الرئيسية / مقالات / ما المعطيات العاجلة التي أمْلت على نصرالله إطلاق التحذير مجدداً من خطر التوطين؟

ما المعطيات العاجلة التي أمْلت على نصرالله إطلاق التحذير مجدداً من خطر التوطين؟

الصورة من إدلب

هل من مستجد دراماتيكي من خارج السياق والمألوف دفع الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصرالله خلال إطلالته الإعلامية الأخيرة بعد ظهر السبت الماضي، إلى استحضار ملف توطين اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين على السواء مجدداً من منطلق الدعوة الملحاحة إلى ضرورة الاستعداد الجاد لمواجهة مفاعيل هذا الخطر الكامن بالتعاون والتنسيق مع مَن يعنيهم الأمر؟

لاريب أن هذا الملف حاضر منذ زمن بعيد في خطابات السيد نصرالله وما تجاهله يوماً ولا استخف به إطلاقاً، وعليه ترسّخت قناعة جوهرها أنه في كل مرة يأتي فيها الرجل على ذكر هذا الموضوع ويقاربه على هذا النحو، يكون هناك استشعار بخطر جديد مضاف من جهة، وتكون ثمة رغبة لديه في توجيه رسائل بالجملة إلى مَن يعنيهم الأمر في الداخل والخارج، خصوصاً أن خطر التوطين هو في يقين الحزب خطر وجودي حقيقي، أو بمعنى آخر قنبلة موقوتة تملك قابلية التشظّي في أي لحظة.

وكان لافتاً أن التحذير الذي أطلقه نصرالله من خطر التوطين إنما تزامن مع مناخات وأجواء إعلامية – سياسية على قدر كبير من السعة، توحي بأن ثمة استشعاراً جمعياً بخطر التوطين، أو كأن هناك إرادة أطلقت “مارد الخشية من التوطين” من قمقمه دفعة واحدة وعظّمت مخاطره.

القريبون من مصادر القرار في “حزب الله” أشاروا، في معرض تفسيرهم للأمر، إلى أنه توافرت لديهم خلال الأيام القليلة الماضية معطيات ووقائع فحواها أن رسائل أميركية – غربية وصلت إلى جهات في الداخل اللبناني انطوت على تعليمات بضرورة تحضير الأجواء لكي يصير التوطين في أذهان كل الناس وكأنه أمر واقع أو قدر لا مفر منه.

المسألة تتصل هذه المرة أكثر ما يكون بتوطين اللاجئين الفلسطينيين أو ما تبقّى منهم في لبنان (يقدَّرون وفق إحصاءات فلسطينية – أممية – لبنانية رسمية بأقل من 150 ألف لاجىء من أصل أكثر من 500 ألف مسجلين لدى وكالة “الاونروا” ووزارة الداخلية اللبنانية).

ومن بين الذين تناهت الرسالة إياها إلى علمهم جهاتٌ فلسطينية، فبادرت على الفور إلى التواصل مع الحزب طالبة منه التنسيق لإيجاد سبل المواجهة في القريب العاجل.

من البديهي أن الدوائر المعنية في الحزب كانت قد تيقّنت بأن الذين يقفون وراء ما صار يُعرف بـ”مشروع صفقة العصر” الذي بدأت ترجماته العملية ومقدماته اللازمة في المنامة أولاً، صاروا في الآونة الأخيرة أكثر جرأة ووقاحة في الترويج لهذا المشروع والتعامل معه وكأنه قدر محتوم لا مفر من قضائه. وبالتالي فإن الحزب وحلفاءه باتوا على دراية بأن لـ”صفقة العصر” هذه ترتيبات ومكملات تتصل بتوطين اللاجئين في أماكن لجوئهم الحالي ومنها بطبيعة الحال لبنان.

وعليه فإن الحزب يهيىء بالتعاون والتنسيق مع حلفائه في المؤتمر العام للأحزاب العربية وفي المؤتمر القومي العربي والمؤتمر القومي – الإسلامي ومؤسسة القدس، لمؤتمر معارضة عربي واسع النطاق في بيروت في 2 حزيران المقبل ليسبق بنحو ثلاثة أيام مؤتمر المنامة الممهِّد للتطبيع الاقتصادي، والهدف من مؤتمر قوى المعارضة التأكيد أن الشارع العربي لم يبلغ بعد درجة اليأس والاستسلام لما سيُفرض عليه سعياً إلى إنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي، بل لايزال يملك قابلية الاعتراض والرفض، خصوصاً أن مؤتمر بيروت ستشارك فيه شخصيات من كل الاتجاهات والفصائل الفلسطينية بما فيها حركة “فتح” وتلك التي هي على خلاف مع السلطة الوطنية.

وفي موازاة ذلك، فإن الدوائر عينها في الحزب تستشعر أيضاً ان المفوضية السامية لشؤون النازحين السوريين في لبنان بدأت في الآونة الأخيرة ترفع من وتيرة اعتراضها على أي فعل أو إجراء يُراد منه دفع النازحين السوريين إلى العودة إلى بلادهم، كما تتدخل مباشرة للحد من أي إجراء أو قرار يراد منه الحد من تواجد النازحين داخل المدن والبلدات اللبنانية.

وفي هذا الاطار، يروي نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي أنه تناهى إلى علمه أن بلدية زحلة، وبعد مراجعات، اتخذت قبل أيام قراراً يقضي بتجميع النازحين السوريين من أحياء المدينة ومن ثم نقلهم إلى مخيم يقام خارجها تحاشياً لحوادث واحتكاكات وحرصاً على تأمين السلامة العامة، فما كان من ممثلي المفوضية إلا أن حضروا على الفور وبسرعة قياسية ليبلغوا إلى المجلس البلدي اعتراضهم على هذا القرار وتحذيرهم من أي مساس بوضع هؤلاء النازحين.

ووفق مصادر في الحزب، فإن هذا “التشدد الأممي” حيال موضوع تحرك النازحين السوريين، مردّه إلى قرار مستتر يعمل بوحي مفاده إبقاء هؤلاء النازحين وبأي شكل من الأشكال في وضعهم الحالي وعدم دفعهم إلى العودة إلى بلادهم قبل الانتخابات الرئاسية في سوريا وقبل أي موعد لأي تسوية ستُفرض على النظام في سوريا ليكون لهؤلاء النازحين حصة وازنة في أي تركيبة سياسية جدية ستنشأ لاحقاً باعتبار أنهم الجهة المناهضة للنظام هناك. وهذا يصب في خانة “التعليمة” الأساسية القديمة وجوهرها: لا تحركوا ساكناً في شأن هؤلاء النازحين، وأبقوهم عندكم في لبنان إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، بصرف النظر عما يمكن أن يتحمله الاقتصاد اللبناني من أعباء نتيجة الوجود الكبير لهؤلاء النازحين.

وتؤكد المصادر أيضاً أن الحزب وفي سياق التنبه والحذر من كل هذه المخاطر، كانت الصرخة التي أطلقها أمينه العام، على أن تعقبها مباشرة من الآن فصاعداً خطوات أخرى ذات طابع عملي للتأكيد أنه لا يمكنه لا هو ولا حلفاؤه السكوت على ما يُعدّ ويُنسَج في الغرف المعتمة بغية فرض أمر التوطين في لحظة ما على لبنان.

ibrahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد