الرئيسية / home slide / ما أحوجنا إلى حبر فؤاد سليمان لتمريغ لصوص الهيكل

ما أحوجنا إلى حبر فؤاد سليمان لتمريغ لصوص الهيكل

الغلاف.الغلاف.الغلاف.

لم يعرف لبنان أديباً بواقعيته الثائرة، ولا بحدة جرحه والمه، ولا بصدقه. هو فؤاد سليمان. من الادباء الحاضرين في وجدان اللبنانيين، وفي التوق المستحيل إلى نهضة مرتجاة. نتذكره اليوم، كما كلّ يوم، لأننا بحاجة إلى صدقه الصارخ، وإلى إيمانه القوي بأنه” قادر من أي مكان يكون فيه ان يصنع الدنيا ويصنعها أجمل مما هي”، بحسب منح الصلح.

من فيع الكورة (1912-1951). عاش طفولته في بيئة القرية وعرف الشوق باكراً مذ سافر والده إلى بلاد الغربة. تخرج في مدرسة الفرير طرابلس (الزاهرية) وحاز الإجازة في اللغة العربية وآدابها من جامعة القديس يوسف. انتمى باكراً إلى صفوف النهضة القومية الاجتماعية. وكان مع عبدالله قبرصي حاملاً الأزهار إلى مي زيادة في بيتها في شارع السادات برأس بيروت لتهنئتها بالسلامة، بتكليف من أنطون سعادة. ولما فتحت الباب قالت: “أهلا وسهلاً بأزهار الأدب”.

درّس اللغة العربية في الانترناشونال كوليدج من 1937 الى 1951، وأسس فيها النادي الأدبي، وحرّر مجلة “صدى النادي”. ساهم في الصحافة اديباً وشاعراً وناقداً وحرّر زاوية “من نافذتي” و”ما أرى وما أسمع” في جريدة “النهضة” كما تولى رئاسة تحرير مجلة “صدى المرأة” (1930-1948)، كما حرر زاوية “صباح الخير” في جريدة “النهار” ووقّع مقالاته باسم “تموز” وله العديد من المقالات من المجلات اللبنانية. دخل إلى الصحافة أديباً وخرج منها أديباً ومناضلاً وثائراً ورمزاً.

منحته الحكومة اللبنانية وسام المعارف من الدرجة الأولى عام 1951. توفي عام 1951 ولم يتجاوز التاسعة والثلاثين من العمر بعدما ترك أعمالاً لا تنسى، مثل “درب القمر” و”القناديل الحمراء” و”يا أمتي إلى أين؟” (لا يزال السؤال مشروعاً) و”كلمات لاذعة” و”أغاني تموز” (شعر) و”في رحاب النقد” و”يوميات ورسائل”، وصدرت أعماله الكاملة في مئويته. وهناك نصب تذكاري له في قريته فيع.

المفجع في فؤاد سليمان أنه كان على حق. صرخ غير مرة “أي يد لم تتلمس ألف جرح في ألف جسد في ألف قلب”، “ليته كان لي أن أملأ صباحات الناس بالخير” أو “أصحافة هذه التي ضيعت كل القيم الروحية الأصيلة في الإنسان وهزلت حتى بانت عظامها من الهزال”. هذا كلام عمره أكثر من سبعين سنة، فماذا عسانا نقول اليوم؟

سؤاله في كتابه “القناديل الحمراء”، “أين هو الشعب الذي لم يرفع رأساً في وجه الجلاد… أين هو هذا الشعب الذي نجرّ أخشاب نعشه؟”، يصلح أن يُنادى به فوق الجبال.

فؤاد سليمان عاصفة لا تهدأ وشعلة لا تخبو، وموقف أصيل في الكتابة والحياة وجرأة القول في وجه الكبير وفي وجه الجلاد وفي وجه المتقاعس. لكنه في الوقت عينه رقيق عذب دافئ. يقول في “درب القمر”: “وعندما امشي في طريقي إلى هموم الحياة أجرّ رجلي على الإسفلت المحموم وراء القرش والرغيف وعيناي في ظلمات الأرض يمشي بجانبي طفل وقلبه وروحه وعيناه تتطلع إلى هناك… إلى قريتي”. اخبرني ابنه وليد سليمان أن طريق درب القمر في فيع هو قيد التجهيز، مزيناً بأقواله. وسألته “بعد تقريباً سبعين عاماً على رحيله ماذا يعني لك فؤاد سليمان الوالد والأديب”، قال: “الكرامة”.

تحدث فؤاد سليمان عن غربتين. غربة الإنسان الذي ترك بلده سعياً وراء طموح “إلى غابات الزمرد والياقوت” حتى بات الناس في بلادي يقولون “بيننا وبين البحر تارات يا ولدي” لأن البحر فتح الباب لهجرة لا تنتهي ولخيبات لا تحصى، والغربة الثانية غربة الإنسان في وطنه “حيث لا يجد فيه رغيفاً يأكله وماء يشربه وقميصا يلبسه. ماذا يفعل الإنسان في وطن تتنازعه الطوائف والاحزاب والعائلات، فلا يبقى للشعب غير التراب اليابس؟ ماذا يفعل الإنسان في وطن يبصق الدم فيه ليعلم أولاده، أو ليلبسهم حذاء في يوم عيد” (القناديل الحمراء). مرة جديدة هذا الكلام عمره سبعون سنة، فعن أي مئوية نتحدث اليوم؟

كان فؤاد سليمان يعرف مبلغ الزيف لدى الحاكمين: “أنتم في مراكزكم لتخدموا الشعب لا لتستخدموه”. وكان قلمه كالسوط ويريد حقاً أن يطرد اللصوص من الهيكل، وأن يمحو كل شائبة في وجه الوطن، وأن يزيل كل ألم عن كل كاهل من أبناء هذا الشعب الطيب.

هو شاعر الالم وكاتبه، على قول مارون عبود، لكن تخونه أحياناً الآمال حين لا يرى صوته يصل إلى أبعد من فضاء مأسور. يقول “ما أقسى أن تصرخ في الفضاء وحدك في بلد يسد أذنه وقلبه وعينيه ويمشي على العمى…”، خائفًا أن تضيع الكلمة وتصبح من سقط المتاع. ويعترف بينه وبين نفسه: “هذا بلد يريد أن يفتح بطنه وتمتلئ معدته ويصغر رأسه وتزم قامته. وليس للحرف قيمة ولا ثمن في بلد الأقزام”. جسّد فؤاد سليمان في أدبه مأساة الاديب الحقيقي الذي يعطي ويرفع من شأن بلاده ثم يصطدم في واقعها وجدرانها ويتمزق فوق صخورها. كتب غسان تويني في ذكرى فؤاد سليمان عام 1954 “غمست ريشتك في قلبك تكتب لنا تاريخاً من دم”.

لم تنل الايام من فؤاد سليمان ولا من أدبه ولا من عاطفته التي من نار ولا من كلمته التي من حديد يتلظّى. ندهته حاجات شعبه فتصدى لها ولبى النداء بالحرف والكلمة والموقف والثورة والألم. نحن اليوم بحاجة إلى صوته وإلى كلماته المتوهجة بالنار والنور، وإلى ضميره ليقف معنا ضد كل هذا الخواء والزيف والفساد المدود والألم الذي لا يتحمله بشر. وأراني أسأل كيف أوجعك كل ذلك في هذا البلد حتى انه قتلك؟ وكيف عمرت للبنان في قلبك قصراً من الاقمار والنجوم ولم تستثن زهرة أو حجرة أو دربا او عشبة او وجهاً. كأنك قامة الوطن وملء عين الوطن.