الرئيسية / home slide / ما هو التاريخيُّ التراثيُّ في منطقتنا ولماذا نحافظ عليه؟ [7]: مار مخايل… تمدُّد النسيج المديني وضياع هوية الأمكنة

ما هو التاريخيُّ التراثيُّ في منطقتنا ولماذا نحافظ عليه؟ [7]: مار مخايل… تمدُّد النسيج المديني وضياع هوية الأمكنة

ثنائيٌّ تراثي مع تنويع في المفرداتI طريق طرابلس، درب النهر، شارع شوكة باشا… شارع غورو

قليل من التاريخ مجدَّداً. نذكّر بالبدايات مع غزوة جيوش ابراهيم باشا، وتدميره سور مدينة بيروت، وطرده في عام 1840. وقصف البوارج الغربية لبيروت ومرفئها، في العام نفسه. لقد دفع كل ذلك، السكَّان، إلى الخروج من المنازل المحشورة، في المدينة التاريخية. خرجوا، لتتوسَّع بيروت، في مناطق عدة. في زقاق البلاط بدايةً، وفي تلّة الأشرفية، تقابلها تلّة المصيطبة. وفي شاطئ منطقة المدوَّر. أهم من كل ذلك، تعزيز الطرق إلى طرابلس، وإلى دمشق- الشام، وإلى صيدا، بالبناء على جانبيها. وبحرصٍ شديد، على أن لا تمسّ طريقا الشام وصيدا، حرش بيروت، الذي يحميها من رمالِ الجنوب. بوادر هذا التوسُّع، فوق التلال، وعلى جانبي الطرقات الرئيسة، نلاحظه بدءاً مـن عام 1840. وبدءاً من العام ذاته، وربما طيلة النصف الثاني من القرن التاسع عشر، البدءُ بتعزيز الطرق الثلاث، إلى دمشق- الشام، وإلى طرابلس الفيحاء، وإلى صيدا.
بعض الإضافات، في تفاصيل تاريخ العمران. الطرقات الثلاث المذكورة، انطلقت كلُّها من الحدود الشرقية للمدينة التاريخية. أي من المجال الفسيح الذي يحدُّها شرقاً، والممتدّ من البرج في أعلى جنوب هذا المجال، إلى أسفله شمالاً، حيث يوجدُ باب السراي. وقد سمّي هذا المتسع لاحقاً ساحة البرج، وبعدها ساحة الشهداء.
من الزاوية الجنوبية، في أعلى جنوب هذا المتَّسع الفسيح، انطلق طريق الشام. طريق قديم، تمَّ تعبيده مجدَّداً في عام 1863 من دون تعديل. سلكته السيَّارات في عام 1880، وأُنجز بناءُ سكَّة الحديد دمشق – بيروت – حلب في عام 1895.
على جانب هذا الطريق، نجد مقرَّ الآباء اليسوعيين، والجامعة اليسوعية (كليَّة الطب، وكلية العلوم الطبية). كما نجد على الطريق ذاته، مدافن تعود إلى الإنجيلييّن، وأخرى إلى اليهود، وإلى الموارنة. أما الطريق إلى صيدا، فينطلق من امتدادٍ إلى حدودِ تلَّة القشلة (السراي الكبير اليوم)، مروراً بمنطقة الباشورة، ومحاذياً لمدافنها. وهي المدافن الكبرى للمسلمين، داخل المدينة، والتي لا تزال صالحةً، حتى اليوم. ومن الزاوية الشرقية في أعلى جنوب المتَّسع الفسيح المذكور، انطلق طريق طرابلس. وسيكون هذا الطريق، جزءاً من موضوعنا في هذا القسم. وفي القسم الذي سيليه. سُمّي هذا الطريق بداية «درب النهر». ثم سمّي «شارع شوكت باشا»، ثم سمّي في زمن الكولونيالية الفرنسية «شارع غورو» في عام 1919، في عهد المفَّوض السامي الفرنسي غورو الذي أعلن قيامة لبنان الكبير في عام 1920.

