الرئيسية / home slide / مارتن سكورسيزي وفران ليبويتز: مرثية لنيويورك

مارتن سكورسيزي وفران ليبويتز: مرثية لنيويورك

أن تحضر الكاتبة والناقدة الأميركية فران ليبويتز مع المخرج مارتن سكورسيزي خارج سياق المناسبات، بعيداً عن العلاقة الشخصية التي تربطهما، في إطار فني مُشترك، هو التقاء للمحتوى الفجّ والمُشاغب مع الصورة الحيوية والمتدفّقة، وهو بلا شك تجسيد شديد الحضور لمناخ نيويورك وثقافتها. هذه «ضربات» فنيّة استثنائية، نادرة ولا تتكرر كثيراً. حدث أن عمل الصديقان الحميمان معاً منذ عشر سنوات على Public Speaking وهو وثائقي من إنتاج H.B.O، حيث تحدثت فران ليبويتز عن مظاهر المدينة، وصوّبت سهام أفكارها النقدية على العديد من القضايا المتعلقة بالحياة المُعاصرة. لكن في التجربة المُستجدّة التي شملتهما مجدداً، تحت عنوان Pretend it’s a city (إنتاج نتفليكس ــ 2021) فالموضوع ولو بدا شبيهاً بالمرة الماضية، إلا أن ملاحظات فران النقدية أخذت المزيد من الانسيابية وأتت مشبعة بالتفاصيل. هي أحاديث طويلة تبدو للوهلة الأولى أشبه بثرثرة عبثية لا جدوى منها، مجرد نعيق وتفريغ مجاني لكاتبة يقظة تسجل في رأسها كل ما تلتقطه عيناها، لكنه في نهاية المطاف أسلوب ليبويتز الفريد الذي يجعل من التكلّم فنّاً.



فران ليبويتز في مسلسل Pretend it’s a city


«تظاهر أنها مدينة» إذاً هو عنوان المُسلسل، وهو مُستمدّ من جملة شفهية ترددها الكاتبة مراراً وتكراراً لمخاطبةِ المارّة في الشوارع. لكن سرعان ما سننتبه إلى أننا نتعامل كمشاهدين مع فران ليبويتز أنها هي بنفسها، المدينة، بما تمثله من رمزٍ يعكس إرثاً ثقافياً واجتماعياً يخوّلها أن تكون لسان نيويورك الناطق. الكاتبة التي قطنت هناك منذ ستينيات القرن الماضي، عاشت ما يسمى العصر الذهبي للمدينة، فتعرّفت وعايشت وعاشرت العديد من الوجوه الثقافية اللامعة، من موسيقيين أمثال عازف الجاز شارلز مينغيس، ومخرجين، أو حتى كتّاب وروائيين كصديقتها المقرّبة الراحلة توني موريسون (يأتي إهداء المسلسل لها). لكن نيويورك تلك، في عصرها الذهبي ذاك، لم تعد حاضرة اليوم. تغيّرت ملامحها كثيراً، فلم يعد الطابع الذي تحمله هو نفسه، وثقافة الجيل الجديد طغت على المشهد. إنه اشتكاء مباشر من زمنٍ مفقود، تلعب فيه الذاكرة دوراً فعّالاً في المقارنة مع حاضر يبدو أجوفَ بالنسبة إلى ماضٍ مشتعل ومثير، من دون تحميل انقضاض العمر سبب الانعطاف الكبير الذي حدث، بل بإشهار إصبع اللوم على حركة التغيّر السريعة التي قلبت الأشياء رأساً على عقب. هذا التناقض المُستتر هو ما يُشكل جوهر المسلسل. إنه الافتتان بمدينة صاخبة لا تنام، ومن ثم كرهها والانسلاخ عنها إذا ما انعطفت عن هويتها وقامت بقطيعة جذرية مع ماضيها. ينبثق دور فران ليبويتز من هذه النقطة. هو أداء طبيعي لا يجيد التمثيل، بل يتقن باحترافية كشط الزيف وتعرية التصنّع. هي تتذمّر من كل ما يجري حولها باندفاع وسخرية، تفكّر بصوت عالٍ غير آبهة بزلّة لسان أو شتيمة، وتدمج سردها لقصصها الشخصية، مع تعليقاتها اللاذعة حيال أوضاع مدينة لم تعد كما كانت عليه يوماً. إنه تداخل الذاتي مع العام. تقاطع بين فضاءَين: الداخلي (الإنساني) مع الخارجي (الموضوعي)، وزمنين: إحدهما راهني حالي، وآخر ماضٍ نوستالجي، ليصنع المسلسل مساره الخاص بجمعه لهذه التوترات، وتكون نقطة ارتكازه واحدة، فران ليبويتز المتماهية مع نيويورك، ولو تغير تموضعها أو تجزّأ، مترنّحاً بين التركيز على موضوع نيويورك تارةً أو ذاتية فران ليبويتز طوراً.

