الرئيسية / home slide / ما بعد العنصرية وجهنم التي تحت السرير

ما بعد العنصرية وجهنم التي تحت السرير

 إبراهيم نصر الله
القدس العربي
14042022

لن أتحدّث عن سرقة المياه من قبل الصّهاينة، ولا تلويثها، ولا عن مصادرة الأرض، وغير ذلك من قضايا كبرى قد لا يلمسها الطفل الفلسطيني قبل أن يُقتَل أو خلال تعذيبه، سأُذكِّر هنا أن ربع الشعب الفلسطيني دخل السّجون منذ عام 1967، وهؤلاء ينتمون للأُسَر الفلسطينية كلها؛ لهم أطفال وإخوة وأخوات وأمّهات، سأُذكِّر بآلاف البيوت التي دُمِّرت، وبأكثر من مليوني شجرة اقتُلِعت، بحروب كثيرة شُنّت على هذا الشعب، بملايين الرّصاصات التي أُطلقت عليه، ومئات آلاف القذائف وعشرات آلاف الغارات، سأُذكّر بـ 100 ألف شهيد على الأقل، يقابلهم 400 ألف جريح على الأقلّ، بأطفال فقدوا أعينهم، وشباب فقدوا أطرافهم، سأُذكِّر بالاقتحامات الليليّة والنهاريّة، وحواجز الإذلال، سأذكِّر بأمهات أنجبن على الحواجز العسكرية، ومات مواليدُهنّ بسبب منعهنّ من الوصول إلى المستشفيات، سأُذكِّر بمدارس دُمِّرتْ، وطرُق للمدرسةِ حوّلها الجنود إلى مصائد موت، وسأُذكِّر بجنود مدججين بالأسلحة والسّترات الواقية يطاردون أطفالاً ويطلقون النار عليهم في ظهورهم، وشباب وأطفال وأمّهات يستشهدون على الحواجز كما استشهدت هذا الأسبوع غادة سباتين (47 عامًا) حين أطلق الجنود الصهاينة النار عليها، بينما كانت تعبر نقطة تفتيش صهيونية، وهي أرملة وأمّ لستة أطفال.
سأُذكِّر بـ 50 ألف طفل فلسطيني تمّ اعتقالهم منذ مهزلة حزيران 1967، من بينهم أكثر من 9000 طفل فلسطينيّ اعتقلوا بين عامي 2015 و2022، وأُذكِّر باستشهاد نحو 2200 طفل بين عامي 2000-2021.
هذه أرقام تنتمي لعالم الرّعب، أو ما بعد الرّعب، وهناك أرقام أخرى من الصّعب إدراجها، وأرقام متغّيرة بحيث تبدو صفة «كيان عنصري» صفة مُلطَّفة، لا تقول الحقيقة كلّها، ففي داخل هذه الأرقام قصص وروايات يفوق عددها كل ما أنتجه العرب وغير العرب؛ لأن كل حكاية لأسير أو لشهيد أو لجريح فيها حكاية وغضبُ أمّه وأبيه وأخته وأخيه وجدته وأصدقائه وحبيبته وأرملته وخطيبته، وحكايات القريبين من هؤلاء، وإضافة إلى هؤلاء كلهم غضب كل من يقفون مع هذه القضية من الشعوب العربية وشعوب العالم وأصحاب الضمائر في كل مكان. لذا، يرتكب هذا الكيان البغيض أكبر أخطائه حين يعتقد أنه باتفاقيات التطبيع المذِّلة قد حقق السلام مع ست دول أو سبع دول أو أكثر، ناسيًا أن هناك الملايين الذين من الصعب عليه أن يعقد اتفاقيات تطبيع مع جراح أرواحهم.
لا يُحرِّض أحد على الصهيوني أكثر من الصهيوني نفسه، فكما يضع هذا الصهيوني «بنك أهداف» للقتل والهدم ليقول إنه انتصر، فإن هذا البنك الذي يُراكم فيه ضحاياه، هو الغضبةُ التي ستجتاحه آخر الأمر وتحرمه النوم، كما يحدث اليوم في فلسطين كلها.
حكاية الطفل الفلسطيني أحمد مناصرة، الذي أمضى حتى الآن سبع سنوات في أقسى الظروف، منذ أن بلغ الثالثة عشرة، حكاية تفوق كل أشكال الحكايات التي رأيناها في السينما وقرأنا عنها في الروايات، وتلك التي هزّت قلب العالم، حكاية طفل بين فكّي أعتى فاشية في العصر الحديث، وصورة مرعبة عن شهوة تحطيم الطفولة وسحقها دون أيّ رادع. المجرم الذي يمارسها تبدو صفة العنصرية صفة دلع إذا ما أُطلقت عليه، مقارنة بما فعله ويفعله ضد أحمد وأبناء شعب أحمد وبناته.
