الرئيسية / home slide / ما سمعه عون في الفاتيكان ولم يقله

ما سمعه عون في الفاتيكان ولم يقله

24-03-2022 | 00:02 المصدر: “النهار”

سابين عويس

لقاء البابا فرنسيس مع الرئيس ميشال عون في الفاتيكان (21 آذار 2022 – المكتب الإعلامي للفاتيكان).

صحيح أن المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية #ميشال عون من روما لصحيفة “La Repubblica” غداة لقائه #البابا فرنسيس والرئيس الإيطالي ومسؤولين، عبّرت عن موقف لبناني رسمي صادر عن رأس الدولة حيال “حزب الله”، مدافعاً فيها عنه ومبرّئاً سلاحه وسياسته من أيّ تدخل أو تأثير داخلي، حاصراً وظيفته بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي وتحرير الجنوب، فإنها لم تأخذ بهواجس فريق كبير من اللبنانيين عموماً والمسيحيين خصوصاً حيال دور الحزب، كما بدا من ردود الفعل الداخلية على المواقف الرئاسية، كما أنها لم تعبّر عن جوهر المحادثات التي أجراها مع الحبر الأعظم، بحيث بدا من تلك التصريحات أنها تعكس أجواء تلك المحادثات، وهي صبّت عملياً في إطار التسويق للحزب فاتيكانياً. فهل الانطباعات التي خلّفها كلام عون من روما صحيحة خصوصاً أنها ترافقت مع تسويق إعلامي محلّي يصبّ في هذا الاتجاه، وما حقيقة الموقف في الفاتيكان خلال المحادثات مع الرئيس اللبناني؟

 عن هذه التساؤلات، تتوقف مصادر سياسية عند مجموعة من الملاحظات المرتبطة مباشرة بكلّ المشهد اللبناني في حاضرة الكرسيّ الرسولي، مشيرة الى أنّ أدق معطى في كلّ هذا المشهد من وجهة النظر اللبنانية عبّر عنه الرئيس بوضوح وصراحة، من خلال تسويقه للحزب هناك نازعاً عن سلاح الحزب أيّ أخطار تتهدّد الداخل اللبناني من جرّائه. وتؤكّد هذه المصادر أنّ عون نجح في تحقيق الهدف من زيارته التي تصبّ في هذا الإطار، خصوصاً وهو يدخل الانتخابات النيابية جنباً الى جنب مع الحزب وحلفائه، فيعيد توفير المظلّة المسيحية الشرعية له من باب أعلى مرجعية روحية لهذه الطائفة. 

لكن الصورة لا تبدو مماثلة على المقلب الآخر، حيث كان واضحاً حرص الفاتيكان على منع أيّ استثمار أو تأويل للزيارة، وذلك من خلال إصداره بياناً فور انتهاء الزيارة، إذ لم يكد عون يخرج من اللقاء حتى صدر البيان. ورغم اقتضابه، كانت الأسطر الخمسة كافية للتعبير عن الموقف الفاتيكاني الرسمي وفيه تأكيد لـ6 نقاط أساسية: 1
– المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ودور المساعدات الدولية، 2- موضوع النازحين، 3- الانتخابات النيابية المقبلة و4- الإصلاحات الضرورية المطلوبة، 5- والأهم تمتين علاقات العيش المشترك السلمية، و6- وجوب تحقيق العدالة ومعرفة الحقيقة في انفجار مرفأ بيروت التي يطالب بها أهالي الضحايا.

وتكمن أهمّية هذه النقاط، إذا ما عُطفت على الثوابت الفاتيكانية المعلنة والتي يجري العمل عليها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، أنها تدحض كل التسويق الجاري للحزب في الدوائر الفاتيكانية. 

في الفكر الفاتيكاني الذي لا ينفك البابا فرنسيس يعبّر عنه في مختلف المناسبات أو المواقف المتصلة بلبنان، لا تكمن المخاطر التي تتهدّد البلد في السلاح، بل في المخاوف الكامنة من تغيير هويّته. وهذه النقطة يدركها الحزب تماماً، وهو لا يخفي انزعاجه من الموقف الثابت للفاتيكان حيال هذا الخطر. وما زيارة عون وكلامه عن دوره المقاوم إلّا لإضفاء التطمينات حيال عدم وجود أيّ خطر على الهويّة اللبنانية، رغم أن هذه التطمينات ليست موضع إجماع لبناني داخلي، بل على العكس موضع انقسام وشرخ حقيقيين. والواقع أن هذا الهاجس يشكّل محور متابعة حثيثة وغير معلنة على الخط الأميركي ‒ الفرنسي والغربي عموماً، حيث يدور أيضاً نقاش جدّي بين الكنائس الكاثوليكية في العالم حول هذا الموضوع، انطلاقاً من المخاوف التي أثارها تمسّك “التيار الوطني الحر” بخياره وإصراره على المضيّ فيه. ورغم الاهتمام الأميركي الغربي بهذه المسألة تكشف معلومات عن أنه لا تلاقي فرنسياً أميركياً حوله، بل تناغم أميركي مع المواقف البريطانية والألمانية.

 على رغم دفع “التيار الوطني الحر” نحو خيار حكم الأقليات، بات جلياً أن البابا فرنسيس قد أسقط هذا الخيار، وهو ما كرّسه بعد توقيعه وثيقة الأخوّة مع شيخ الأزهر بعد لقائهما التاريخي في جامع الشيخ زايد في أبو ظبي مطلع عام 2019، حيث دفع البابا فرنسيس نحو خيار الدولة المدنية والمواطنة. وبناءً على ذلك، فإن كل ما يساق عن أن زيارة الرئيس اللبناني للفاتيكان من شأنها أن تؤدّي الى تعويم حلف الأقليات والتخلي عن لبنان للمحور الإيراني الذي يدور في فلكه الحزب وحلفاؤه، ليس إلا محاولة بائسة في ظلّ ثبات فاتيكاني على صون هويّة لبنان الحضارية، وانتمائه العربي وامتداده الدولي، ما يشير بدوره الى أنّه لا مقايضة محتملة في فيينا في هذا المجال.

 لا يحتاج الفاتيكان للرئاسة اللبنانية لتوجيه رسالته الى الحزب في شكل خاص والطائفة الشيعية في العموم. ذلك أن الرسالة وجّهها البابا خلال لقائه المرجعية الشيعية العليا السيد علي السيستاني في النجف، حيث كان تأكيد أهمية التعايش السلمي بين الأديان، والدولة المدنية والمواطنة.

 لا يزيح الفاتيكان عن ثوابته، وعلى الداخل اللبناني أن يتعامل معها كمرتكز لفهم موقف الكرسيّ الرسولي من لبنان ومسيحييه، خارج أيّ تأويل أو تفسير أفرزته زيارة عون.

 تنطلق هذه الثوابت من نقاط خمس: التزام الدستور، واعتبار لبنان دولة العيش المشترك، وتطبيق الطائف بكلّ مندرجاته (اللامركزية الموسّعة ومجلس الشيوخ ومجلس النواب من خارج القيد الطائفي)، والعمل للدولة المدنية والمواطنة، صون دور لبنان في محيطه العربي وامتداده كصلة وصل بين الشرق والغرب، بعيداً عن الانخراط في الصراعات الإقليمية، حصرية السلاح في يد الشرعية اللبنانية. ومنذ أن أعلن البابا أن لبنان هو رسالة سلام وليس رسالة حرب، كان الخيار الحياد والتحييد، وأيّ تباين مع بكركي حول هذا الأمر يعود الى رغبة الفاتيكان في ترجمة الحياد بخريطة طريق عملانية. 

@sabineoueiss