ما تبدّى من معالم الموازنة غير مقنع

أظهرت التقديرات المنشورة في الصحافة ان الموازنة، تهدف – وقد تتغير الاستهدافات بعد نضج المناقشات – كما يبدو الى خفض العجز بما يساوي 11.5 في المئة من الدخل القومي حصيلة موازنة 2018، الى 8 في المئة فقط.

الاقتراحات المطروحة تطاول تعويضات ومعاشات واختصار نفقات السفر ورواتب النواب والوزراء وكل هذه الخطوات وغيرها تعتبر تقشفية وتالياً تسهم في خفض حجم الانفاق لدى العديد من الاسر وتؤدي الى تقلص حجم الاقتصاد ككل.

ان الاهم من ذلك ان الموازنة لا تعالج الهدر الاوسع والاكثر ضررًا وهو طريقة اختصار دعم الكهرباء وتحسين مناهج الانتاج، وما لا يدركه الوزراء أو يتفادون ادراكه ان الامتناع عن اصلاح عجز الكهرباء والخطة الموضوعة هي اختبار للممارسة التي تسببت في عجز مدى 10 سنين يوازي 27 مليار دولار عند اضافة الفوائد اليها يصبح وقعها على مستوى 45 مليار دولار تمثل 52 في المئة من الدين العام المتراكم. والسؤال كيف نحصر موضوع خطة غير مكتملة بفريق أورثنا العجز الاكثر تسببًا في ما نشكو منه، وهل تحقق الوزراء والنواب بالفعل من ان الخطة تمتثل للبنك الدولي الذي رصد لتحسين الكهرباء 3.6 مليارات دولار منذ المؤتمر الثاني لمساعدة لبنان الذي انعقد بمبادرة من الرئيس رفيق الحريري؟

النقص الافدح في ارقام الموازنة انها لا تطاول باي شكل تشجيع النمو واسترداد الحماسة للاستثمار في لبنان. فالرئيس سعد الحريري يرى ان الموازنة ستمهد لاسترجاع زخم النمو، لكنه مع مستشاره الاقتصادي نديم المنلا لا يبينان كيف سيرتفع معدل النمو، وتالياً الهدف الاساسي للخطة ضبط الهدر – الذي سيستمر في قطاع الكهرباء – وتحفيز النمو، ولا برهان على مساهمة أي من هذين الشقين في تحسين الاداء ورفع معدل النمو، ومن شبه المؤكد تراجع بعض المشاركين في مؤتمر “سيدر” عن دعم البرنامج الموعود للمواطنين.

ويزيد من التساؤل عن استهدافات الموازنة رفع معدل الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 7 في المئة الى 10 في المئة، والوزراء لم يكلفوا أنفسهم عناء مراجعة الميزانيات التي نشرتها المصارف سواء عن نتائج عام 2018 أو الربع الاول من 2019، علمًا بان النفقات ارتفعت الى حد بعيد مع تقيد المصارف بتعليمات مصرف لبنان الاحترازية.

ميزانيات ثلاثة من أكبر المصارف منشورة اليوم وقبل بضعة أيام تبين ان ارباح هذه المصارف تراجعت بنسب مختلفة، وان ارباح المصرف الاكبر وودائعه تراجعت بنسب ملحوظة والميزانية الخاصة بهذا المصرف تبين ان نسبة 40 في المئة من ارباحه تحققت من اعمال فروعه في الخارج. ومعلوم ان ارباح المصارف تتعرض لضرائب مختلفة ترفع معدل العبء الضريبي الى 44 في المئة.

سادتي الكرام، الموازنة المقترحة اذا رفعت معدل الضريبة على عائدات الودائع الى 10 في المئة ستؤدي الى انحسار هذه الودائع وقد شهدنا في السنوات المنصرمة كيف تقلصت الودائع وكيف بات النمو على مستوى 1 في المئة دون معدل نمو السكان، وبكلام آخر انخفاض معدل الدخل الفردي.

لعل تذكير المسؤولين بما حدث عام 2009 عقب تفجر ازمة مالية واقتصادية عالمية، وقد احتاجت مصارف كبرى مثل “الكريدي سويس” و”سيتي بنك” وأكثر من مصرف بريطاني الى معالجات من الدول المعنية وتملك الدول بعض المصارف المستمرة وانطواء مصارف اخرى.

شهد لبنان تدفقًا للودائع من اللبنانيين من أصحاب الحسابات في الخارج بلغ حجمه 24 مليار دولار اسهمت في زيادة حجم الودائع بنسبة 20 في المئة وتحفيز المصارف على تامين التسهيلات والمساهمة في برامج تشجيع شراء الشقق وانشاء المصانع والمؤسسات السياحية بقروض مدعومة، وكانت النتيجة ان معدل الدخل القومي ارتفع آنذاك بنسبة 9 في المئة (وهو رقم لم يتحقق في السابق) وميزان المدفوعات حقق فائضًا تجاوز 8 مليارات دولار واسهم في امتصاص العجوزات على هذا الحساب حتى عام 2013.

اقتراح زيادة الضريبة من 7 في المئة الى 10 في المئة يماثل ضريبة على الثروة. فغالبية الحسابات للعيش من موارد الفائدة تعود الى ذوي الدخل المتوسط، واضافة الضريبة التي لا نشهد مثلها في البلدان المحيطة بنا تعني ان الودائع لن تزداد وان المصارف ستحقق ارباحًا بعد فرض الضريبة لا تزيد على 7 في المئة وهذا رقم متواضع لمهنة كانت تطورت لتماشي التحسينات التي أقرتها السلطات في القطاع المصرفي وكانت هذه التحسينات تهدف الى تسهيل التعاملات وضخ السيولة لدى المصارف أمر يسهم في تخطي المصاعب الملحة. والبرهان الساطع من اليونان حيث فرضت السلطات النقدية الاوروبية والى حد أقل صندوق النقد الدولي، استثماراً في سندات الخزينة وشراء اسهم للمصارف وازت 330 مليار أورو أو 360 مليار دولار، ولا يزال المطلوب 100 مليار أورو.

في المقابل، حققت اليونان نموًا عام 2018 ليس بسبب التقشف، وان اسهمت اجراءات التقشف فيه، بل نتيجة توافر السيولة وتسهيل استثمارات الاجانب في البلاد وزيادة عدد السياح لتدني التكاليف، ومن هؤلاء عدد غير قليل من اللبنانيين.

بين كل الاقتراحات المطروحة لتحسين نسبة العجز من 11 في المئة من الدخل القومي الى 8 في المئة، اقتراح رفع الضريبة على الفوائد هو الاسوأ والاوسع ضررًا باصحاب الودائع ومن كانوا يقصدون لبنان للاستفادة من خدماته المصرفية. ويبدو ان الاجراءات التقشفية لن تفيد على صعيد ارتفاع الدخل القومي ورفع الفائدة على الودائع خطوة ستسهم في تراجع النمو وستسمح للمصارف التي لديها مؤسسات مصرفية في الخارج توجيه عدد من أصحاب الحسابات الملحوظة فيها الى التوجه للايداع في الخارج، أو توظيف اموال الميسورين في برامج استثمارية تركز على استثمارات خارجية.

حضرة الوزراء والنواب، عليكم ان تحذروا افقار لبنان واهله كما سمحتم مدى عقود باستباحة البيئة واهمال البنية التحتية وتردي خدمات الاتصالات بحيث اصبحنا الاسوأ عالميًا على هذا الصعيد باستثناء بلدين فقط.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*