المدينة التي خرقتها سلطة المال، باتت تفرض أسلوب عيش استهلاكياً لا محالة منه، يسلّع كل شيء، ولا يسلم منه أحد


في الحلقة الأولى من المسلسل، تخبر فران ليبوبتز عن حادثة حصلت معها: «التقيت ذات يوم طبيباً نفسياً في حفلة، وقلت له… لا يمكنني التفكير في وظيفة مملّة أكثر من طبيب نفسي. فقال: ليس لديك أدنى فكرة أن يدرس المرء أربعة عشر عاماً ثم يجلس طوال اليوم ويستمع إلى أناس يتذمّرون من الضجيج. لذا من الواضح أن هذا هو حال الأطباء النفسيين في نيويورك». ستضفي هذه الافتتاحية طابعاً للمسلسل. ستعطي تعريفاً مختصراً لغاية ليبويتز في «تظاهر أنها مدينة». فالتناقض الحاصل بين سخريتها من وظيفة المعالج النفسي سيلتئم مع خطابها وحضورها. إنها حنكة مارتن سكورسيزي الخارقة في التوليف، حيث سيجعل من كاميرته معالجاً نفسياً، في أن يدع فران ليبويتز تطلق العنان لموهبتها الفذّة في التعليق والتعقيب، واستنباط مواضيع نظرية من الحياة اليومية أشبه بخلاصات وجودية بدون لجمٍ أو توقف، بل بحريةٍ متفلّتة بلا تكلف. لكن العلاج عند سكورسيزي ليس قائماً على الجلوس في غرفةٍ أو التمدد على أريكة، ويجوز للزائرة، وهي فران ليبويتز هنا، أن تجوب الشوارع وتزور المعارض وتتحدث بطلاقة في المسارح والمقاهي عن كل ما يعتريها من قلقٍ واشمئزاز من التبدلات العصريّة الناجمة.
بأسلوب كلاسيكي أورثوذكسي، لا يشبه لغته السينمائية المعروفة بالتكسير، والخروج عن المألوف، والتي تتمثل بالمونتاج السريع ومشاهد «الترانكيغ» الطويلة المعتادين عليها في أفلامه، يلتقط سكورسيزي فران ليبويتز وهي تجوب شوارع مانهاتن وعلامات الانفعال بادية على وجهها. «أكره تايمز سكوير»، «الناس نسوا كيفية المشي»، «تظاهروا أنها مدينة»، صرخات موجعة لا تتأخّر الكاتبة بالتعبير عنها، مشبهةً «تايمز سكوير» بشقة جدّتها، بينما يجلس المخرج أمامها مستمعاً، متفاعلاً معها في الكثير من الأحيان بضحكاته الطويلة. يطوف سكورسيزي وراءها. يخطو خطوتها، يتنقل معها. ضجيج المدينة خافت، حتى نكاد لا نسمعه إطلاقاً، لا في الأماكن العامّة ولا في محطة المترو. اختيار المخرج عدم توثيق ضجة المدينة، هو تأكيد منه على جنازة فران ليبويتز لنيويورك الضوضاء، نيويورك في زحمتها الساطعة البرّاقة، ليأخذ بذلك خيار نعيها، مصقلاً من شأن خطاب ضيفته، ليكون تركيزه المُطلق على صوتها هي: صوتها الذي يحمل بوحاً مضطرباً عن تبدلات غير موفّقة حدثت.
تتقدّم السلسلة، وتسترسل فران في التحدّث بأسلوبٍ ذاتي يميل إلى الشخصي، فاضحة واقع المدينة التي خرقتها سلطة المال، وباتت شعارات ونصائح فائضة الإيجابية سائدة، ورنّانة، تفرض أسلوب عيش استهلاكياً لا محالة منه، يسلّع كل شيء، ولا يسلم منه أحد. لقد تغيّرت المدينة إذاً. نيويورك «الجيل القديم» التي كانت أكثر عصرية، أكثر جمالاً، أكثر إبداعاً، غابت. مركز بيع الصحف على «مستديرة كولومبوس» الذي يعجّ بالحياة ليلَ نهارَ، اختفى، وحلّ مكانه على تلك المستديرة متجر لتأجير الدراجات الهوائية. نيويورك التي اعتدنا على حساسيتها الشعرية في أفلام الأسود والأبيض وأفلام السبعينيات، والتي كانت تغطيها الصحف من كل زواياها، أضحت الآن مركزاً للشاشات الإلكترونية العملاقة. تتظاهر فران ليبويتز بأنها لا تزال تعيش في مدينة. إنه العيش الذي يتطلب مساومة. لكنّ قبولها غير الإرادي للواقع الجديد، يشكل وقوداً لمواضيعها النقدية، ويزيد من لهيب أسلوبها. وهذا ما كرّسه مسلسل «تظاهر أنها مدينة» مراهناً على نبرة فران ليبويتز الحادة، ذاكرتها ونقدها الذي ينطلق من البسيط الى المعمّق، من انتشار الأجهزة الخلوية وصولاً إلى أزمة الكتب واضمحلال الموجات الثقافية. كلّ هذا التغيير، ولو استطاع أن يشرذمها بين حنين الماضي ورهبة الحاضر، لكنه لا يطاول «مقدّساتها» الخاصة. ما زالت فران ليبويتز من الطراز العتيق، ترتدي جاكيت بلايزر كبيرة وجينز «ليفايس» خصره عالٍ، وهي غير موجودة افتراضياً على منصات التواصل الاجتماعي.