الرئيسية / أبحاث / أبحاث تاريخية / ما لا نعرفه عن “فلسطين” عبد الوهاب

ما لا نعرفه عن “فلسطين” عبد الوهاب

 

محمود الزيباوي|السبت16/12/2017

Almodon.com

عبد الوهاب

الأزهر اعترض على وصف يسوع بالشهيد، لكونه إسلامياً لم يُصلب
ما ان أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 6 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، اعتراف إدارته بالقدس عاصمةً لإسرائيل، حتى اجتاحت الأغاني الوطنية الخاصة بفلسطين منصات التواصل الاجتماعي في العالم العربي تنديداً بهذا القرار. عادت فلسطين المنكوبة إلى الواجهة، وعاد معها صوت محمد عبد الوهاب وهو يصدح: “فلسطين تحميك منا الصدور/ فإما الحياة وإما الردى”.


استعرضت جريدة “الاهرام” الأغاني الحماسية في ملف خاص، انطلاقاً من مرحلة البدايات التي تزامنت مع تبنّي هيئة الأمم خطة تقسيم فلسطين في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر1947، وتوقّفت أمام القصيدة التي لحّنها عبد الوهاب وغناها، وقالت: “قبل قيام دولة إسرائيل بشهر تقريباً، وقعت مذبحة “دير ياسين” في 9إبريل1948، على يد الجماعتين الصهيونيتين “أرجون وشتيرن”، ففجرت هذه المذبحة براكين الغضب الإبداعي عند الشعراء والفنانين المصريين، فكتب الشاعر الراحل علي محمود طه رائعته “فلسطين” التي يدعو فيها أخاه العربي إلى النضال، قائلاً: “أخي جاوز الظالمون المدى/ فحق الجهاد وحق الفدا/ أنتركهم يغتصبون العروبة/ مجد الأبوة والسؤددا”، وغنّى الموسيقار محمد عبدالوهاب هذه القصيدة المدوية مستنهضاً العزائم والهمم، فكانت نشيداً كاسحاً متوهجاً تردده كل إذاعات العالم العربي”.


في الواقع، أخطأ صاحب المقال في تحديد تاريخ ولادة هذه الأغنية، كما أخطأ في كلامه عن نجاحها الكاسح وانتشارها السريع، بدليل ما شهدت به الصحافة التي رافقت ولادة الأغنية. في عددها الصادر يوم الخميس 17حزيران/يونيو1948، نشرت مجلة “الصباح” نص الأغنية التي وصفتها بـ”معجزة عبد الوهاب عن فلسطين”، وكتبت في تصديرها للقصيدة: “بدأت الإذاعة من مساء الجمعة الماضي بإذاعة المعجزة الفنية الجديدة التي لحنها الموسيقار البارع الأستاذ محمد عبد الوهاب عن فلسطين من نظم الشاعر المشهور الأستاذ علي محمود طه. ويسرنا ان هذه المعجزة الفنية العظيمة جاءت في وقتها فاشتركت بها الموسيقى في اثارة الهمم وتقوية العزائم وصد عدو غاصب طامح غدار”. بعد يومين، نشرت مجلة “الإذاعة المصرية” بدورها نص الأغنية، وجعلت من مطلعها عنوانا لها، وقالت في تصديرها لها: “الميكروفون يطالعكم بأنشودة وطنية رائعة”.

