الرئيسية / home slide / مارون حكيم: «بلادي» وإن جارت عليّ…

مارون حكيم: «بلادي» وإن جارت عليّ…

\

‏يوجّه مارون الحكيم (1950) تحيّة إلى بلده رسماً ونحتاً في معرضه الجديد الذي تحتضنه «غاليري Art on 56». يضمّ المعرض خمسين لوحة ومنحوتة ذات مقاسات مختلفة بين كبيرة ومتوسطة. والعنوان الممنوح للمعرض «تحيّة إلى بلادي» مهّد له الفنان بهذه الوجدانيّة: «أنا المجبول بتراب بلادي، لن أتخلى عن التراب، لن أتخلى عن بلادي».

«قصيدة» (رخام ـــــ 48 × 25 × 10 سنتم ــــ 2022)

يرسم الفنّان والأستاذ في كليّة الفنون في الجامعة اللبنانية أبنية بيروت المبعثرة ركاماً، حيث تضيق المساحات وتخترق ألوانها القاتمة آثار الحطام والأبواب والنوافذ المخلّعة. خرابٌ وتشظّ وثقوبٌ كأنّ عيناً بشريّة تطلّ منها شاهدةً على الفجيعة المأساة. في المقابل، تلوذ ريشته بالطبيعة التي لطالما كانت بالنسبة إليه تحمل الفتون والإلهام والضوء والسكينة. وهنا تبدو لوحاته زاهية الألوان والأنوار وذات كثافة لونيّة وتقميشات متنوعة. ولكن على حين غفلة، أزاح جمالَ الطبيعة هذا انفجارُ المدينة التي غطّاها الظلم والموت، وتبعثرت على طرقاتها وفي بيوتها أجساد البشر لتختلط بركام الحجارة والغبار والدماء. تعبر الألوان القاتمة هذا الإعصار، قبل أن تلتقط أنفاسها وتهرع إلى الذاكرة الجميلة عن الوطن، إلى طبيعته البهيّة الساكنة، بوسائط تعبير متنوّعة بين أكريليك وأكواريل وزيت وباستيل وغواش، تهدئ النفس المتعبة. يغلب على المعرض المنحى التجريدي، والانطباعيّ في ملامحه. علماً بأنّ مارون الحكيم ابن قرية متنيّة تحوطها الطبيعة، إلّا أنّه لم يكن قَطّ فنان طبيعة ريفيّة، فهو بالقوّة ذاتها ابن مدينة يرفض أن يكون رساماً ونحاتاً مدينيّاً مجرّداً من العاطفة. يسيطر بخبرته المديدة على علاقة الموادّ بعضها ببعضها الآخر. لا تقتصر تجربته على النحت حيث يتداخل الخشب والمعدن، بل تتجاوزها إلى اللوحة. يستخدم الفنان العلب الفارغة فوق سطوح لوحاته لتمسي خليطاً من لون وتركيب ونحت، لمواضيع وأشكال ومضامين متنوّعة. الألوان بين مشرقة وداكنة، والأسلوب بين واقعيّ وتجريدي، والثيمات بين طبيعة وسكينة، وموت وخراب، كاسراً الفواصل بين المتناقضات لخلق وحدة تعبيريّة منها.

من المعرض

مارون الحكيم صادقٌ في تعبيره الفنّي، مرن، نستشعر بمتعته لحظة تنقّله بين الحالات والألوان والأشكال في اللوحة، بينما هو صلب وأكثر جرأة عندما يحمل إزميلاً لينحت في الحجر أو في الخشب. يغامر، لا للإفلات من رقابة «النصّ» ﺍﻟﺘﺸﻜﻴﻠﻲّ، بل ليرى إلى أين تقوده مغامرته الفنية. ‏فنان متعدّد يتنقّل، منذ ما يزيد على أربعين عاماً، بين لوحة ومنحوتة. ابن حرفة، يوزّع الثراء الجماليّ الذي يمتلكه، وفي كلّ خطوة جهدٌ بيّن واقتحام للمجهول الذي يروم ترويضه أو مهادنته في ترحّل هادئ بين الأشكال الأليفة لديه. في يده برودة حرفيّ يقودها منطق عقلانيّ، تحليليّ. عينه سريعة الالتقاط، تعبر الأشياء والمعاني، تمرّ وسط المكان كأنّها تجتاز غابة وحشيّة لا تخلّف اطمئناناً، بل تشعل الغريزة الفنية. قسوة مصقولة ذهنيّاً ومزيّنة بإشارات زخرفية. انفعال غامض يغزو اللوحة والمنحوتة، وتنحو هذه الأخيرة إلى غواية لعين الناظر. علاقة مارون الحكيم بمنحوتاته يمكن وصفها بـ «المصيريّة» إن في رخام أو حجر عادي أو حجر ملوّن أو خشب.

الألوان بين مشرقة وداكنة، والأسلوب بين واقعيّ وتجريدي، والثيمات بين طبيعة وسكينة، وموت وخراب

التجربة مستمرّة والبحث مستمرّ عن شكل نهائيّ. وللنحت منزلته الخاصة في مسيرة مارون الحكيم، بلوغاً إلى «اللوحة المنحوتة» لعقد الصلة بين الريشة والإزميل، بين اللون والمادة.
يبقى انطباع أخير، أو ملاحظة أخيرة: إنّ بقعة اللون على المادة الصلبة مثل الحجر والصَدَفْ وسواهما هي للحماية أو التزيين أو التمويه. أمّا في اللوحة، فهي إضافة جماليّة مركّزة، معادلة للرؤيا في التركيب اللونيّ للوحة وتوازناتها، بغية توليد تأثير جماليّ مختلف يشبه شامةً على وجه أنثى تُغوي وتستفزّ، فالبقعة اللونيّة تعكس ذائقةً فنيةً خاصةً واستخداماً جماليّاً موظّفاً على نحو ملائم. غير أنّ بعض البقع اللونيّة لا يعثر على مكانه الصحيح فيُحدثُ تأثيراً معاكساً، مشوّهاً اللوحة، وهذا ما قد نأخذه على مارون الحكيم في بعض لوحاته.
‏مطواعةٌ، رطبةٌ، خصبةٌ يد مارون الحكيم، تتمنّع عن السهولة وتعاند لبلوغ الرؤيا، وقد تتمرّد أحياناً. الشحنة التعبيريّة والخطوط المنسابة لا تدع فسحةً للفراغ في أعمال مارون الحكيم الحاضر بقوّة في الحركة التشكيليّة اللبنانيّة منذ منتصف سبعينيّات القرن الفائت إلى اللحظة الراهنة.