئيسة من نمطيَّتها، بالتنويع والتزيين في الأقواس الثلاثة وفي النوافذ، وظهر الحجر الرملي في الواجهات أصفر منتظماً، أو غطَّته كسوةٌ إسمنتية مزيَّنة. ثم التصق مبنيان متشابهان حول درج واحد شكَّل جزءاً من الواجهة. نجد مثل هذه الكتابة المعمارية في شارع سبيرز، وفي شارع لبنان… كما سنجدها في الجميزة.

عصف النكبة في مبنى تراثي جميل

ومع هذا التنوع الذي استمرّ ما يزيد على نصف قرن، ثبت نموذج المنزل في مسَّطحه، عند نموذج مسطَّح المنزل ذي الأقواس الثلاثة.
انتهت الحرب العالمية الأولى وهُزمت فيها السلطنة العثمانية. وانتُدِبَتْ فرنسا لتحكم لبنان وسورية. وكان لبنان الكبير بحدوده الحالية، الذي أعلن في عام 1920 من قصر الصنوبر. ومع هذا الإعلان، ابتدأت العمارة الكولونيالية (1920 – 1940). وقد استعرضها روبير صليبا في كتابه «عمارة بيروت، بين التقليد والحداثة»، الصادر عن نقابة المهندسين في بيروت، بداية، ثم عن «دار النهار».
في أواخر العشرينات من القرن الماضي، استوردنا الإسمنت، ثم أنتجناه في السنة الأولى من الثلاثينات. ومع الانتداب الفرنسي والكولونيالية، ازداد الميل العام نحو الثقافة الغربية، خاصة أنّ جامعتيَن قد أنشئتا في بيروت في فترتين متقاربتين من القرن التاسع عشر، الكلية الإنجيليَّة السورية (الجامعة الأميركية في بيروت) مع بلس وبعثته التبشيرية، وجامعة القديس يوسف، مع الآباء اليسوعيين ودورهم التبشيري. مدارس عدة، أنشأتها البعثات التبشيرية في بيروت، ازداد معها التماهي مع الثقافة الفرنسية. رافق ذلك قطع فجّ مع الثقافة المشرقية المحلية. في هذا المناخ الثقافي، استساغ الناس السكن في طوابق متراكمة عامودياً. توجُّهٌ ظهرَ في أواخر القرن التاسع عشر. التماهي مع الثقافة الغربية، والتمكُّن من استعمال الخرسانة المسلحة في الهياكل الإنشائية للمباني المتعددة الطوابق… كل ذلك، جعل العمارة الكولونيالية، المتعدّدة النماذج والأنماط، تملأ شوارع بيروت وشوارع طرابلس أيضاً.
عمارة الفرندا الفسيحة، القائمة على أعمدة أربعة، أمام الواجهة الرئيسة، وفيها الأقواس الثلاثة والنوافذ المتماثلة على الجانبين في شارع سبيرز وفي شارع عبد الوهاب الإنكليزي مثالاً. عمارة الهيكل الإنشائي الخرساني، المتعدّدة الطوابق المزينة والملونة بألوان متعددة، تجدها في شارع سبيرز وفي شارع لبنان، وفي شوارع أخرى منها شارع غورو في الجميزة. عمارة الهيكل الإنشائي الخرساني المتعدّدة الطوابق في كل طابق عدة مساكن (شقق). نجدها في شارع مي زيادة. ومع هذا التعدُّد في نماذج العمارة الكولونيالية، تعدُّد مماثل في معالجات محور الواجهة.
– فتحة واسعة، في الوسط، مع فتحة صغيرة في كل جانب، ومع إلغاء الأقواس أو مع المحافظة على قوس واحد دائري فوق الفتحات الثلاث، مقسوم إلى ثلاثة أقسام، كبير في الوسط، وصغير على الجانبين (بلس، سبيرز…إلخ).
– في محور الواجهة، جسم عاموديٌّ ناتئ، يزيد من عمق الليوان الوسطي، فيه فتحة عريضة واحدة، أو ثلاث فتحات، التي في الوسط عريضة.
ــ غياب الشرفة الرخامة على ركائز من الحجر، واستبدالها بشرفة من الخرسانة المسلحة، فسيحة، محمولة على ركائز من الخرسانة المسلحة.
ــ غياب الدرابزين من الحديد المشغول، واستبداله بدرابزين من الخرسانة المسلحة.
ــ بناء من عدة طوابق، يلتفُّ بالتفاف الشارع، فتلتفُّ معه الشرفات الخرسانية الطويلة، التي يحملها هيكل المبنى (موريس باريس).
في بداية الأربعينات، نجد رغبة بالخروج من العمارة الكولونيالية. يدفع هذه الرغبة الحداثة التي وصلتنا. نتفلَّت من قيود العمارة الكولونيالية، وننتج عمارة أقرب ما تكون إلى الحداثة في رسم المسطَّحات وفي معالجة الواجهات. نجدها في بعض المباني في شارع موريس باريس. أغامر وأقول إن بعضها موجود أيضاً في شارع غورو – الجميزة، موضوعنا.