II ـــ مار مخايل… درب النهر، وشارع أرمينيا: جغرافية الأمكنة، والمعطيات العمرانية الرئيسة
في المعطيات العمرانية الرئيسة، بداية. ننهي جولتنا في الجمَّيزة «شارع غورو». نتجاوز طلعة العكاوي. خلفنا، المبنى نصف الدائري، الذي يرسم الالتفافة التي تصلنا بشارع باستور، في منطقة الرميل. المعطى العمراني المديني الأول. إنه بضعة مبانٍ في الواجهة الشمالية، ثم المعطى العمراني المديني الصدمة. مؤسَّسة كهرباء لبنان الضخمة، المبالغ بارتفاعها وبتمدُّد واجهتها. وهي تواجه المرفأ قبالتها. طريق صاعد يُجاوِر المؤسَّسة ويربط جادة شارل حلو بمنطقة مار مخايل، درب النهر، شارع أرمينيا. فجوة واسعة في المجال تلي الطريق. بعد الفجوة، مجموعةٌ من الأبراجِ الشاهقة الارتفاع. زجاجية، سوداء بسواد الألمنيوم الذي يغلّفها. متباعدة. تتجاورُ دون أيّ جهدٍ تخطيطيّ أو جماليّ. مجموعة من الفجوات الفسيحة، تقطع التواصل بين الواجهة الشمالية في شارع باستور، والواجهة الشمالية في مار مخايل درب النهر….، تُطل على المرفأ، وتكاد تلتصق به. إنها الفجوات البَّوابات العملاقة التي اقتحمها عصف النكبة، وضرب النسيج المبني في واجهتي مار مخايل الجنوبية والشمالية بشدَّة. وتعدَّاها إلى أعالي تلَّة الأشرفية، في منطقة شارع الخازنين المطلَّة. وفي أماكن أخرى، تجاورها أو تعلوها.



نموذج فريد في ثنائي كولونيالي ميزتُه عدد الشرفات في الطابق الواحد
المعطى العمراني المديني الثاني هو محطَّة سكة الحديد بيروت – دمشق. المحطَّة موجودة في قلب الواجهة الشمالية، منذ عام 1895. يدلُّ ذلك، على أنّ وجودها في الواجهة، قد سبق وجود معظم المباني، في الواجهتين، الجنوبيّة والشماليّة. في جغرافية الأمكنة. سنتوقف بدايةً، عند جغرافية الأمكنة. لأن المعطى العمرانيّ المدينيّ الثالث، هو من نتاج هذه الجغرافيا. فالطريق في مار مخايل درب النهر….، هو أفقي في بدايته، بعد طلعة العكَّاوي، أكرّر، ويستمرُّ أفقياً في موازاة محطة سكة الحديد. ثم يبدأ بالانحدار باتجاه جسر نهر بيروت. أي باتجاه شارع خليل البدوي، وبولفار بيار الجميل. تكثر هناك بعد شارع خليل البدوي، الشوارع الفرعية، المنحدرة بقسوةٍ نحو بولفار بيار الجميل. المعطى العمراني المديني الرابع، الناتج عن هذه الطوبوغرافيا، هو كثرة الفجوات في الواجهة الجنوبية، وفيها طرقاتٌ وأدراجٌ توصل، كما في منطقة الجمَّيزة شارع غورو، إلى الأماكن الخلفية، المختبئة، والتي لم يُصِبها العصف.
نذكر من هذه المعطيات مثالاً فريداً، هو الدرجُ العريضُ، الذي يربط منطقة مار مخايل درب النهر….، قبالة سكة الحديد، بشارع الخازنين، في أعلى تلة الأشرفية. يُطل شارع الخازنين، بانورامياً على المرفأ. وعلى مجمَّع الأبراج حيث الفجوات البوَّابات، التي جذبت العصف، إلى المباني الأبراج، وإلى مرتفعات التلَّة. والمعطى العمراني والمديني الخامس، هو أن منطقة مار مخايل بكنيستها، كنيسة مار مخايل، وبشوارعها، شارع فرعون، وشارع فلمينغ، وشارع مدريد… إلخ، وبكثافة عمارتها، تمتدُّ إلى الشمال، وتحتلُّ كامل الأمكنة، بين طريق النهر، وجادة شارل حلو، المدخل الشرقي لبيروت. تجاوِرُ، في النسيج المديني، مجمَّع مؤسسة كهرباء لبنان، والأبنية البرجية الكارثيَّة، من جهة، وتمتد شرقاً من جهة أخرى، حتى شارع ابراهيم باشا، لصيق محطة سكّة الحديد في بيروت. فالحياة المدينية في هذا الجزء من درب النهر– طريق طرابلس، تبدأ من الكنيسة وجوارها، صعوداً باتجاه الجنوب. فتتخطى درب النهر – طريق طرابلس، لتصل عبر الدرج المعلم ، إلى منطقة شارع الخازنين، حائكة بذلك نسيجاً مدينياً، يربط منطقة مار مخايل، بمرتفعات الأشرفية. تبدو الحياة المدينية هناك، واحدة متشاركة. من جادة شارل حلو، البوابة الشرقية لبيروت، حتى شارع الخازنين، وسائر الأمكنة التي تجاوره، أو تعلوه.

