الرئيسية / home slide / ما بعد ميشال عون: نهاية لبنان وركام المقاومة

ما بعد ميشال عون: نهاية لبنان وركام المقاومة

نديم قطيش – الأحد 20 كانون الأول 2020
https://www.asasmedia.com/news/387676

إنتهى عهد ميشال عون. كل ما بقي من العهد هو انتظار انقضاء الثلث الأخير من المهلة الرئاسية من دون انهيارات أكبر وأضخم.

اللبنانيون الذين وعدهم الرئيس بتسليمهم لبناناً أفضل من بعده، يحلمون فقط بأن يتسلّموا منه اللبنان الذي سلّموه إيّاه. ليس أدلّ على ذلك من تصدّر بكركي محاولات الحلّ، بالاتّكاء على المبادرة الفرنسية، على الرغم من ضعف حظوظها، في مقابل استشراس الطبقة السياسية المتهاكلة في الدفاع عن وجودها ومصالحها وفسادها.

بيد أنّها نهاية تتجاوز عون والعونية السياسية. لا أعلم إن انفجر النظام بعون أو عون بالنظام. النتيجة أنّ نظام “المافيا والميليشيا” الذي أوصله إلى الرئاسة سقط، ودخل في مرحلة احتضار قد تطول، ويطول معها الاهتراء، ويتعمم في ظلّها الجنون.

أخبار لبنان صار فيها شيء من السوريالية أو الكوميديا السوداء التي لا تتّسق مع أي شيء طبيعي يحصل في العالم.

القضاء العاجز عن الخروج بجملة مفيدة واحدة حول انفجار المرفأ، لكنّه يصدر حكمين:

– الحكم بسجن المغنّي فضل شاكر 22 عاماً لعلاقته بالإرهاب.

– والحكم على كيندا الخطيب بتهمة العمالة.

لا دفاع عن فضل إذا ثبت تورّطه بقتل جنود لبنانيين، ولا دفاع عن كيندا إذا ثبت أنّها خالفت قوانين بلادها في موضوع الاتّصال بإسرائيلين.

بيد أنّها نهاية تتجاوز عون والعونية السياسية. لا أعلم إن انفجر النظام بعون أو عون بالنظام. النتيجة أنّ نظام “المافيا والميليشيا” الذي أوصله إلى الرئاسة سقط، ودخل في مرحلة احتضار قد تطول، ويطول معها الاهتراء، ويتعمم في ظلّها الجنون

لكن هذا يحدث في بلد هو غرفة عمليات الإرهاب – العابر للحدود – الأولى في المنطقة، والمُسَيطَر عليه من دولة رعاية الإرهاب الأولى في العالم: إيران. وفي بلد استعان بالإسرائيلي فيه من هم في أعلى هرم السلطة اليوم، قبل أن يدخلوا في “دين حزب الله أفواجاً”!

القضاء نفسه الذي يلجأ إليه حزب الله لمقاضاة أصحاب الصوت السيادي المرتفع، مثل فارس سعيد، من دون الالتفات إلى أنّ الحزب، يخالف بطبيعته وتركيبته ونصّه وسلوكه وأفعاله كلّ موجبات الوطنية، ويتحلّل من كلّ ضوابط ومسؤوليات المواطنة.

سوريالية كاملة..

ثم تأتيك “دجاجة حسين شرتوني”، الفتى المهضوم الذي فرّت دجاجته إلى خلف خطوط العدو جنوب لبنان، ولا يريد شيئاً إلاّ استعادتها. خبر فرار الدجاجة ومطاردة حسين إياها وتعرّضه جرّاء ذلك لنيران إسرائيلية في الهواء، صنع منه إعلام المقاومة أسطورةً من أساطير الانتصار والصمود والتصدّي. انتصرت دجاجة حسين شرتوني على “الكيان” باسم محور إيران، التي لم تنفكّ تلعق جراح قتل أكبر علمائها النوويين في قلب إيران وعلى يد الإسرائيليين، بعد سلسلة من الإهانات الأمنية المذلّة، لنظام يقدّس الهيبة! 

انتصر القضاء إذًا على العملاء والإرهابيين بمثل ما انتصرت الدجاجة على إسرائيل. هلّموا بنا نفرح!