ولدت أغنية عبد الوهاب وسط عدد كبير من الأغاني الحماسية التي دخلت سريعاً في الظل وباتت نسياً منسياً، وتميّزت بخروجها عن النمط السائد بشكل كلي. وقد أثار هذا الخروج حفيظة الكثيرين، وانتقدتها أقلام معروفة، بحدّة قلّ مثيلها. في تعليق أول، رأت مجلة “الرسالة” ان عبد الوهاب “غير موفق في تلحين الأناشيد الحماسية، ويجب عليه أن يأخذ إجازة من التلحين في هذه الظروف”. فردّ الشاعر مأمون الشناوي، وكتب معلّقاً في مجلة “آخر ساعة”: “ان تلحين الأغاني الحماسية ليس ضرباً من ألعاب القوى والمصارعة ولا يُطلب من الملحن أن يضع لحنه على توقيع خطوات الجنود أو أصوات المدافع والقنابل وانما يكفيه ان يبلغ التأثير المطلوب بأي طريقة يشاء في هدوء ويسر دون أن يلجأ الى الصراخ والزعيق والعنف”.

جذب هذا السجال مجلة “الاستديو”، ففتحت باب النقاش، ونشرت في منتصف تموز/يوليو مجموعة من المداخلات غلب عليها التقييم السلبي. قال الأديب عباس العقاد: “يظهر ان هذا النشيد قد قام بتمويله صهيونيون، لأنه يلائم طبائعهم أكثر من ملاءمته طباع العرب، فليس فيه من أسباب القوة شيء من تلك القوة التي تستنهض الأمم وتقوي الروح المعنوية، انه نشيد ناعم متراخ يبعث على النوم والاسترخاء”. ولم يكتف الأديب الشهير عند هذا الحد، فهاجم مأمون الشناوي، ورأى في دفاعه عن هذه الأغنية “انقاصاً لقيمة الأدب”. وفي مداخلة مماثلة، قال شيخ الملحنين زكريا أحمد: “لا أدري كيف سمح الأستاذ مأمون الشناوي لنفسه بإبداء مثل هذا الرأي، فإن ألحان الحرب غير ألحان السلم، ونحن لا نقول أن ألحان الحرب يجب ان توضع على توقيع خطوات الجنود ودق الطبول وأصوات المدافع وقرقعة القنابل، وانما يجب ان تمثل البأس والقوة حتى تثير الهمم وتشدّ العزائم، ومن العجيب ان الأستاذ مأمون الشناوي يقول: أراد الأستاذ عبد الوهاب بهذا اللحن ان يبلغ التأثير المطلوب في هدوء كالقائد الذي يقف في ميدان القتال، ويقول للجندي بهدوء واطمئنان: من فضلك تقدّم للحرب؟ حتى إذا تهادى الجندي في مشيته وتنازل بالهجوم، يكون العدو قد كسب المعركة؟”.

أبدى الشاعر بيرم التونسي رأياً مشابهاً، وقال: “ان عدم الرضى عن هذا النشيد وغيره من الألحان يرجع الى ان الملحنين لا يعرفون كيف يضعون أنفسهم كما خلقهم الله، فليس كل ملحن لمؤهلاً لأن يضع ألحاناً حماسية ومضحكة وغرامية ومحزنة في وقت واحد، فالطبيعة البشرية تقول: ان كل انسان تغلب عليه نزعة واحدة من النزعات، ولئن لم يفلح عبد الوهاب في إرضاء جميع النقاد بهذا النشيد فليس هذا ذنبه، وانما ذنب من يظلمونه ويحملونه ما لا طاقة له به، ولعله هو الذي ظلم نفسه حينما ترك لونه العاطفي الذي خُلق له وتصدّى لتلحين اللون الذي لا يحسنه”. وكرّر الشاعر صلاح جودت هذا الكلام بصيغة ملطّفة، وقال: “رأيي في عبد الوهاب لا يشابهه شيء الا رأيي في نفسي، فأنا لا أحسن إلا الشعر العاطفي ومن يطالبني بغير ذلك فانه يظلمني، وكذلك عبد الوهاب فهو موسيقي عاطفي ومن يطالبه بغير ذلك فإنه يظلمه أيضاً، على ان هذه الحقيقة لا تعيبني كشاعر كما أنها لا تعيب عبد الوهاب كموسيقي. ذلك هو رأيي في أغنية فلسطين لعبد الوهاب”. كذلك، رأى الشاعر بديع خيري “ان النشيد الحماسي نوع من أنواع الموسيقى يتطلب القوة، اما الليونة والهدوء فهما من صفات الحان الحب والغرام”.