III ـــــ تمدُّد النسيج المديني في مار مخايل طريق النهر وضياع الهوية
نجتاز طلعة العكاوي. أكرّر مجدَّداً. المبنى، الأصفر ذو الواجهة نصف الدائرية خلفنا. إلى يسارنا مبنى مؤسسة كهرباء لبنان، ومجمع المباني البرجية، والفجوات العريضة بوابات الجحيم، التي جذبت عصف النكبة إلى معظم الأمكنة. إنَّه المعطى العمراني الصدمة، نكرّر أيضاً. في الواجهة الجنوبية لمار مخايل، درب النهر وطريق طرابلس. وإلى يميننا في واجهة الشارع الجنوبية، يستمر تمدُّد جدار الشارع الآتي من الجمَّيزة شارع غورو. إنه امتدادٌ من الأبنية الكولونيالية، الموحَّدة الارتفاع، بطابق أرضي يعلوه طابقان، المتجانسة الكتل، المتناغمة الألوان. تنويعاتٌ في تيبولوجية الواجهات في هذه المباني، مصدُرها تيبولوجية الواجهة، في البيت التراثي البورجوازي ذي الأقواس الثلاثة. ثلاث فتحات مستطيلة عامودية في المحور هنا، لا ثلاثة أقواسٍ على أعمدة رخامية. وشرفة من الخرسانة المسلحة، لا نتوء من الرخام على دعائم حجرية. ربما تصحُّ المقارنة، عند متعة النظر إلى الدرابزين من الحديد، المشغول بمهارة وإتقان. يطول المشهد المديني الساحر لكنه لا يستمر. تقطعه بقسوةٍ، عمارةٌ حديثةٌ لا قيمة مدينية لوجودها. وأخرى من نتاج منتصف الستينات، بموازاة أحد الأدراج، وعند زاوية طريق فرعي يتّجه جنوباً. فالحضورُ التراثيَّ في مار مخايل درب النهر قليل التأثير، في مورفولوجية الواجهة الجنوبية للشارع. فالعمارة المختبئة في التجاويف كلُّها حديثة، ومن دون أيّ دور فاعل في رسم صورة المشهد المديني، في الأمكنة.

الزيف في الحفاظ على التراث: الواجهة قناع وفوقها برج قامع
استنتاج يبدو شاملاً، من النظرة إلى واجهة الأمكنة، في نصف امتدادها. ينقضهُ عدد قليل من المباني التراثية، وُجِدتْ بالصدفة هناك. فهذا ثنائي تراثي، يفاجئنا بعد هذا القطع الفج. ثنائيّ يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر. شبيهٌ بالثنائيين اللذين صنَّفناهما، مدخلاً لمنطقة الجمَّيزة. ثنائيّ مؤلَّف من تحلُّقٍ لمبنيين، حول درج مشترك، هو محور التأليف. كل مبنى من طابق أرضي وثلاثة طوابق علويَّة. تأليف محوري حول الدرج في المشهد الكلّي، ومحوريّ مع ثلاثة أقواس في تيبولوجية كل مبنى. تنويعٌ في لغة النوافذ على جانبي المحور، ونموذجٌ جاذبٌ لمعالجة الدرج في التأليف العام. باب المدخل في المحور، يعلوه قوسان على عامود رخامي في كل طابق. الأطر حول الفتحات في الواجهة، مطلية باللون الأبيض. وغاب الحجر الرملي، تحت كسوةٍ كلسيَّة طُليت باللون الزهري الفاتح. نموذج تراثي آخر، أُدخلت عليه بعض التعديلات. قد نحدّد تاريخ بنيانه، في أواخر القرن التاسع عشر. المبنى من طابق أرضي وطابقين علويَّين. تعديلات في أقواس الطابق الأرضي، وفي النوافد على جانبي المحور. نافذتان في الطابق الأول حول عامود رخامي، وقوس نصف دائري فوق كل نافذة. يتكرر التأليف على جانبي محور الطابق. وعلى جانبي المحور في الطابق الثاني، نافذة عامودية مستطيلة. في المحور، الفتحة في الوسط، أكثر عرضاً من الفتحتين على جانبيها. يحاور المبنى، بقايا الطابق الأرضي، من مبنى تاريخي، بحجره الرملي العتيق. نموذج تراثي ثالث، نراه تائهاً وسط جمهرة من المباني الحديثة، المختلفة، بكتلتها، وبعدد طوابقها، وبتيبولوجية واجهاتها.
