الرئيسية / مقالات / ما لم يقله بري لنصرالله: الثمن الكبير سيدفعه شيعة لبنان!

ما لم يقله بري لنصرالله: الثمن الكبير سيدفعه شيعة لبنان!

أحمد عيّاش
النهار
12112018

تضج الأوساط الشيعية في لبنان، وسط كتمان شديد، بما آلت اليه أحوال لبنان عموماً، والطائفة الشيعية خصوصاً، في ضوء أزمة تأليف الحكومة الجديدة والعقوبات الأميركية على إيران و”حزب الله” والخطر الاقتصادي الذي يلوح في أفق هذا البلد الذي سيؤثر بصورة مباشرة على اللبنانيين قاطبة وفي مقدمهم عالم الأعمال الشيعي، وفق معطيات أوساط إقتصادية بارزة إطلعت عليها “النهار”.

قبل الخطاب الأخير الذي ظهر فيه الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في أقصى درجات التوتر، جرت مناقشة في جلسة ضمت سياسيين ومسؤولين سابقين وكتاب وإعلاميين من شتى أطياف المجتمع الشيعي، لتداعيات الموقف الذي إتخذه #حزب_الله من توزير أحد النواب السنّة المؤيدين له. وفيما أكد موالون للحزب صوابية هذا الموقف الذي أصبح من الثوابت لدى السيد نصرالله بما يماثل ثوابته الكبرى داخلياً وإقليمياً، قال آخرون إن موقف الأمين العام للحزب سيؤدي الى إثارة توتر مذهبي لن يهدأ وسط تساؤل عن الحكمة في الذهاب خارج الحد الشيعي الذي نال حصته الوزارية بالتمام والكمال؟ بالطبع، لم تنته هذه المناقشة الى إتفاق، بل إستمر الانقسام الذي يطبع حاليا الوسط الشيعي اللبناني.

ما يشير الى هذا الانقسام غير المعلن حتى الآن، الموقف الذي أعلنه رئيس مجلس النواب نبيه بري غداة خطاب نصرالله فبدا كل من قطبيّ الثنائي الشيعي على طرفيّ نقيض. ففيما أعلن الامين العام السبت الماضي أن النواب السنّة الذين ينتمون إليه “من حقهم علينا أن نقف إلى جانبهم… وسنبقى معهم سنة وسنتين و1000 سنة وإلى قيام الساعة”, أطل رئيس المجلس في اليوم التالي قائلا: “الخطر الوحيد على لبنان الآن هو الخطر الإقتصادي… الإقتصاد ليس مسألة سهلة أبداً، قديما قال أحد الأئمة عليه السلام: “إذا دخل الفقر من النافذة خرج الإيمان من الباب”. إن هذا الأمر أكثر من خطير!”

في الأوساط السياسية سؤال عن السبب الذي يدعو بري دون سواه من المسؤولين إلى قرع ناقوس الخطر الاقتصادي؟ فهل أن لدى رئيس البرلمان معطيات غير التي لدى شريكيّه في الحكم ،رئيس الجمهورية والرئيس المكلف تشكيل الحكومة، واللذين لم يجاهرا حتى هذه اللحظة بالاعراب عن مخاوفهما من حال الاقتصاد كما يفعل بري؟

