الرئيسية / مقالات / ما الهدف الحقيقي للاحتجاج الشعبي في العراق؟

ما الهدف الحقيقي للاحتجاج الشعبي في العراق؟


سركيس نعوم
النهار
23072018

يعرف الزعماء السياسيون في لبنان والمنطقة، أو يفترض أن يعرفوا، أن المواجهة بين أميركا والجمهورية الاسلامية الايرانية صارت حتمية أو شبه حتمية، ذلك أن رئيسها أكد بعد انسحابه من “الاتفاق النووي” الذي وقعه الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن زائد ألمانيا معها أنه سيعيد فرض العقوبات الرئاسية عليها بعدما كان رفعها سلفه أوباما عقب التوقيع. كما أكد أنه سيضيف إليها عقوبات أشدّ وأقسى في شهر آب المقبل وربما في نهايته، وأضاف أنه في شهر تشرين الثاني المقبل سيبدأ استعمال النفط لجعل الضغط عليها صعب الاحتمال ولدفعها الى طلب التفاوض مع بلاده ومع المجتمع الدولي ربما على اتفاق جديد معها ينزع نوويتها التي حفظها لها الاتفاق الأول ويضع حداً لمشروعاتها الهادفة الى امتلاك ترسانة صاروخية باليستية متطورة جداً، وعندما رد عليه المسؤولون الكبار في طهران من سياسيين. رئيس الجمهورية الشيخ حسن روحاني ووزير خارجيته ومن علمائيين ومن عسكريين في الجيش النظامي كما في “الحرس الثوري” بالتهديد بإقفال مضيق هرمز الممر النفطي والتجاري الأكثر أهمية في العالم، أجابهم بتهديد رسمي باستعمال القدرة العسكرية المتفوّقة لبلاده لمنعها من ذلك أياً تكن الكلفة.

لكن على هؤلاء الزعماء والسياسيين معرفة أمر آخر هو أن تهديداً وردّاً عليه من النوع المذكور أعلاه، لا بد أن تواكبه استعدادات جديّة نظراً الى ضيق الوقت بين إطلاقهما والمبادرة الى تنفيذهما. ويعني ذلك أن أميركا العسكرية تحدّث خطتها الحربية في منطقة الخليج الذي تسميه فارسياً في حين أن حلفاءها العرب يسمونه عربياً، وتضع خططاً جديدة وتحضّر نفسها للمواجهة الحاسمة والناجحة عندما يصدر رئيسها أوامره بذلك. كما يعني أن إيران تفعل الشيء نفسه. وهذا الواقع يدفع الى التساؤل عن الغضبة الشعبية التي بدأت في العراق منذ أكثر من اسبوعين، وتحديداً في العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب كلها حتى البصرة، والتي عبّرت عن نفسها بتظاهرات وهجومات على مراكز حكومية وبلدية وأمنية وبإحراق بعضها وبمواجهة الشرطة، والتي اضطرت السلطة الى استعمال كل ما يمكنها لوقفها بما في ذلك اطلاق النار والقنابل المسيلة للدموع وإن كانت النتيجة سقوط قتلى وجرحى بأعداد لا بأس بها. صحيح أن العالم كلّه، ومعه شعب العراق، يعرف الفساد المستشري في الدولة العراقية ومؤسساتها والفوضى التي تسودها وعجز المسؤولين فيها ولا سيما في حكومتها عن وضع حد له وعن تأمين الخدمات للناس المحرومين العمل والمياه والكهرباء وكل أمر حياتي ومعيشي آخر. ويعرف أن هذا الواقع ليس حديثاً إذ بدأ يوم بدأ تأسيس دولة ما بعد انهيار عراق صدام حسين. لكن الاحتجاج عليه ورفضه على النحو الذي يراه العراقيون والمجتمع الدولي والاصرار على التخلص منه في الشارع هو الجديد وهو الذي فاجأ كل المعنيين بالعراق شعباً ومجتمعات ودولة ومؤسسات وجيراناً من العرب وآخرين من العجم. طبعاً لا ينسى العراقيون ومتابعو أوضاع دولتهم أن الزعيم المعمّم السيد مقتدى الصدر قاد احتجاجاً مشابهاً الى حد ما لما يجري في العراق اليوم. لكنه لم يبد في حينه مؤهلاً للاستمرار والتصاعد والتصعيد ربما لأن صاحبه او المحرّض عليه كانت له أهداف داخلية محضة. ولذلك فإن الأسئلة التي تطرح اليوم عن العراق ومستقبله وأثر الاشتباك السياسي الكبير بين ايران وأميركا، الممكن تحوّله اشتباكاً عسكرياً إذا أخطأت الأولى الحساب والتقدير، كثيرة أبرزها الآتي:

– هل تعتقد إيران فعلاً أنها ستواجه خطراً شديداً في الأشهر القليلة المقبلة ولذلك فإنها تحتاط له؟ هل تعتقد أن ضغط ترامب على المجتمع الدولي المستهلك للنفط بشركاته الكبرى سيدفعه الى التوقف عن شراء نفطها وغازها؟ وهل تعتقد أن المجتمع نفسه ورغم “تعلّق” غالبيته بـ”الاتفاق النووي” قادر على إعطائها ضمانات لاستمراره عاملاً فيها لتحديث بناها التحتية ومساعدتها على تحديث اقتصادها ومجتمعها ومرافقها؟ وهل تعتقد أنه قادر على إرغام شركاته العملاقة ومؤسساته المختلفة على مخالفة “الأوامر” أو بالأحرى القرارات العقابية الأميركية لها؟ هل تعتقد إيران أنها قادرة على استعمال العراق وتحديداً جنوبه (البصرة) من أجل الالتفاف على قرار ترامب منعها من تصدير نفطها ومنع مستهلكيه من السعي الى الحصول عليه بوسائل غير رسمية وقانونية، كما كان يفعل الراحل صدام يوم كان يحاصره الأميركيون؟ أي كان يهرّب النفط الى تركيا وربما الى غيرها ويبيعه وإن بأسعار رخيصة، وهذا أمر فعله أيضاً “داعش” في العراق وسوريا قبل أن يقضي عليه التحالف الدولي بقيادة أميركا وإيران الاسلامية عبر العراق جيشاً وحشداً شعبياً، هل من جهة خارجية تفتعل التظاهرات ولماذا؟

هل من أجوبة عن هذه الأسئلة؟

لا أحد يمتلك أجوبة حاسمة عنها. لكن القليل المتوافر من المعلومات والمعطيات يفيد أن ما يجري في العراق منذ أكثر من أسبوعين، أسبابه أعمق وأكبر وأخطر من الأوضاع المأسوية التي يظن العراقيون “المنتفضون” أن تحركهم يرمي الى تحسينها. ويشير ربما الى بدء اللاعبين الكبار في المنطقة ومنهم إيران الاستعداد لمواجهة أثار تهديدات ترامب. وتمكن ملاحظة ذلك من معلومات متسرّبة عن اتصالات بين “أوبيك” ودول نفطية في المنطقة، العراق احداها، يتم من خلالها الاستفسار عما اذا كانت قادرة على تغطية حصتها النفطية المعروضة في السوق، والتأكيد في الوقت نفسه على استعداد كبار منتجي النفط في المنطقة لتغطية هذه الحصة أو تلك.

ماذا يعني ذلك عملياً؟

sarkis.naoum@annahar.com.lb

اضف رد