في الانحدار نحو الجسر، نجد مبنىً عتيقاً من طابقٍ أرضيّ وطابق أول. إنه أشبه بمكعَّب من الحجر الرمليّ العتيق. نموذجٌ فريد، من عمارة ربما وُجدَتْ عند بداية البنيان على جانبي «مار مخايل، درب النهر…، طريق طرابلس». في الطابق الأرضي من المبنى راهناً، ثلاث فتحات مستطيلة وكأنها بوابات لدكاكين صغيرة ثلاثة. أكاد أقول إن المبنى مُتحفيّ، يكاد يكون. وأن الحفاظ عليه ضرورة، لقيمته التاريخية.
وأكثر ما يسيء إلى التراث في هذا الشارع، هو بدعة الحفاظ على الواجهة التراثية، على أن يُبنى خلفها أو فوقها، أحد أبراج العمارة الراهنة. فإحدى الواجهات المحافظ عليها، محمولة الآن، على مجموعة من الدعائم المعدنية، خلفها حفرة عميقة، تستوعبُ عدَّة طوابق سفلية. وحدها الحفرةُ، تدلُّ على العمارة التي ستقوم هناك، خلف الواجهة القناع. بئس هذه الرؤية من الحفاظ على التراث.
وفي مار مخايل، عند طرف شارع فرعون، مثال آخر على واجهة تراثية مجدَّدة، وقد بُنيَ فوقها مبنى من طبقات متعدّدة. لا يصلح الطابق الأرضيُّ فيها لأي أنواع الاستعمال. إذ زُرِعَتْ فيه، غابةٌ من الأعمدة الخرسانية الثقيلة، لتحمل المبنى الذي يعلوها.
في الواجهة الشمالية، لمار مخايل، درب النهر طريق طرابلس، لا تواصل في النسيج المديني المبني، على الجانب الشمالي من منطقة مار مخايل درب النهر…، طريق طرابلس. في الواجهة الجنوبية استمر النسيج المبنيُّ في الجمَّيزة، متواصلاً مع النسيج المبني في منطقة مار مخايل درب النهر، بعد اجتياز طلعة العكاوي.

فوضى النسيج المبني وسوريالية الأبراج
في الواجهة الشمالية، قَطعَ مجمَّع مبنى مؤسَّسة كهرباء لبنان والمباني البرجية، النسيج المبنيَّ هناك، عن النسيج المبني في الجهة الشمالية من شارع باستور، في منطقة الرميل. بعد هذا القطع، تمتدُّ منطقة مار مخايل درب النهر، من شارع الترك، المنحدر نحو جادة شارل حلو شمالاً، حتى شارع ابراهيم باشا، الملاصق لمحطَّة سكة الحديد. تحتلُّ هذه المحطَّة، نصف الواجهة الشمالية للدرب…الطريق، وتقطع بقسوة، أية إمكانية لتواصل البنيان في الجانب الشمالي منه.