ما فعله الصهيوني ضد هذا الطفل يكفي، وحده، سببًا لزوال هذا الكيان الذي يُعلن غلمان أنظمةِ القشّ أنهم خسروا 43 عامًا من أعمارهم قبل أن يحالفوه. هؤلاء اليوم مجرمون مثله.
كيان بشع متغطرس لم يدرك بعد أن مَن يشعل الثورة هم دائمًا أولئك الشباب الذين قَتَل أمسِ آباءهم وأمهاتهم، وهدم بيوتهم ومدارسهم. كيان لم يدرك بعد ما الذي يمكن أن يفعله في الغد الأبناء الستة للشهيدة غادة سباتين، وأبناء أمهات وآباء وإخوة وأخوات آلاف الشهداء.
ذات يوم، من عام 2014، كنت في جولة لتقديم عدة محاضرات في إيرلندا، وفي إحدى الأمسيات، سألتْني امرأة السؤال الأصعب: ما موقفك كشاعر – يقرأ كل هذه القصائد الإنسانية لنا الآن- من العمليات الانتحارية ضد الإسرائيليين؟
قلت لها: قبل أن آتي إلى هنا شاهدتُ صورة في إحدى الصّحف، صورة مُعَبِّرة في الحقيقة: دبابة إسرائيلية على الشاطئ الرّمليّ لمدينة غزة المحتلة تُلاحِقُ مجموعةً من الأطفال الفلسطينيين الذي يفرُّون أمامها، كلّ في اتجاه، والرّعب بادٍ عليهم. كان السؤال الأول الذي طرحته على نفسي، هو: ما الذي يمكن أن يحسّ به طفل أعزل تلاحقه دبابة في العَراء؟ ما الذي يفكر فيه هؤلاء الأطفال في لحظة مُرعبة كهذه؟ لأول مرّة أكتشف أن ما يدور فيهم شيء خاص متعلّق بأرواحهم وحدها، شيء لا أستطيع تصوّره، ولا أملك القدرة على معرفته كلّه مهما أطلقتُ العنانَ لخيالي؛ وأنا أرى هذا الجسد يوشك أن يُسحق في أيّ لحظة تحت جنازير تلك الدبابة، أو أن تخترقه رصاصة من رشاشها الثقيل. لقد أحسستُ سيدتي، أن الدّبابة تضعه في موقع لا يُتيح لي الفرصةَ كي أحاوره أو يحاورني، أو يُسمعني صوته أو أُسمعه صوتي. لقد قررتْ هذه الدبابة بنفسها ما الذي سيفعله مستقبلاً بجسده. وليس أنا أو أنتِ، لأننا بالتأكيد كنا نتمنّى أن يعيش مثل أيّ طفل، ويموت ميتة طبيعية مثل أي إنسان على هذا الكوكب. كلّنا نتحدّث عن الحقّ في الحياة، وهو حقّ مقدّس لكلّ البشر، فما الذي أقوله لهذا الطفل المُلاحَق عن حقّه في حياته وطفولته؟ ما الذي يمكن أن أقوله له عن الاحتلال؟ وأنا أرى شخصيًّا أن الاحتلال هو أعلى مراتب العنصرية؟ أصدقكِ القول إنني، إنسانيًّا، أشعر بأنني لا أملك حقّ قول أي شيء له، لأنني لا أستطيع أن أتصوّر كلَّ ما يحدث فيه، وهو المُطارَد هناك على الشاطئ، والمُطارد في بيته، وفي طريقه إلى مدرسته وفي الليل الذي حوَّله الاحتلال إلى كابوس، وفي غرفة الصفّ التي حوَّلها الجنود إلى موقع عسكري يطلقون النار منه نحو شعبه الفلسطيني، ثم يحوّلونها إلى حمّامات، يقضون فيها حاجاتهم فوق مقعده المدرسي، قبل أن ينسحبوا منها، فهل تستطيعين أنتِ؟
وبعــد: ثمانية عشر عامًا مرّت منذ تلك المحاضرة، لكن هذا الكيان وكلّ مَن يحالفونه اليوم، ومن يحالفون حلفاءه بتسوِّلهم، لا يدركون بعد أيّ جهنّم تلك التي زرعوا بذرتها تحت أسرَّتِهم، ومثلهم تلك السلطة الرّخوة التي تتجلّى بطولتها اليوم في محو اسمَي الشّهيدين ضياء حمارشة ورعد حازم من سجل الشهداء!

إبراهيم نصر الله