ما بين سيِّد درويش وعبد الوهاب التطوّرات الإجتماعية وتأثيرها على الفن

محمّد صالح أبو الحمايل
اللواء
04 نيسان 2018

     

سيّد درويش
رغم أن اهتمامي منذ فترة غير بعيدة قد تركز على دراسة «فنان الشعب» الموسيقار العظيم «سيد درويش البحر» وسودت مقالة عن تاريخ كفاحه وفنه، فإن «عبد الوهاب» بدا لي كشهاب ما زال يدور في فضاء الفن ويزداد بريقا، كان إعجابي ب»فنان الشعب» أنه الموسيقار الذي بعث الموسيقى العربية الأصيلة بالتزامه أهازيج العامة من العمال والصنايعية وتصوير الحياة الإجتماعية للفقراء والطبقات الدنيا ،في مواجهة فنية راقية، لأصحاب اتجاه التتريك في الموسيقى، وقد استطاع هذا الفنان الأصيل، عامل البناء وحامل الطوب في ورش العمار ،والمتسكع بين حانات الحرافيش ومقاهيهم في مدينته الإسكندرية، أن يثبت قواعد الموسيقى العربية ويحيي تراثها.
فأنا لم أكتب عن الموسيقى بقدر ما كتبت عن مراحل كفاح الإنسان وبيئته الإجتماعية، ولم يكن لي دراية بالموسيقى وأبعادها ،فاعتبرت أن «عبد الوهاب» قد قاد ثورة مضادة ضد نهج «فنان الشعب» ليطغى على الفن اللقب الجديد الذي لازم عبد الوهاب «مطرب الملوك» ثم «موسيقار الأجيال»، إذن فقد كان الإنقلاب قد وقع بهذا الشكل بكل بساطة ووضوح، فهل حقيقة أن إنقلابا ما قد حصل؟ أم أن الذي حصل هو مواكبة للتطورات الثقافية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي شهدتها مصر والمنطقة برمتها؟ وأن هذه التطورات قد جاءت نتيجة للتفاعل الذي تم بين شرقنا وبيئتنا والغرب الذي أصبحت العلاقة به «حميمية!» وبذور الصراع الطبقي بين أصحاب المال والمعدمين وتشمل جميع نواحي الحياة.
كانت مرحلة «سيد درويش» هي مرحلة الكفاح ضد الإستعمار البريطاني لمصر ،ذلك الكفاح الذي شارك فيه «فنان الشعب» بحمية ونشاط وإخلاص حتى أنه يمكن أن يسمى أحد قادة تلك الثورة التي قادها «سعد زغلول» ،فقد كانت أناشيده وطقاطيقه وموسيقاه تتردد في كل أنحاء مصر ،ولم تقتصر مساهمته على الأغاني والأناشيد بل طورها إلى المسرح الذي لعب دورا هاما في تعليم الشعب وتثقيفه والرقي بعلاقاته حين غادر الإسكندرية وانتقل إلى القاهرة، مثل «العشرة الطيبة» و«كليوبترا ومارك أنطونيو» التي تتألف من ثلاثة فصول، لحن الفصل الأول منها، ولحن الثاني والثالث «عبد الوهاب»، كان الفنان بعيدا عن صالونات الثقافة والشعر والأدب، فلم يكن في القاهرة منشأه، فما يكاد يسمع بقصيدة تحاكي روح الشعب حتى يلحنها ويغنيها بدون استئذان من ناظمها.
وهذا ما حصل له مع الشاعر «محمود بيرم التونسي» الذي أصبح معين الكلمة عنده، على ماذا تدلنا واقعة اللحن المشترك بين «فنان الشعب» و«مطرب الملوك» لمسرحية «كليو بترا ومارك أنطونيو» ،هي في تقديري تدلنا على تواصل وارتقاء ووعي للتغييرات المجتمعية التي حصلت كما أسلفنا، وعلى تطور حتمي لفنان الشعب الذي انتقل من الإسكندرية إلى القاهرة عاصمة الفن والأدب، وليس على روح إنقلابية في الموسيقى، فإن نتيجة الإحتكاك والتواصل مع أوروبا، تمثل في إحلال الفردية بدل ما كان يسمى بالروح الجماعية، فإن الصور الجماعية للشعب والبيئة التي كان يقدمها سيد درويش قد أضحت اليوم على يدي عبد الوهاب أحاسيس فردية وعلاقات رومانسية تبعا للفلسفة الفردية التي عمت أوروبا، فكان أن تشمل تلك الورشة الموسيقى والغناء أيضا، كانت أولى ملامح التحول الإجتماعي الأغنية التي لحنها عبد الوهاب وغنتها «أسمهان» «محلاها عيشة الفلاح» ثم عاد وغناها هو نفسه، لم يعد الفلاح مضطهدا في الأدب والموسيقى وهو» راضي بحالو، مرتاح، والشكوى عمرو ما قلهاش»، بدأت النظرة تختلف للريف وللفلاح، فالريف أصبح هو «العزبة» التي تقضى فيها العطل والفلاح هو الذي ينعم بتلك الجنة الوارفة الظلال، إذن فما علينا أن نعرفه، أن تبدلا  حصل في ثقافة المجتمع على صعيد الثقافة والإجتماع كان لا بد للموسيقى والفن من أن تواكباه.
 محمّد صالح أبو الحمايل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*