ما تسمعه الحكومة من الخارج لا يطمئن؟

على قلة المعلومات الواضحة التي رشحت عن اجتماعات المسؤولين مع البعثة التقنية لصندوق النقد الدولي، او مع السفراء الغربيين، والمسؤولين الأمميين الذين يقومون بزيارات استطلاعية على هامش تقديم التهنئة بالحكومة الجديدة، فإن ما توافر نقلا عن وزراء بارزين لا يطمئن كثيرا حيال مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والمالي.

يستشعر الزوار الغربيون لدى رئيس الحكومة وأعضائها نيات حسنة وجدية، معطوفة على إدراك لحجم المتاعب الملقاة على كاهلهم، والمسؤوليات التي ترتبها تلك المتاعب.

قالها وزير المال غازي وزني الآتي من عالم الاقتصاد، من خارج عالم السياسة، في اجتماع فرعية لجنة المال والموازنة الموسع الذي دعا اليه قبل ايام رئيسها النائب ابرهيم كنعان ردا على مداخلة لنائب في “المستقبل”: “رميتم في يدنا كرة من النار، مستعدون لردها إليكم اذا كانت لديكم خيارات بديلة للحل”.

وكرة النار التي تحدث عنها وزني لا تقتصر على ملف الدين الخارجي. فهناك ازمة المالية العامة التي لا تقل خطورة مع تسلم وزارة “مكسورة” على ٣ آلاف مليار ليرة، قيمة العجز المقدر فيها.

والدعم الدولي بات مشروطا بأمرين أساسيين يتمثلان ببدء تنفيذ الاصلاحات في الكهرباء تمهيدا لاقرار سلة من الاصلاحات المالية الاخرى، والحصول على رضى الاسرة العربية التي تشكل الممول الرئيسي للبنان.

الأمران لا يبدوان متاحين اليوم. فالدعم العربي لم يتجل بعد بأي زيارة تهنئة بالحكومة، فيما الجولة الخليجية لرئيس الحكومة لا تزال رهن بلورة موقف لبناني رسمي واضح من المحيط العربي، أقله في التزام سياسة النأي بالنفس التي التزمتها الحكومة في بيانها الوزاري. ولم تكن زيارة رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني، كأول زيارة لمسؤول من الخارج الا لتصب زيتا على نار خرق النأي، في ظل الموقف المحتضن والداعم لطهران.

يُنقل عن غالبية السفراء الأوروبيين تأكيدهم استعداد دولهم لدعم لبنان شرط ان يترجم وعوده الإصلاحية، والا فلا شيكات على بياض بعد اليوم. حتى ” ختم الثقة” من صندوق النقد سيكون رهن العملية الإصلاحية التي من شأنها ان تعطي إشارات إيجابية وجدية للخارج. وحدها فرنسا من بين دول الغرب تسير عكس التيار، وتخالف الضغط الاميركي الرامي الى تضييق الخناق على لبنان، من باب التضييق على ” حزب الله”. اذ انها الوحيدة تقريبا التي عبرت صراحة عن دعم مطلق، وقد جاء ما نقلته ” رويترز” بعد ظهر امس عن وزير المال الفرنسي ليؤكد هذا المنحى بقوله انه في حال احتاج لبنان للمساعدة، فان فرنسا ستكون حاضرة، داعيا الى عدم الخلط بين بين مسألة تعافي الاقتصاد اللبناني وبين الازمة مع ايران، في اشارة واضحة للارتباط الوثيق بين القضيتين. وليس خافيا ان الصراع الخفي في هذا الشأن لا يقتصر على موقف سياسي بل يتصل بمصالح الشركات الفرنسية والاميركية في لبنان، ولا سيما في مجال الكهرباء والنفط. والمعلوم ان شركة “توتال” الفرنسية تتولى التنقيب عن النفط، فيما هناك اهتمام لشركات اميركية في هذا المجال. وثمة معلومات تشير في جانب آخر ان هناك محادثات تجري مع شركة “جنرال الكتريك” لتلزيمها بناءمعامل الكهرباء.