يعود النسيج ليستمرَّ، في بضعةِ مبانٍ قبالة الدرج المعلم، الآتي من شارع الخازنين، في أعلى تلة الأشرفية. وفي جيب مثلَّث الشكل، ضلعه الكبير درب النهر، وضلعاه الآخران ينغرسان في خاصرة محطة الحديد، قبالة شارع داود بركات، الذي يربط درب النهر، بشارعَي أسد رستم والقبيات، في التجاويف الجنوبية.
في هذه النقطة من تفرُّعات سكة الحديد، يتحدَّد بدقة، موقع القطع الثالث الفج، في النسيج المبني في الواجهة الشمالية لمنطقة مار مخايل درب النهر.
فعند منعطف السكة، يتوقَّف النسيج المبني شمالاً. فلا بنيان شمال طريق النهر، حتى بولفار بيار الجميل. ويستمرُّ على الواجهة الجنوبية فقط، في شوارع متعدّدة. الرئيسة منها، والمتجهة جنوباً، شارع بني قحطان. وشارع خليل البدوي. وشارع أراكس. وفي كل الشوارع المتفرّعة منها، والمنحدرة نحو بولفار بيار الجميل.
النسيج في الواجهة الشمالية يقسم إلى جزءَين رئيسين:
• منطقة مار مخايل وقد حددناها.
• منطقة الجيب المثلَّث الشكل، عند انعطاف سكة الحديد، إلى المحطَّة وإلى خارجها. مع الإشارة إلى أن نسيج منطقة مار مخايل، يتدرّجُ شمالاً حتى جادة شارل حلو. وهو يمتُّد، في الواجهة الشمالية، ليضم مجموعة من المباني، قبالة الدرج الآتي من شارع الخازنين في أعالي تلة الأشرفية، أكرّر.
ماذا عن العمارة والمدينة، في هذين القسمين الرئيسين، وفي المجموعات المبنية المبعثرة؟ الميزة الرئيسة في النسيج المبنيّ في منطقة مار مخايل، هو أنه بُنِيَ بكامله شمال درب النهر… طريق طرابلس، فكثُرتْ بالتالي الشوارع المتجهة شمالاً، وكثُرتْ معها الالتفافات والزوايا، التي تُجزّئ النسيج المبني بدورها. معظم هذه الزوايا، احتلَّتها، عمارة حداثة الستينات من القرن الماضي. تبعتها على جانبي الطرقات، عمارة الحداثة المتراكمة. من الحداثة الأولى في الخمسينات، وصولاً إلى العمارة البرجية، عند حدود جادة شارل حلو. تشدُّنا بشكل خاص في معظم الأمكنة، عمارة الحداثة الأولى، عمارة الخمسينات من القرن الماضي، وهي الأكثر انتشاراً، مع مفردات متنوّعة في تيبولوجية واجهاتها. النوافذ مستطيلة أحياناً، مربَّعة أحياناً أخرى. تنويعاتٌ هجينة، إذ لا قواعد وظيفية أو جمالية، تُملي مثل هذا النَزقْ. وفي نَزَقٍ آخر، قبالة درج هام، نجد عمارة كولونيالية تعود إلى البدايات، أي البيت ذو الأقواس الثلاثة. أضيفت إليها في محورها، الفرندا المعروفة، والمحمولة على أعمدة أربعة، تجاورها نماذج من عمارة الخمسينات. وفي خلفية هذا النزق، برج ينطح السماء. إنه مشهد سريالي. فالفرق الزمنيُّ بين العمارتين، هو قرن كامل.
ندقّق في قراءةِ المشهدِ المبنيّ أمامنا، فلا نرى أسساً تنظّم العمارة التي بنيت على جانبي الشارع الفرعيّ الضيق. مبنى من طابقين، يجاوره مبنى آخر من ثمانية طوابق. على مسافة منه، مبنى ارتفاعه خمسون متراً. هل نحن أمام واجهة لشارع؟ أمام جدار لشارع؟ هل من معنى لأيّ منظور هنا؟
تزدحم المفارقات في شارع فرعي آخر، وفي زاويته خاصة. فهذه عمارة مع كاسراتٍ للشمس. قبالتها عمارة ملساء، وشرفات ناتئة عند الزوايا. هذه لونها أصفر ونوافذها أفقية عريضة، وتلك نوافذها عامودية ضيقة، ولونها زهري، وشرفاتها بيضاء.
