الرئيسية / home slide / مارون الحكيم: الخلق الجمالي نجاتي من وجع الوجود

مارون الحكيم: الخلق الجمالي نجاتي من وجع الوجود

أصدر أخيراً كتابه الذي يوثّق فيه رحلته لأكثر من خمسين عاماً

بيروت: فاطمة عبد الله
الاثنين – 3 شهر ربيع الثاني 1443 هـ – 08 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [ 15686]
https://aawsat.com/home/article/3291361

يكثّف الرسام والنحات اللبناني مارون الحكيم رحلة أكثر من خمسين عاماً من العطاء في عالم الفنون التشكيلية، بمجلّد ضخم (656 صفحة) بعنوان «بالفن أحيا»، مكتوب بالعربية والإنجليزية والفرنسية، وتُجمّله صور اللوحات والمنحوتات، وفيه شهادات ونصوص تختزل أبرز المحطات والمراحل، بعضها بأقلام شعراء ونقاد، وبعضها كتبها مارون الحكيم نفسه، عن فلسفته في الحياة ومواقفه من الإنسان والمرأة والطبيعة.

وُلد الحكيم لأب معمرجي في قرية مزرعة يشوع في جبل لبنان عام 1950، ضمن عائلة مؤلفة من 11 أختاً وأخاً، كان صغيرها. عاش الحياة القروية بكامل تفاصيلها: من تربية المواشي وزراعة البطاطا والفول والقمح وجني العنب والمشمش والزيتون، إلى قائمة طويلة من الأعمال لمساعدة الأهل في جمع الصعتر والسمّاق وطبخ التين وصنع الزبيب. منحته الحياة المتقشّفة قوة في الاعتماد على النفس والتعوّد على مجابهة القسوة.

يقول لنا عن ألعاب طفولته: «كانت ألعابنا، كباقي أطفال القرية في ذلك الزمان، بدائية ومن صُنع أيدينا وخيالنا: الركض في الغابات والحقول، واللعب على البيادر والطرقات الفرعية. كانت الطبيعة ملعبنا وتسليتنا الوحيدة. فيها راقبتُ الأشجار بتفاصيلها المؤثرة، غياب الشمس وشروقها، ألوان السحب وأشكالها، أسراب العصافير، صوت الضفادع، انعكاس الضوء في مياه العيون… في هذا الإطار، تكوّنت الجينات الأولى لمعنى الموهبة وتوجهاتها نحو المراقبة والتخيّل والاستمتاع».

ماذا عن بدايات النحت؟ كيف تكوّنت؟ يجيب: «تفتّحت لديّ من التّماس المباشر مع صفة والدي وإخوتي في مهنة العمار ونحت الحجر. تصدمني الأزاميل والمطارق والعِدد البدائية، وهي تبرق أمام عيني وتناديني لأستعملها. فأتقنتُ أصعب مهنة في التاريخ، وهي النحت ومجابهة الصخر الأصم الجامد وتطويعه».

نحتَ المنحوتة الأولى بالأدوات البدائية وسمّاها «العقدة»، كإشارة إلى ما ينتظره في الحياة من تفكيك لعقد الفن ومطباته. لا صور لديه لرسوماته الطفولية أو المدرسية، لكن أولى لوحاته بالألوان الزيتية رسمها عام 1973. يستذكر معنا: «أنا ابن طبيعته وبيئته

وتقاليدها. لذلك، فالأصالة تحصيل حاصل، لأنّ رسمها مطبوع في كل خط وزيح، وكل ذرّة لون وتجربة وبحث. أما الخيارات فهي قرارات أكدتها التجارب والأبحاث المعمّقة التي استحدثتها خلال مسيرتي التشكيلية المبنية على الكشف والخلق. أقول الخلق، لإيماني بأنّ عمل الفنان مكمّل لما أوجدته الطبيعة التي هي من صنع الخالق. مكمّل بمعنى الإبداع وحَرْف الوقائع من الطبيعة إلى منظور جديد لا يتم إلا بالرؤية الخلّاقة».

