ما الدروس والعِبَر التي استقاها “حزب الله” من تجربة الأشهر التسعة الماضية؟

يسري في أوساط “حزب الله” كلام فحواه ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون أبلغ مَن يعنيهم الأمر جازماً أنه إما ان يكون هناك حكومة جديدة قبل اوائل شباط المقبل، وإما أننا مستعدون للذهاب الى خيارات أخرى مفتوحة.

ورغم ان مؤدَّى جوهر الكلام يعني أن زمن قطاف الحكومة المنتظَر ولادتها منذ ما يقرب من تسعة أشهر، قد بات أكثر دنوّاً من أي وقت مضى، فان ثمة مَن بدأ منذ الآن يتصرف من منطلق أن فترة الاشهر التسعة المنقضية على اجراء الانتخابات النيابية وما تخللها من فراغ حكومي وصراعات وتجاذبات اتخذت أشكالاً متنوعة، كانت حقبة مفصلية بكل ما للكلمة من معنى، إذ إنها أطاحت رهانات وخيارات ومن ثم أرست أسس معادلات صار يصعب بعد اليوم تجاوزها وضرب الصفح عنها أو القفز فوقها.

العنوان العريض الذي جرى تثبيته عنوة هو ان الرئيس سعد الحريري قد اضطر في خاتمة المطاف وبعد طول ممانعة، الى ان يوقّع بيده على تمثيل خصومه في شارعه الشارع السنّي المنضوين تحت عباءة “اللقاء التشاوري للنواب السنّة المستقلين”، وإن كان لايزال يملك فرصة القول إن الامور لم تسر وفق رغبة هؤلاء الخصوم تماماً ليخفف أثر التراجع، إلا انه تجرَّع بالاجمال كأساً جهد طويلاً للحيلولة دون تجرّعها إن على مستوى الممانعة الذاتية أو على مستوى نسج تفاهمات جديدة كان يجد فيها الحجاب الحصين خصوصاً مع الوزير جبران باسيل، أو من خلال أخذ “بركة ضمنية” من رئيس مجلس النواب نبيه بري.

ومع ان “حزب الله” اعتصم أكثر ما يكون بالصمت حيال هذا الموضوع بعدما رفض تسليم أسماء ممثليه في الحكومة، إلا ان الوزير باسيل أدرك، وإن متأخراً بعض الشيء، أن لعبة تجاوز هذا الفريق اعتماداً على “المونة” عليه أوشكت ان تسدَّ أمامه أبواب بلوغ الحلم الذهبي بالنسبة اليه، وأشعرته بان “تفاهم مار مخايل” قد وضِع جدياً وأكثر من أي وقت مضى على صفيح بالغ السخونة.

واكثر من ذلك، فان الرئيس بري بدا في مرحلة من المراحل كمن أدرك متأخراً جسامة ما ذهب اليه وسار فيه، وقال لمن يعنيهم الامر ما مفاده: “لم أكن اظن ان الامر جدي الى هذا الحد عند الاخوان في الحزب، وأنا اجتهدت فأخطات، وما كان يحدوني هو الرغبة في طي صفحة الفراغ الحكومي ليس إلا”.

وبمعنى آخر أيقن هذان الطرفان (أي باسيل وبري) ان الاجتهاد الخاطىء في موضوع كهذا له محاذير كبرى عند الحزب، خصوصاً إذا ما بلغت الامور حدّ المسّ بصفة الوفاء المطلق للحلفاء، وهي القيمة التي يعليها الحزب فوق أي اعتبار آخر ويريدها على الدوام جزءاً أصيلاً من ثقافة المشهد المأخوذ عنه، فالسياسة عنده قائمة اساساً على قيم اخلاقية أبرز ما فيها “الوفاء لأهل الوفاء”، وهو ما أكده مراراً سيد الحزب السيد حسن نصرالله.

وعليه فقد أثبت الحزب لمن يعنيهم الامر انه بمقدار ما كان بارّاً بوعده للرئيس عون ابان كان مرشحاً للرئاسة الاولى، كان كذلك وفياً لحلفائه في الشارع السنّي الذين ما تخلّفوا عن نصرته والتماهي معه في ذروة الحصار المفروض عليهم، فظل الى جانبهم الى ان تحقق لهم مطلب تمثيلهم حكومياً.

يروي بعض اركان الحزب في شريط ذكرياتهم عن الاشهر التسعة المنقضية، ان من الانطباعات التي رشحت عن اللقاء الذي جمع السيد نصرالله ذات امسية بالوزير باسيل في أعقاب “اللا” المدوية التي اعلنها الحزب احتجاجاً على عدم تمثيل “اللقاء التشاوري”، أنه ساده نوع نادر من التوتر واللاتفاهم، الى درجة انهم ذهبوا الى التخمين بقرب حدوث قطيعة محتمة تطوي صفحة التلاقي التي سادت منذ نحو 12 عاماً، والسبب كان كلمة أصر السيد نصرالله عليها وهي “اننا لا يمكن إلا ان نكون اوفياء لخيارات حلفائنا وقت حاجتهم الينا، وتجربتنا معكم هي خير برهان وقرينة”.

ويذكر هؤلاء انهم بعد وقت قصير وجدوا ان “التيار الوطني الحر” قد شرع في حملة “ترهيب” متعددة الوجه ضد الحزب، مما وضعه أمام خيارين أحلاهما مُر: إما القطيعة بما تنطوي عليه حاضراً ومستقبلاً، وإما الوفاء للحلفاء، فلم يتوانَ الحزب عن الايحاء لمن يعنيهم الامر بانه ليس في وارد التنازل عن قناعاته مهما كلف الامر.

وفي مرحلة من المراحل، جاء الى الحزب مَن يبلغه ان “التيار البرتقالي” في وارد رفع شكوى الى المرجعية السورية من أجل الرجوع بتوصية تحسم الموقف، لكن الحزب ظل صامداً عند حدود قناعته.

وأياً يكن من أمر، فان الحزب بات على قناعة مسبقة بانه اذا ما أُلِّفت الحكومة وفق الصيغة التي صار تصوّرها معمماً وموصوفاً، وهي الصيغة التي تسمي ممثل “اللقاء التشاوري” في عِدادها، فان ذلك على محدوديته يعني الاقرار الحاسم بما افرزته الانتخابات النيابية الاخيرة من نتائج وتحولات، واستطراداً بما حملته من معادلات ووقائع وتقدّم لفريق كان مقصياً (أي سنّة 8 آذار) وتراجع محسوس لفريق تصرف على اساس انه ملك زمام اللعبة والموقف والمبادرة طوال أكثر من عقد من السنين (أي “تيار المستقبل”).

ومع ذلك يبقى السؤال: هل خشي الحزب فعلاً في لحظة من اللحظات من مسألة “الثلث المعطل” الذي سعى اليه جاهداً الوزير باسيل، خصوصاً اذا ما صح ان هذا الثلث هو ثمرة تفاهم مضمَر أُبرم في ليل بين التيارين “البرتقالي” و”الازرق”؟ في السياسة وألاعيبها الحذر واجب دوماً، لكن اللافت ان الحزب وفي ذروة السجال والأخذ والرد، لم يقل انه يعارض هذا الامر، بل الاكيد انه أوجد ظروفاً تبرر صوت المعترضين وتسمح لهم باعلاء صوتهم، مما اوحى بان للأمر حدوداً، وان على الكل ألا يبالغوا في الاعتماد على كرمه وفيض تسامحه.

ibrahim.bayram@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*