في العودة الى معطيات الاوساط الأقتصادية البارزة التي تحدثت اليها “النهار”، يتبيّن أن هناك قلقاً عارماً في وسط المال والأعمال الشيعي اللبناني نتيجة التدهور الذي يعيشه الوطن الذي يمثل ملاذاً لهذه الطائفة أكثر من أي طائفة أخرى.ففي القطاع العقاري، إستثمر أصحاب الرساميل في هذه الطائفة على مدى أعوام طويلة مليارات الدولارات كبديل لإبقاء هذه الرساميل في الخارج حيث المخاطر تتعاظم بسبب العقوبات التي فرضتها واشنطن على “حزب الله” وعلى كل من تثبت الأدلة أنه على صلة بهذا الحزب. ومن المعلوم أنه على مدى عقود نشأت علاقات تضامنية بين أغنياء الشيعة وبين الحزب على خلفية دعم حركة المقاومة للاحتلال الاسرائيلي خلال التسعينيات من القرن الماضي. لكن الوضع تغيّر بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، وأصبحت المقاومة التي جسدها “حزب الله” أداة للمشروع الايراني في لبنان والمنطقة. وهكذا صار المال الشيعي عرضة للملاحقة تحت شبهة دعم الإداة الايرانية حتى ولو كان هذا الدعم لم يعد موجودا كما كان الحال قبل العام 2000.وبعد إحكام إيران قبضتها على لبنان بعد رحيل الوصاية السورية عام 2005 ،بدأ الانهيار في القطاع العقاري بسبب إبتعاد الرساميل الخليجية عنه ما جعل الثروة العقارية الشيعية تفقد نحو ثلثيّ قيمتها وفق معطيات هذه الاوساط. وهذا الانكماش في هذه الثروة لم يتوقف حتى الان، بل ان هناك مخاوف من مزيد من التدهور في هذا القطاع ما سيشكل ضربة قاصمة للاستثمار الشيعي في هذا القطاع.

في موازاة القطاع العقاري، تشير هذه الأوساط إلى الحجم الكبير في الودائع الشيعية في القطاع المصرفي الذي إستقبل معظم الثروات لمتمولي الطائفة في الخليج وأفريقيا منذ التسعينيات من القرن الماضي وحتى اليوم.وهذا القطاع يبدو اليوم أمام تحديات قاسية بسبب العقوبات الأميركية من جهة، والتراجع الحاد الذي يتجه إليه الاقتصاد الداخلي عموماً بسبب إنسداد آفاق النهوض على قاعدة تحريك عجلة المشاريع المرتبطة بمؤتمر #سيدر. وفي حين أن سائر أصحاب الرساميل من الطوائف الاخرى يمتلكون هامشاً للتوظيف خارج لبنان، يبدو نظراؤهم الشيعة في حالة حصار داخل السوق المحلي ومعرضين لتلقي الخسائر النازلة بهذا السوق أكثر من غيرهم.

وتتساءل الأوساط نفسها: هل يضمن نصرالله أن تبقى الأمور تحت السيطرة في حال تفاقم الانهيار الاقتصادي؟ وتجيب قائلة:لقد عاش “حزب الله” ردحا من الزمن في بحبوحة جعلته خارج الضغوط بفعل الدعم الإيراني غير المحدود. أما اليوم، فإن الحزب، وبسبب فقدان هذا الدعم نتيجة جفاف مصادره مضطر إلى تعويضه بموارد داخلية التي هي أصلا تكاد تبلغ القعر حالياً. وهكذا يتكرر في لبنان الدرس الذي عرفه هذا البلد في السبعينيات من القرن الماضي عندما كان التمويل الخارجي يمد الحرب التي نشبت عام 1975 بأسباب القوة. لكن وبعد إنهيار السيطرة الفلسطينية عام 1982، إتجهت القوى الداخلية المسيطرة الى التمويل الداخلي ما سبب بإنهيار مريع لسعر صرف العملة الوطنية، وفجّر مواجهات أمنية لم تضع اوزارها إلا بإتفاق الطائف عام 1989.وها هو لبنان يمرّ بأوضاع مشابهة يدفع خلالها “حزب الله” إلى الإنفجار الداخلي بدءاً من الساحة الشيعية قبل سواها.

لم يقل الرئيس بري كل ما يجب ان يقوله. كما أن السيد نصرالله لم يدرك مخاطر ما قاله خطاب “يوم الشهيد”. لكن في عمق المشهد يبدو أن الثمن الكبير سيدفعه شيعة لبنان الذين دفعهم الواقع الايراني الذي يعاني حصاراً إقتصادياً لا مثيل له ليكونوا في فوهة المدفع الذي يتحضر المرشد الإيراني لإطلاق قذائفه قريباً! هل من فرصة أخيرة لإنقاذ لبنان بمن فيهم الشيعة؟ المطلوب معجزة لتعديل إتجاه هذه الأحداث.

ahmad.ayash@annahar.com.lb

 

اضف رد