احد الوزراء البارزين الذي يعي خطورة الوضع ودقته، لا يقلل اهمية التحدي الذي تواجهه الحكومة. يعطي الحكومة مهلة ستة اشهر، إما تصمد وتتجاوز القطوع المالي، وعندها تستمر إلى نهاية العهد، وإما تسقط تحت ضغط غليان الشارع المتوقع حصوله في حال تعذر اقرار الاجراءات المطلوبة.

لا يقلل هذا الوزير اهمية ما حصل في جلسة الثقة، حيث تعذر على الوزراء والنواب سلوك طريق آمن، ما يؤكد وجود خلل حتى على مستوى اجهزة الدولة ومؤسساتها. لكنه في المقابل، لا يقلل اهمية التفهم الذي أبدته بعض القوى السياسية من خارج السلطة، التي منحت، ولا تزال الحكومة فرصة لـ”التقليع”، قبل البدء باستهدافها. وهذا امر مهم بالنسبة اليه، يجب على الحكومة استغلاله والإفادة من فترة السماح المتاحة داخليا، ومن حال الترقب الدولي، لاتخاذ إجراءات ملحة تشتري بعض الوقت لمنع الانزلاق الحتمي نحو الهاوية.

ليس موعد استحقاق الاوروبوند في مطلع آذار المقبل، التحدي الأوحد امام الحكومة، وان كان الأكثر الحاحا، لأنه سيشكل المؤشر الأساسي لمقاربة الحكومة للأزمات التي تواجهها.

فعملية هيكلة الدين العام التي بدأت تسلك طريقها مع الدائنين من حملة السندات الأجانب، بمساعدة تقنية من الصندوق ومكاتب استشارية قانونية ومالية دولية، لا بد ان تترافق مع خطوات داخلية لاصلاح المالية العامة، وهذا جزء أساسي من الاستشارة التقنية المنتظرة من الصندوق. وكانت بعثته أبلغت السلطات المالية في لبنان انها ستعد دراسة لآلية خفض نسبة الدين الى الناتج المحلي وإعادة تكوين رساميل المصارف، وإعادة تنشيط الاقتصاد، على الا يكون خفض الدين من خلال المس بأموال المودعين، كما كشف رئيس لجنة الرقابة على المصارف سمير حمود.

ووفق مصادر وزارية، تعود البعثة الى واشنطن لإعداد تقريرها، فيما تعكف الحكومة على انجاز خطة اقتصادية مالية، تناقشها مع الصندوق للحصول على موافقته، تمهيدا لطلب الدعم الدولي على اساسها. لكن اكثر ما تخشاه المصادر ان الحكومة تفتقر الى الوقت الكافي، ما يجعلها في سباق، قد تفشل تحت وطأته في انجاز ما هو مرتقب منها، خصوصا ان لا توافق تاما بين المكونات السياسية الداعمة لها في الظل على المقترحات وعلى الاجراءات المطلوب اتخاذها. منها مثلا اقتراح تحرير سعر الصرف الذي قدمته بعثة صندوق النقد ولا تزال الحكومة ترفضه على قاعدة الارتدادات السلبية للقرار على القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود وعلى رواتب القطاع العام، بما فيه الأسلاك العسكرية التي ستكون اول من يتقدم المتظاهرين في الشارع.

في التحديات الاخرى، يمثل الوضع المصرفي. وفي هذا المجال، تعمل الحكومة، بحسب المعلومات المتوافرة على الاستعانة بمكتب استشارات مالي للمساعدة على اعادة هيكلة القطاع.

وفي الانتظار، تبقى ازمة السيولة والاجراءات المطلوب قوننتها مدار نقاش وبحث عن المخارج القانونية للتعميم المنتظر للمصرف المركزي. وهنا، يبدأ حديث آخر، لا تزال الحكومة عاجزة عن معالجته بالآليات القانونية المطلوبة!

sabine.oueiss@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*