وسط هذه الفوضى، يسحرك مبنى كولونيالي، منظَّم، جميل، يحتلُّ إحدى الزوايا. الواجهة الرئيسة منتظمة، متماثلة، حول محورها. المبنى من طابق أرضي وثلاثة طوابق علوية. في محور الواجهة، ثلاث فتحات مستطيلة عامودية قليلة العرض، في إيحاءٍ عامودي. الفتحة الوسطى، ليست أكثر عرضاً بل أكثر ارتفاعاً. مما يزيد بالإيحاء العامودي. الفتحات على جانبي المحور، تضيف جاذبيَّة إلى الإيحاءَات العامودية للمبنى. المبنى يحتل الزاوية. وكل ما فيه من معالجات تؤكّدُ الرغبة التأليفية بالإيحاء العامودي في الكتلة المبنية.
ثنائي كولونياليٌّ يحتلُّ إحدى الزوايا في منتصف درب النهر، في شارع أرمينيا راهناً. إنه مثال فريد في تيبولوجية واجهة كلّ من المبنيين. في التأليف العام، النموذج أليف، سبق ورأيناه مراراً، في العمارة الكولونيالية المتكررة، في الجميزة شارع غورو أيضاً. الدرج هو محور التأليف المتماثل حوله. ولكن ما يسحر، فهو المفردات المعمارية في واجهة كل من المبنيين.

مبنى مؤسسة كهرباء لبنان ـ الواجهة المتمددة قبالة المرفأ
■ يتألف المبنى من طابق أرضي، وثلاثة طوابق علوية. تنير الدرجَ، فتحتان نافذتان في كل طابق. في رأس الفتحتين، قوسان على عامود رخامي أنيق. في محور الواجهة، الحل الكولونيالي التقليدي. قوس دائريٌّ يعلو ثلاث فتحات مستطيلة عامودية. الفتحة الوسطية أكثر عرضاً من الفتحتين على جانبيها. في المحور شرفة خرسانية ناتئة، تحملها ثلاث قواعد خرسانية مغروسة في جدار الواجهة. الدرابزين من الحديد الأنيق المشغول.
ما يلفت في تيبولوجية الواجهة، بابان – شباكان (porte fenêtre) متماثلان حول المحور. أمام كل باب – شباك، شرفة خرسانية قليلة العرض، ناتئة بدورها، تحملها قاعدتان خرسانيتان، مغروستان أيضاً في جدار الواجهة. في كل طابق من طوابق المبنى شرفة عريضة في المحور، وشرفتان على الجانبين. في كل طابق إذاً، ثلاث شرفات. وفي المبنى الشرفات عددها تسع. وفي التأليف العام ثماني عشرة شرفة. إنه نموذج فريد. وما هو فريد أيضاً، أن في المبنى فرندا كبيرة، مغروسة في جدار الواجهة على الزاوية، ومحمولة على أعمدة في طرفها الثاني. إضافة، تزيد من فرادة التأليف.
تكثر المفاجآت في الواجهة الشمالية. ففي طرف شارع أرمينيا، درب النهر، يفاجئنا مبنى من طابق أرضي وطابق علوي واحد. المبنى حديث. متماثل التأليف حول شرفة عريضة هي تجويفٌ في وسطه. تحوط تجويف الشرفة في الجانبين، نافذة مربَّعة، تبدو كثقب في الجدار السميك. غلاف المبنى من الحجر الكلسي «المبوَّز» الظاهر. كل الفواصل بين حجارة الواجهات ظاهرة، وغائرة. تخاله فيلا في إحدى القرى اللبنانية.

IV ــ خلاصة موجزة في فقرات
– في مار مخايل، درب النهر… طريق طرابلس، نجتاز بدايات الأمكنة، فنفقد التنظيم، وتعمَّ الفوضى، وتغيب الهوية.
– نخرج من شارع غورو. نتجه شرقاً باتجاه النهر. في الواجهة الجنوبية للدرب، يتمدَّد نسيج العمارة الكولونيالية الآتية من الواجهة الجنوبية للجميزة شارع غورو. المباني متجانسة، موحدة الارتفاع. طابق أرضي يعلوه غالباً طابقان. المفردات المعمارية تتكرر في تيبولوجية الواجهات. تعدّدٌ لألوان باهتة متناغمة. بعض المباني التراثية مغروسة هنا وهناك، في النسيج المبني الكولونيالي الجميل.