العمارة الكولونيالية بتفاصيلها وألوانها

* موجز المراحل، وموجز تحوّلات العمارة في النصف الثاني
– قانون البناء:
في المرسوم الاشتراعي – 30/08/1940.
في القانون الصادر بتاريخ – 20/01/1954 وتعديلاته.
في إضافات عام 1971.
في تعديلات عام 1983.
في قانون البناء لعام 2007.
* في 20/01/1954، أُقرّ قانون البناء الذي قسَّم بيروت إلى مناطق، بشروط ارتفاقية مختلفة. أسوأ ما فيه، أن عوامل الاستثمار المرتفعة كانت في قلب المدينة التاريخية، وفي محيطه، أي في كلّ الأماكن التراثية. ووفق المناطق الارتفاقية هذه، كانت المباني المرتفعة، ستقوم في القلب التاريخي قبالة البحر، وفي محيطه. وفي الاستنتاج، إن قانون البناء المقرّ لا يهتمّ بالحفاظ على التراث، ولا يهتم بأن تحْجب المباني المرتفعة البحرَ عن كل النسيج الذي خلفها. رغم هذه السيئات، التزم التوسّع المديني بالبنيان عند حدود التراجع، وتوحَّدت ارتفاعات المباني بموازاة كل شارع وفق عرضه، ووفق التراجع عنه. ورأينا بيروت منتظمة، هادئة، بارتفاعاتٍ تكاد تكون موحَّدة في كلّ الشوارع. رأيناها أفقية، بما لا يزيد عن خمسة أو ستة طوابق. كانت رؤية الشارع وفق قواعد المنظور، أليفة جميلة، إنسانية، بارتفاعها وبنسبها. هاجس وحدة المعالجات في الواجهات، لمسناه في كلّ أمكنة بيروت. الشرفات والنوافذ والمواد والألوان والظلال وكل ما يصنع المشهد المديني وصورة المدينة. إنها عمارة الحداثة الأولى، عمارة الخمسينات والستينات، والتي نجدها اليوم بكلّ جمالها في متفرّعات شارع فردان باتجاه عين التينة. وفي متفرعات بدارو باتجاه منطقة البارك.
عُدّل قانون البناء مراراً، إلّا أنّه حافظ على تجانس عمارة المدينة وجمالها وألفتها. بقي المشهد المديني، موحّداً. وحدةٌ في المفردات المعمارية، ترسُم التناغم، في الواجهات. ووحدةٌ في الارتفاع، ترسم بتناغم، حدود الشوارع.
في عام 1971، كان الراحل هنري إده وزيراً للأشغال. وجرت تعديلات وإضافات في قانون البناء، أهمها ما سمّى بعمارة الـ (18 bis) أي عمارة المادة المعروفة بالمادة 18 مكرَّرة. ومضمون المادة 18 bis هذه، هو أن تترك ربع عقارك الملاصق للشارع غير مبنيّ. عندها يكون غلاف المبنى خطّاً عاموديّاً ارتفاعه ضعف عرض الشارع، يقام على حدود العقار، ويُكْمَلُ بخط منحنٍ بزاوية 45 درجة مع الخط العامودي. يرتفع المبنى عندها، بمقدار بعده عن الشارع ليصل عدد الطوابق فيه إلى 11 أو 12 طابقاً. مثالان على ذلك في مكانين مميَّزين.