وليكتمل عقد الانتصارات المجيدة، بشرّتنا صحيفة لبنانية بفضح المؤامرة البريطانية على لبنان، عبر صناعة الثورة فيه وتمويلها وتجهيزها، وكأنّ لا شيء يدعو للانتفاض على هناء العيش في ربوع لبنان. أو كأنّ ما ببلاد الإنكليز من هموم تبدأ بالشبح كوفيد-19 ولا تنتهي بـتداعيات “بركزيت” مروراً بأزمات استقرار النظام السياسي حكومة وبرلماناً، يترك متّسعاً للتلّهي بلبنان..

يشكو اللبنانيون طوال اليوم من قلّة الاكتراث الدولي بشؤونهم، بيد أنّهم لا يجدون تفسيرات لما يصيبهم إلاّ برمي كرة المسؤولية على مؤامرات خارجية تُحاك بعناية ضدّهم، وكأنّهم البلد الوحيد على رادارات العالم.

وهذا سببه أنّ لبنان يعيش حالاً مرضية من الضياع تتعلق بتصوّره عن نفسه وعن دوره في عالم يتغير بسرعة.

فرضاً أو خياراً، كان لبنان الساحة البديلة لكلّ ساحات النزاع المقفلة في المنطقة. هو ساحة حركة “فتح” بعد أيلول الأسود الأردني في 1970. وساحة صراع البعثين في ظلّ توازن الرعب بين حافظ الأسد وصدّام حسين. وساحة الشيعية السياسية بعد فشل إيران في لعب ورقة المذهبية داخل دول الخليج.. وساحة تجريب وعود السلام الأولى في عقد التسعينات مع الشهيد رفيق الحريري..

وهو قبل ذلك مصرف المنطقة وجامعتها وجريدتها وتلفزيونها وفندقها ووعاء حداثتها..

يشكو اللبنانيون طوال اليوم من قلّة الاكتراث الدولي بشؤونهم، بيد أنّهم لا يجدون تفسيرات لما يصيبهم إلاّ برمي كرة المسؤولية على مؤامرات خارجية تُحاك بعناية ضدّهم، وكأنّهم البلد الوحيد على رادارات العالم

كلّ ذلك تغيّر.. لبنان اليوم هو الحريق الأصغر بين حرائق الإقليم.. والساحة الأقلّ إغراءً للأدوار البديلة في ظلّ الساحات المفتوحة: من سوريا التي تحتضن خمس احتلالات كبرى، إلى اليمن الذي صار خطّ التماس بين إيران والسعودية.. فالدول تقاتل على حدودها وداخلها في آن.. تدير حروب السلاح ومعارك التحوّل الاجتماعي والاقتصادي وإعادة هيكلة التحالفات من دون الحاجة إلى لبنان ومن دون التأثر بلبنان..

سقط الركن الأكبر من الحريرية، كمدرسة في السياسة والاقتصاد والحداثة، مع سقوط رفيق الحريري شهيداً. وسقط الركن الأكبر من المقاومتية، كمدرسة في نيابة الميليشيا عن دولة لا تستطيع القتال خارج حدودها، مع القرار 1701.

فلا الحداثة الاقتصادية تعمل ولا المقاومة تقاوم. من كلّ تجربة الحريري المجيدة بقيت تقنيات التسوّل المعاصر. ومن كل تجربة المقاومة بقي منبر حسن نصرالله، الذي يملأ الهواء صراخاً وغضباً، مصحوبًا بالتأكيد على “أنّنا لا نريد الحرب”.

ركام حداثة. وركام مقاومة.

صورتان تصارعتا حتّى الرمق الأخير للاثنتين.

انتهى عهد ميشال عون صحيح. لكن انتهى معه، ولا أقول بسببه فقط، لبنان بأدواره التي مضت ولن تعود.

اللبنانيون مدعوّون لإعادة ابتكار معنىً لبلدهم.. أن يعيدوا صياغة صورةً ودوراً وسمعةً.. هذه الصياغة مقدّمة لإنتاج طبقة سياسية جديدة ولنخبة تعيد تعريف لبنان خارج ثقافة النوستالجيا إلى لبنان انتهى.