في ما يشبه الرد على هذه الآراء السلبية، قالت النجمة زوزو ماضي: “ليس صحيحاً ما يقال عن عبد الوهاب من انه لا يجيد تلحين الأناشيد الحماسية، ففي مقدوره، إذا أراد، ان يضع ألحانًا حماسية قوية تجمع بين سهولة النغم وبين الحماسة كما فعل في تلحين أغنية الحماسة الرائعة تحية العلم”. وهذه التحية تعود إلى العام 1935، وهي من نظم أحمد رامي، وقد أنشدها عبد الوهاب في فيلمه الثاني “دموع الثاني”، ومطلعها: “أيها الخفّاق في مسرى الهوى أنت رمز المجد عنوان الولاء/ نفتدي بالروح ما ظللته ونحيي فـيك روح الشهداء”.

خرج المسرحي زكي طليمات عن هذه الجوقة، وقال: “يذكرّني قسم من هذا النشيد بنشيد الأذكار الذي يستحث الناس على التفاني في عبادة الله، ولعل الأستاذ محمد عبد الوهاب أراد ان يستحث الناس للدفاع عن الوطن باستثارة العواطف الدينية”. في المقابل، عبّر رياض السنباطي عن إعجابه الشديد بهذا العمل، وقال موضّحاً: “ليس هذا نشيداً وانماً هو أغنية رائعة يمكن أن تُغنّى في أي وقت كان، وإن كنت اعتقد أن الأستاذ عبد الوهاب يستطيع أن يضع لحناً حماسياً إذا أراد، من دون أن يلجأ إلى الصراخ أو الزعيق أو تقليد خطوات الجنود أو الموسيقى العسكرية”.

إلى جانب هذه الانتقادات الظالمة، واجهت أغنية عبد الوهاب انتقاداً من نوع آخر تسبّب في حجبها أربع سنوات. شبّه زكي طليمات هذه الأنشودة الوطنية بنشيد الأذكار، وتطرّق إلى طابعه الديني، وهذا صحيح. شدّد علي محمود طه على تضامن المسلمين والمسيحيين في الجهاد، وتجلّى ذلك في قوله: “يسوع الشهيد على أرضها/ يعانق في جيشه أحمدا”. غير أن الأزهر اعترض على وصف يسوع بالشهيد، كونه -إسلامياً- لم يُصلب، وأدى هذا الاعتراض إلى امتناع الإذاعة عن بث الأغنية. في منتصف حزيران/يونيو1952، نشرت مجلة “الإذاعة” اللبنانية خبراً يقول: “كانت محطة الإذاعة المصرية قد منعت إذاعة قصيدة فلسطين التي لحنها وغناها الموسيقار الكبير الأستاذ محمد عبد الوهاب في بدء الحرب التي أعلنتها الدول العربية على إسرائيل بناء على احتجاج مفتي الديار المصرية على أحد ابياتها، وقد ظلت هذه القصيدة ممنوعة من الإذاعة الى أن أفرج عنها في الأسبوع الماضي بعد حذف البيت الذي كان موضع الاعتراض، وينتظر ان تذاع هذه القصيدة في البرامج المقبلة للإذاعة المصرية”.

صدرت الأغنية على أسطوانة بعد بتر البيت الذي رفضه مفتي الديار المصرية، غير أن التسجيل الكامل ظل محفوظاً، وقد شاع في أيامنا لحسن الحظ. في الخلاصة، انتصرت أنشودة “أخي جاوز الظالمون المدى” على الصعاب العديدة التي واجهتها عند ولادتها، وتبيّن بعد عقود أنها “أغنية رائعة يمكن ان تُغنّى في أي وقت كان”، تماماً كما وصفها السنباطي.

اضف رد