درج مار نقولا ملوّناً

أولاً: بناية مسرح المدينة، ربع العقار الفارغ، سمح للمبنى أن يتعدّى الـ 11 طابقاً.
وثانياً: بناية «ما شاء الله» في قريطم شارع ماري كوري، حيث عدد الطوابق في المبنى 11 طابقاً.
إنها البدايات في بيروت العامودية التي تحوطنا اليوم. في عام 1983 كان الراحل بيار خوري وزيراً للأشغال العامة. تابع بيار خوري نهج سلفه، بتعديل كبير في قانون البناء، دفع المدينة للخروج من أفقية عمارتها إلى العمارة العامودية المعمَّمة. مدينة عمارة الأبراج الزجاجية المعمَّمة تبنى في كل الأمكنة، وفي كل المعطيات الطوبوغرافية، وفي كل المتغيّرات المناخيَّة.
في عام 2007 صدر قانون البناء المعمول به راهناً والذي سميناه مرة: قانون التجار، والمضاربين والسماسرة. إنه المحصّلة لكلّ التعديلات السابقة، والتي تدفع باتجاه الحدّ الأقصى من الريع العقاري في كل العمليات العقارية. فهو يزيد عامل الاستثمار الأقصى، ومعدل الاستثمار السطحي، بمقدار نصفه تقريباً. 20 م2 للدرج والمصعد، والجدران الخارجية المزدوجة، خارج عامل الاستثمار. والسماح بإقفال الشرفات، أي زيادة 20% إلى المساحة المبنيّة المقفلة. المحصّلة إضافة 40% إلى عامل الاستثمار العام، وإلى معدل الاستثمار السطحي. وهو يعدّل خطّ غلاف المباني (2,5 من عرض الشارع والتراجع بدل عن 2 في القانون)، كما يعدّل الخط المنحني، بحيث يلبي الغلاف حاجات الزيادة في المساحات المبنية. وهو، في أهم بنوده، يشترط لبناء برج يفوق ارتفاعه 50 متراً، أن تكون مساحة العقار أربعة أضعاف الحدّ الأدنى للإفراز. إنّه التوجّه الأخطر الذي يدفع إلى هدم البيوت التراثية وضمّ العقارات الصغيرة، يُبنى فيها برج يفوق ارتفاعه 50 متراً. إنه تحوّل يهدف إلى دفع مالكي العقارات في المناطق التراثية، مثل الأشرفية والجميزة ومار مخايل والصيفي… إلى بيع عقاراتهم لقاء أسعار مغرية، يضارب بها رأس المال في بناء أبراج، حيث كانت تقوم العمارات التراثية.

III ــ في الجميزة، بوابة طريق طرابلس القديمة
هوية الأمكنة، وصورة المدينة، والمشهد المرئي الساحر. وحدها الصدفة، حافظت، على النسيج المبني التراثي.
عندما اعتُمِدَ في أواسط التسعينات من القرن الماضي، أن تقوم شركة عقاريَّة «سوليدير»، بإعادة إعمار قلب بيروت التاريخي، وجدت «شركة الهدم والردم» هذه، بالصدفة، أن نطاق عملها قد رسم حدوده، مخطَّط المحترف الباريسي للتنظيم المديني (Apur)، المعدُّ في عام 1977.
أرغمت صدفة الـ Apur على أن تقف جرَّافات الهدم والردم عند شارع جورج حدَّاد. فأصبح بذلك حدوداً إلزامية. رضخت «شركة الهدم والردم» لصدفة الحدود هذه، فوسَّعت الشارع، وجعلت منه بولفاراً فيه مساران ونفق، يزنّر قلب المدينة التاريخية في شرقه. كما زنَّرته ببولفار الرئيس سليمان فرنجية في غربه (شارع فخر الدين). وكانت جادة الرئيس اللواء فؤاد شهاب، قد زنَّرته في جنوبه. فعُزِلَ قلب المدينة عن جسدها. ثم عمدت «شركة الهدم والردم» ذاتها، إلى هدمِ كامل النسيج المبني على جانبَي طريق طرابلس القديمة، والذي يقع داخل حدودها.
قلب بيروت اليوم، في المشهد المديني، فارغ. يخنقه حزامٌ عريضٌ قاطعٌ. عند حدوده الشرقية، مبنيان متشابهان، في الكتلة وفي الارتفاع وفي السقف القرميدي وفي بعض المفردات في تيبولوجية الواجهات. إنهما بوابة شارع غورو – الجميزة. ولو تخيلنا قوساً مزيّناً، بالأغصان وبالأزهار يجمعهما لصنعنا بذلك معلماً يرمز إلى انتصار الجميزة – شارع غورو وامتداداتها في مار مخايل وشارع أرمينيا، على جرَّافات «شركة الهدم والردم». يشكّل المبنيان بوابة منطقةٍ قاومت، كما قاوم كل جوارها. فصمد، وانتصر.
خلف الواجهتين البوابة، ضُمَّة من المباني التراثية. أهمُّها مبنيان متماثلان التصقا حول درج مشترك أصبح محور المجموعة، وجزءاً بارزاً من عمارة المكان.
كل مبنى، من طابق أرضي وطابقين علويين. الأقواس الثلاثة موجودة في الطابقين العلويين. القوس في الوسط أكثر عرضاً من القوسين على جانبيه. الشرفة الرخامية مكرَّرة في الطابقين العلويين، مع الدرابزين من الحديد المشغول الأنيق. تحوط نافذتان الأقواس الثلاثة في كل طابق. كما يزنّر كل نافذة إطار ناتئ مزيَّن. في الطابق الأرضي من كل قسم، أبواب المحلات التجارية عريضة، محدَّدة بإطار مزينٍ ناتئ، وقوسٍ منحنٍ في أعلى كل باب. وحده، باب الدرج المشترك ضيق، يعلوه بعد العتبة، قوس دائري. المدهش في هذا المشهدِ المرئيّ الساحرِ أن المفردات المعمارية قليلة، توزيعها، وتناغمها، تساهم مجتمعة في كتابة السحر في المشهد. يوحّد كل هذا، الحجر الرملي الظاهر ولونه الأصفر الهادئ.