يلعب مارون الحكيم بالألوان بجرأة وتجدّد طوال رحلته مع الرسم واللوحة، ثم مقاطعتها مع مسار النحت، ومتعة (وصعوبة؟) الجمع بينهما، مما قد يفسّر قول سمير الصايغ ّد: «في النهاية، لا بد أن يتوحّد الطرفان، فيصير الحجر نحاتاً ويصير الفنان هو نفسه الرخام».

بالنسبة إليه، يتحوّل اللاوعي الطفولي في تأملات الطبيعة الخام، مع الأيام، إلى وعي تشكيلي مغمّس بغزارة الخزان اللوني المعشّش في المخيلة والدماغ، فـ«اللوحة الفنية، وهي بنت التأملات والتخيّل، تصير واقعاً بصرياً ملموساً يجسّد الإيهامات والتموّجات السابحة في عالم غير محسوس وغير مرئي». يقول: «علاقتي باللون بحثية واختبارية، ليس فحسب من الناحية البصرية والقوس – قزحية، بل هي أيضاً دعوة للحواس الأخرى، خصوصاً اللمس، إلى وعي حقيقة التجديد في التقميش البصري واللمسي معاً على مسطّح القماشة البيضاء».

نسأله: كيف ينظر مَن يحيا بالفن إلى من يحيون بالعنف والموت والخراب الفردي والجماعي؟ وهل لا يزال الفن قادراً على جعله يحيا في خضمّ المحرقة اللبنانية وبراكين الحقد ومتاريس الفوضى واليأس؟ يعود إلى عام 1974، تاريخ تخرّجه في معهد الفنون الجميلة تزامناً مع الحرب اللبنانية، ليتحدث عن همّ طغى على عمله التشكيلي في كل المراحل والمعارض التي أقامها عبر السنين. وفيها عالج مواضيع الحرب والمعاناة الإنسانية بلغة فنية غير مباشرة، لاعتباره أنّ «اللغة المباشرة تقتل وهج الفن وألقه». يتابع: «لكن الهمّ والقلق تحوّلا، مع الوقت وحالياً، إلى مصالحة بيني وبين ذاتي، فقررتُ الهروب من واقعنا المرير إلى عالم تجمّله الأحلام والآمال والتوق إلى السلام ونبذ التشاؤم. وهذه قدرة توصّلت إليها بصعوبة، واكتشفتها من خلال عزلة تشكيلية فنية طوعية في صومعة محترفي وبين أفراد عائلتي. فأتت أعمالي الجديدة دعوة إلى لقاء النور في نهاية النفق والتفوّق على الظلمة والعنف».

إنه يؤمن بأنّ الفن علاج روحي للمآسي، ومن جنون الواقع اللبناني: «هذه العصفورية المفتوحة على الصراعات الطائفية، تجعلني كعصفور يرى الأشياء والأمور من الأعلى، محلقاً فوق غابات الحرية المطلقة التي تنادي بالتسامح والحب. هذا السلام الداخلي يعود إلى تنسّكي من أجل الرسالة الجمالية البعيدة عن المحرقة اللبنانية وبراكينها الحاقدة ومتاريسها البائسة واللاجدوى من كل ما يحصل».

ويكشف سرّ النجاة: «في ظل المآسي الكبرى وتفشّي الأوبئة، على المرء التحلّي بالإيمان والرجاء والانحناء أمام مشيئة الظروف والأقدار، من دون تخلّيه عن الأمل وتوقُّع الفرج». يتذكر أياماً سوداء تركت ندوبها في قلبه وذاكرته، وخطفت أقارب وأصدقاء وأحبة، فيُنهي الحوار بعبرة: «على المرء استعادة قواه والاستعداد للنهوض مجدداً. فالحياة مستمرة بالأحياء، ولا مفر من الموت المحتوم. سأبقى متعلقاً بقشة الخلاص بواسطة الخلق الجمالي حتى الأنفاس الأخيرة. هو منقذي الوحيد من وجع الوجود».