– في الواجهة الجنوبية للدرب، مُجمَّع مبنى مؤسسة كهرباء لبنان العملاق، والأبراج المعولمة بالانفراجات المتكررة تفصلها. لا تنظيم للمجمَّع. ترتفع هناك لتنطح السماء، بفوضى فاقعة. تقطع انسياب النسيج المبني الآتي من شارع باستور في منطقة الرميل. المباني المتباعدة، شكَّلت بوَّابات العصف إلى المنطقة بكاملها. ما يجاورها، وما يعلوها. إنه مجَمَّع الصدمة كما سميته.

أكثر ما يسيء إلى التراث هو بدعة الحفاظ على الواجهة التراثية، على أن يُبنى خلفها أحد أبراج العمارة الراهنة

– منطقة مار مخايل مع الكنيسة، حدودها درب النهر جنوباً، وجادة شارل حلو شمالاً. وداخل هذه الحدود، حيك النسيج المبني، بين شارع الترك غرباً، وشارع ابراهيم باشا شرقاً. الشوارع الرئيسة منحدرة من الجنوب باتجاه الشمال. يربط بينها متفرعات عديدة أهمُّها شارع فرعون الذي يحاذي الكنيسة. تكثر في هذا النسيج، الزوايا، والالتفافات، والطرقات المقفلة. ومع تعدد الأمكنة وتنوُّعها، تتراكم عمارة الحداثة بأجيالها المتعاقبة، في غياب كامل لبديهيات التنظيم المديني، فتعمُّ الفوضى المدينيَّة والبصريَّة. نسيج مدينيّ هجين شبه أفقي، ينتهي، ببرج صادم بعمارته وبارتفاعه. إنها الفوضى.
ــ ينتهي النسيج المبنيُّ في مار مخايل، مع بداية مجمَّع سكة الحديد. مجال فسيح يحتلُّ نصف الأمكنة. إنه مجال مؤذٍ، بيئياً، ومدينياً، وجمالياً. يُستعمل راهناً، لركن كل الآليات العتيقة والمعطَّلة. باصات النقل المشترك. سيارات الصليب الأحمر المهترئة. آليات الدفاع المدني الخربة. المشهد صادم كارثيّ.
ــــ في الواجهة الجنوبية لدرب النهر… طريق طرابلس، قبالة محطة سكة الحديد في حدودها الغربية، يتسلَّق المرتفعات درج مهيب، يصل منطقة مار مخايل، بشارع الخازنين، في أعلى تلة الأشرفية، وبكل ما يجاور الشارع أو يعلوه. نسيج مبنيّ في جزءَين على منسوبين، يربطهما هذا الدرج. فتبدو المدينة في هذه الأمكنة، متدرّجة، تحتضن نسيجاً اجتماعياً واحداً، يتواصل، وهو يعيش على مناسيب مختلفة.
ــــ يتسارع انحدار المسار باتجاه النهر، في شارع أرمينيا، حيث يوجد شارع خليل البدوي، وشارع أراكس، وشارع القديس وارطان، وكل المتفرّعات المنحدرة شرقاً نحو بولفار بيار الجميل. في هذه الأماكن كلّها، بديهيَّات التنظيم المديني غائبة. الحداثة المتراكمة المتعدّدة الأجيال، تغزو الأمكنة. الارتفاعات المختلفة الصادمة. الزوايا بمعالجات مدينية إلتقائية، وبعمارة هجينة، لا معنى لها. إنها الفوضى الكلية.
ـــ بدايات مار مخايل درب النهر… طريق طرابلس، منظَّمة، واضحة الهوية، المنظور فيها أليف معبّر. وفي النصف الثاني بدءاً بمحطة سكة الحديد وصولاً، إلى بولفار بيار الجميل، الانتقائية الفجَّة، في البنيان، لغةً وانتماءً. في نهايات الأمكنة هذه، غابت الهوية كلياً، ولم يعد للتمدُّد المبني أي معنى مديني، سوى الحاجة إلى إيواء الناس، في أعمالهم، وفي حياتهم.