العمارة الكولونيالية بألوانها الزاهية

يخترق هذا المشهد التراثي النادر، مبنى خرساني حديث من طابق أرضي، تعلوه سبعة طوابق. الهيكل الخرساني متين ثابت، وكل الزينة في الطوابق ثابتة هي الأخرى. أشير إلى هذه التفاصيل بشكل عابر، (لأنني سأعالج في جزءٍ مستقلّ مسألة الدمار الناجم عن النكبة، عنوانه، عصف النكبة في تراث الجميزة، وفي امتداداتها، وفي جوارها).
بعد هذا المبنى قبالة مبنى «الفرير» المدرسة والكنيسة، مبنى عمارته هجينة، لا قيمة معمارية له. نشير هنا إلى أن مؤسسة «فرير القلب المقدس» كنيسة ومدرسة ومبنى ملحق، تمتد طويلاً في الواجهة الشمالية لمنطقة الجميزة- شارع غورو. ثم يليها بعد عدد من المباني، المبنى الحديث المرتفع لمخفر قوى الأمن الداخلي في الجميزة، فيزيّف هذا الامتدادُ معظم الواجهة الشمالية للمنطقة.
يلي هذا السياق، من تراكُم التاريخِ في عمارة الجميزة، فجوة في الواجهة الجنوبية، تحدُّها في جانبيها عمارة الحداثة التي وصلتنا. وفي فجوة أخرى تليها مبنى كولونيالي مختبئ بألوانه الهادئة، وبضع عمارات تعود إلى حداثة الخمسينات. سياق عام من المباني التراثية المتتابعة تاريخياً، قطعته عمارة الحداثة زرعها رأس المال في وسطهـا. ثم يقفز تاريخ البنيان في الجميزة – شارع غورو إلى عشرينات وثلاثينات القرن الماضي. فهذه عمارة كولونيالية من طابق أرضي وثلاثة طوابق علوية. هيكلها من الخرسانة المسلحة. البارز من هذا الهيكل مزيّن بزخارف كلاسيكية المرجع. المفردات المعمارية في واجهة المبنى مستوحاة من واجهة البيت البورجوازي، ذي الأقواس الثلاثة. بما يحملنا على التأكيد، بعد التجربة في نماذج أخرى، أن تيبولوجية مسطّحه، مستوحاة أيضاً من تيبولوجية مسطَّح البيت البورجوازي ذي الأقواس الثلاثة. المبنى أنيق جميل، تغلّفه كسوة إسمنتية زُينت بلون أخضر هادئ. يستمرُّ الزمن الكولونياليُّ بعد هذا المبنى، عبر مبنى كولونياليّ قديم فقد كل قيمه.
الحنين إلى الزمن التراثي الأصيل يعود إلى واجهة الشارع، عبر مبنى تراثي من طابق أرضي وطابق أول. نقرأ في الطابق الأول هذا، عمارة بيت الليوان، الآتية من بيروت التي خرجت من أسر سورها.
ويأبى رأس المال، إلّا أن يمارس دوره في قطع التواصل التاريخيّ والتناغم المعماريّ والثقافيّ، فيزرع في هذا المكان العابق بالتاريخ، في واجهتيه الجنوبية والشمالية، عمارة خرسانية حديثة، تحكي واجهتها وموادها، لغة عمارة الثمانينات من القرن الماضي. أي تفصلها عن لغة بيت الليوان التي سبقتها، ما يزيد على قرنٍ كامل. وتأبى الفجوات التي تلي في جدار الشارع، إلّا أن تبالغ في تكرار لغة الحداثة الجافة، أو أن يكون فيها درج، يطلّ عليه برج عمارة القرن الواحد والعشرين، وقد نطح السماء في مرتفعات الأشرفية.
وفي هذا العبث الرأسمالي، بين التراث الأصيل والبنيان المعولم، يعود بنا جدار الشارع إلى التتابع التاريخيّ المنطقيّ. أي الانتقال من عمارة النصف الثاني من القرن التاسع عشر التي سادت طيلة ما يقارب سبعة عقود، إلى العمارة الكولونيالية في العشرينات والثلانينات من القرن الماضي.

سياق عام من المباني التراثية المتتابعة تاريخياً، قطعته عمارة الحداثة، زرعها رأس المال في وسطها


نماذج متعدّدة من العمارة التراثية التقليدية. مبنى من طابق أرضي فوقه طابق علوي واحد، أو طابق أرضي يعلوه طابقان أو ثلاثة. والمفردات المعمارية في كل هذه الحالات معروفة. في الواجهة الجنوبية للجميزة – شارع غورو، أو في واجهته الشمالية.
امتداد طويل في الواجهة الجنوبية للجميزة – شارع غورو، لهذه العمارة التراثية العريقة. تبنى الطوابق فيها، على جدران حاملة، من الحجر الرملي العتيق، الظاهر بوضوح في الواجهات. بلغة معمارية مفرداتها موروثة، في مقدمتها الأقواس الثلاثة، والأعمدة الرخامية الأنيقة، بتناويع غنية متعددة.
ينهي هذا الامتداد الجزئي من مسار الجميزة – شارع غورو الطويل، مبنى كولونياليّ من طابق أرضي تعلوه ثلاثة طوابق، تغلّفه كسوة إسمنتية زيَّنتها ألوان زاهية.
نموذج فريد نجده بعد كل هذا التتابع التاريخي والمعماري. إنه بيت آل داغر الذي لا يزال يحافظ على الحديقة التي نما فيها. فهو رماديّ، من طابقين، أرضي يعلوه طابق واحد، يشبه بيت آل الكستي في زقاق البلاط. نصل إلى الطابق الأول عبر درج خارجي، يخترق الواجهة الجانبية الغربية للطابق الأول. هوية منطقة الجميزة – شارع غورو واضحة، في التحليل التفصيلي للعمارة، مواد، ولغة، ومفردات، في هذا المسار الطويل الذي سلكناه.

قلب بيروت اليوم، في المشهد المديني، فارغ يخنقه حزامٌ عريضٌ قاطعٌ


تتأكد الهوية، الهوية المميزة بنماذج العمارة التراثية المتتابعة، قبل درج مار نقولا وبعده. وتفاجئُنا عودة بيت الليوان التراثي الأصيل، في الطابق الثاني من مبنى من طابق أرضي وطابقين علويين موروث ومستمر الوجود هناك. وتسبق كلية الثلاثة الأقمار الأرثوذوكسية (وهي مصابة الآن)، زاوية رائعة. العمارة فيها، تعود كلها إلى الزمن الكولونيالي، وتستعمل المفردات ذاتها. لكن الكتابة الكاملة للواجهات تأتي أنيقة جميلة، متميزة في وحدتها وفي انتمائها.
بعد الزاوية هذه، وبعد كلية الثلاثة الأقمار الأرثوذوكسية، مبانٍ قديمة متهالكة تُهدم.
في هذا المكان من الامتداد التراثي المتراكم، وعند التفاف الجميزة – شارع غورو صعوداً باتجاه الجعيتاوي، ينتصب برج زجاجي بهيكل خرساني، وكأنه يشير في موقعه وبعمارته، إلى نهاية الزمن التراثي الساحر، وبداية زمن العولمة الراهن، والعمارة فيه خالية من أيّ معنى، وليس للمعمار فيها أي دور، سوى تزنير الكتلة التي طلبها رأس المال بالزجاج، كما يقول المعمار الفارو سيزا. الالتفاف هناك مزدوج، كما أشرنا سابقاً. والعمارة نصف المستديرة عند الالتفاف، تنظر إلى منطقة مار مخايل، وتطل عليها عند منطقة القطع الفج في النسيج، لتقول بلغة الدلالات: إنني سأكمل مساري، والطريق لا يزال أمامي.

* معمار لبناني